واعلموا أيضًا أن من أعظم الأعمال صدقة السر الصدقة التي تنفقها بيمينك فلا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك مبالغة في السر بحيث تكون أبعد عن الرياء والسمعة هذه الصدقة تطفئ غضب الرب كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال: (( صنائع المعروف تقي مصارع السوء وصدقة السر تطفئ غضب الرب وصلة الرحم تزيد في العمر ) ), أما الصدقة المعلنة في الجرائد وأعمال الخير التي يطبلون لها ويزمرون مع وصف صاحبها بمختلف الأوصاف"المحسن الكبير""صاحب أعمال الخير"فلان وفلان هذه صدقة الرياء والسمعة تذهب هباء منثورًا لا تنفع صاحبها عند الله عز وجل, لا تطفئ غضب الرب بل ربما تزيد غضبه عز وجل.
و اعلموا أيها المؤمنون الصائمون أن من أعظم الأعمال وأجلها في هذا الموسم الكريم العمرة إلي بيت الله الحرام فإنها تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: (( لما رجع من حجة الوداع قال لامرأة من الأنصار يقال لها أم سنان: ما منعك أن تحجي معنا؟ فقالت: أبو فلان تعني زوجها أبو فلان له ناضحان حج على أحدهما والأخر نسقي عليه. فقال لها صلى الله عليه وسلم: فإذا جاء رمضان فاعتمري فإن عمرة فيه تعدل حجة معي ) ) (15) [4] . صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
اللهم إنا نسألك أن تعيننا على صيام هذا الشهر الكريم وعلى قيام هذا الشهر الكريم وعلى الطاعة والعبادة فيه . أن تعيننا فيه وفي غيره على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وعلى تلاوة كلامك العظيم آناء الليل وأطراف النهار ونسألك أن تتقبل منا ذلك كله يا كريم يا رحيم .
يا بن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله بها عليه عشرا ) ) (16) [5] . اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق و ذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
(1) صحيح البخاري (2840) صحيح مسلم (1153) .
(2) صحيح البخاري (1896) صحيح مسلم (1152) .
(3) مسند أحمد (2/174) .
(4) صحيح البخاري (1901) صحيح البخاري (760) من أبي هريرة رضي الله عنه .
(5) صحيح مسلم (233) .
(6) سنن الترمذي (2485) وقال: حديث صحيح ، سنن ابن ماجة (1334) عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه.
(7) صحيح البخاري (2009) صحيح مسلم (759) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(8) سنن الترمذي (806) وقال: حسن صحيح ، سنن النسائي (1605) سنن ابن ماجة (1327) عن أبي ذر رضي الله عنه.
(9) سنن الترمذي (2910) وقال: حسن صحيح غريب. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(10) 10] صحيح مسلم (804) عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه.
(11) 11] سنن الترمذي (2890) عن ابن عباس ، وقال: حديث حسن غريب.
(12) صحيح مسلم (2312) عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
(13) صحيح البخاري (1902) ، صحيح مسلم (2308) .
(14) صحيح مسلم (223) عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه.
(15) صحيح البخاري (1863) ، صحيح مسلم (1256) .
(16) صحيح مسلم (408) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
ـــــــــــــــــ
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
درس من وداع رمضان - دوام انفتاح أبواب الخير - أنواع من نوافل الصيام - القيام بعد رمضان - أهمية السنن الرواتب
الخطبة الأولى
أما بعد قال الله تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون [يونس:58] .
إن من أعظم نعم الله تعالى على عباده المؤمنين توفيقهم للطاعات وفعل الخيرات من صيام وقيام وقراءة للقرآن وصدقة وغير ذلك ومن أعظم هذه النعم أن يبلغهم شهر رمضان ذلك الموسم العظيم الحافل بالبركات والهدى والنور والفرقان, ذلك الموسم العظيم الذى تفتح فيه أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب النيران, ولله فيه عتقاء من النيران نسأل الله أن يجعلنا منهم. كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان, فإذا ما بلغوه وصاموه وأحيوا ليله حتى أتموه سألوا الله تعالى ستة أشهر أن يتقبله منهم.
نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتقبل منا أجمعين ويتوب علينا أجمعين وأن يبلغنا رمضان سنوات كثيرة عديدة عامرة بطاعته سبحانه مزدهرة بعبادته.
أيها المؤمنون: هذا هو رمضان ولى وانصرم كأنما هو طيف عابر مر ولم نشعر فيه بمضي الزمان ولا بكرِّ الليالى والأيام. هكذا العمر يمر بنا ونحن لا نشعر, يكون بعضنا غارقًا في شهواته حتى يغزو الشيب مفرقيه نظير أجل محتوم قد يحل بساحته, قد يحل الأجل والغافل لم يستقر بعد للرحيل, فإذا حانت ساعة الميعاد, فلات حين مناص, يحمل الغافل على الأعواد ويدس بين الإلحاد والذنب كثير والعمل قليل وحينئذ لا ينفعه أي عض على أصبع الندم ولا أن يهتف وينادي يا ليتنى أرد فأعمل غير الذى كنت أعمل, فالعمر فرصة لا تمنح للإنسان إلا مرة واحدة, فإذا ما ذهبت هذه الفرصة وولت فهيهات أن تعود.
فاغتنم أيها المؤمن هذه الفرصة قبل أن تموت, فإن أبواب الخير مفتحه أمامك في رمضان وغير رمضان, أبواب الخير والطاعات والعباده مفتحه أمامك في رمضان وفي غير رمضان.
فالصيام مثلًا ليس قاصرا على شهر رمضان, فقد سن لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صيام ست أيام من شوال فقال: (( من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال فكأنما صام الدهر كله ) ) (1) [1] وسن لنا أيضا صيام ثلاثة أيام من كل شهر: (( ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله ) ) (2) [2] رواه مسلم.
والأفضل أن يصوم الأيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر لحديث أبى ذر الغفاري رضي الله عنه عن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (( يا أبا ذر إذا صمت ثلاثة من كل شهر فصم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر ) ) (3) [3] رواه أحمد والنسائي.
وسن لنا أيضا صيام يوم عرفة وأخبرنا بأنه يكفر السنة الماضية والباقية, وصيام يوم عاشوراء وأخبرنا أنه يكفر السنة الماضية, وسن لنا صيام الإثنين من كل أسبوع وقال إنه يوم ولدت فيه وفيه أنزل علي.
وعن أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الصيام بعد رمضان فقال: (( أفضل صيام بعد رمضان صيام شهر الله المحرم ) ) (4) [4] وفي الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي كان يتحرى صيام الإثنين والخميس.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( تعرض الأعمال يوم الإثنين والخميس وأحب أن يعرض عملى وأنا صائم ) ) (5) [5] .
وعن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها قالت: (( ما أكمل رسول الله شهرًا قط إلا شهر رمضان وما رأيته أكثرصيامًا منه في شعبان ) ) (6) [6] فالحمد الله رب العالمين ذلك الصيام, وهو من أعظم العبادات, أبوابه مفتحه مشروعة في كل الشهور طوال السنة, فاغتنم الفرصه أيها المؤمن, فإن من صفات المؤمنين والمؤمنات أنهم صوامون قوامون قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون [الذاريات:17] . فصلتهم بربهم عز وجل الذى يحبهم ويحبونه, صلتهم لا تنقطع أبدا, فهم دائما وفي كل حين يذكرونه سبحانه وتعالى ويناجونه أما ذلك الذي لايعرف ربه إلا في رمضان, فإذا ما خرج من رمضان, أعرض عن ربه ونسي ذكره, ذلك في حبه لربه شك وارتياب, هذا ليس من شأن المحب أنه لا يذكر حبيبه إلا شهرا واحدا في السنة.
فاتقوا الله أيها المؤمنون واعمروا أيامكم وشهوركم عمركم كله بذكر الله عز وجل ومناجاته وعبادته.
اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب رسولك وحب من يحب رسولك وحب عمل يقربنا إليك.
اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك ونعوذ بك من سخطك والنار.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العلمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد فإن من بركات شهر رمضان قيام الليل ولكنه أيضا ليس خاصا برمضان, فربنا عز وجل كما أخبرنا النبي ينزل في كل ليلة من ليالى السنة إلى السماء الدنيا إذا بقي ثلث الليل الآخر فيقول: (( هل من تائب فأتوب عليه, هل من مستغفر فأغفر له, هل من سائل فأعطيه سؤله ) ) (7) [1] ولذلك سن لنا النبي القيام والصلاة في هذا الوقت الجليل المبارك.
وصلاة الليل مثنى مثنى أي ركعتين ركعتين, يصلي المؤمن ما تيسر له, وبما تيسر له من القرآن حتى إذا خشي أن يدركه الصبح صلى واحدة توتر له صلاته.
لقد حثنا ربنا على التقرب إليه بهذه النافلة وبمثلها من النوافل صيام أو صلاة أو صدقة أو غير ذلك. فقال تعالى في الحديث القدسي: (( ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ) )أداء الفرائض أولا ثم قال: (( ومازال يتقرب إلي عبدي بالنوافل حتى أحبه ) )لازال المؤمن يتزلف إلى ربه بما تيسر له من نوافل من صيام وصلاة وصدقة وقراءة للقرآن وغير ذلك حتى يحوز على تلك الدرجة العظيمة أن يحبه الله عز وجل وهذه الدرجة معناها وميزتها النور, إن من أحبه الله يمتلأ نورا كما امتلأ قلبه بنور الإيمان, فإن النور يفيض على جوارحه كلها: (( فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى عليها, ولئن سألنى لأعطينه, ولئن استعاذنى لأعيذنه ) ) (8) [2] .
وحثنا سيدنا رسول الله على صلاة الليل على وجه الخصوص فقال: (( أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام ) ) (9) [3] ولكن من لم يقدر على صلاة الليل وقيامه فعليه أن يحافظ على هذه السنن الرواتب التابعة للفرائض وهي اثنتا عشرة ركعة, قبل الظهر أربع وبعده ركعتان, وبعد المغرب ركعتان, وبعد العشاء ركعتان, وقبل صلاة الفجر ركعتان, قال الرسول: (( ما من مسلم يصلي لله تعالى كل يوم اثنتا عشرة ركعة تطوعا غير الفريضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة ) ) (10) [4] .
واعلموا أيها المؤمنون أن أداء النوافل, أداؤها في البيوت أفضل من المسجد وذلك لأنه بالصلاة وقراءة القرآن تعمر البيوت وتزدهر وتفر منها الشياطين وأما بدون ذلك فإن البيوت تظلم وتصبح قبورا وتمتلئ بالشياطين.
قال صلى الله عليه وسلم: (( لا تجعلوا بيوتكم قبورا, صلوا في بيوتكم ) ) (11) [5] ، وقال: (( صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة ) ) (12) [6] .
فاتقوا الله أيها المؤمنون واغتنموا العمر, اعمروا أيامكم وعمركم كله بطاعة الله.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله بها عليه عشرا ) ) (13) [7] اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم انك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
(1) مسلم: كتاب الصيام (1164) .
(2) مسلم: كتاب الصيام (1162) .
(3) الترمذي: كتاب الصيام (761) .
(4) مسلم: كتاب الصيام (1163) .
(5) النسائي: في الصيام (2358) .
(6) أخرجه النسائي بنحوه في الصيام (2354) .
(7) البخاري: التهجد (1094) .
(8) البخاري: الرقاق (6136) .
(9) ابن ماجة: أبواب إقامة الصلاة (1334) .
(10) رواه مسلم: كتاب صلاة المسافرين (103) .
(11) أخرجه أحمد (2/367) .
(12) أخرجه أبو داود في الصلاة (1044) .
(13) صحيح مسلم (408) .
ــــــــــــــــ
منصور الغامدي
الطائف
أبو بكر الصديق
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
مشاعر المسلمين عند استقبال شهر رمضان - فضل شهر رمضان - بعض الطاعات المطلوبة في شهر رمضان: التوبة ,الدعاء ,الإنفاق ,العمرة ,القيام - أصناف الناس في رمضان
الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا أيها المؤمنون، كم هي مشاعر الفرحة والغبطة التي تغمر المسلمين في أنحاء الأرض كلها، تخالط قلوبهم وهم يترقبون دخول هذا الشهر الكريم، شهر رمضان الكريم الذي أنزل فيه القرآن، لعلمهم أنه يحمل بين جنباته سعة رحمة الله ومغفرته ورضوانه قال: (( إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار، وصفرت الشياطين ) ) (1) [1] ، وفيه ليلة القدر خير من ألف شهر، قال ـ تعالى ـ: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم مّن كُلّ أَمْرٍ.
إن رمضان انبثاقة فجر جديد للعالم، إنه تشرف أن يكون فيه تبديد ظلام الشكر والضلال الذي خيم على الأرض قرونا، بنزول القرآن فيه، والصيام فيه يربي العبد على التطلع إلى دار الآخرة، فهو يترك طعامه وشرابه وشهوته انتظارا للجزاء الحسن يوم القيامة.
والصيام استسلام وعبودية لله، فالعبد يأتمر بأمر ربه في مواعيد الإمساك، ومواعيد الأكل والشرب، لا يتقدّم عنها ولا يتأخر. والصوم تربية للمجتمع على التلاحم والشعور بحاجة الآخرين.
أيها المسلمون، إن من رحمة الله ـ تبارك وتعالى ـ أن أخرَنا لبلوغ هذا الشهر، وأمهلنا فلم يتخطّفنا الموت كما تخطّف أناسًا غيرنا، ولو تأمّلنا قليلًا في حال بعض أقربائنا أو جيراننا أو أصحابنا في ساعة ما، فكم هي نعمة أن يبلّغنا ربنا هذا الشهر الكريم، ومنْ يدري هل سوف نبلغه العام القادم أم لا؟ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ.
إنك ـ أخي الكريم ـ ترى في هذا الشهر صنفًا مسارعًا إلى طاعةالله، لقد حنّوا في مسيرهم الدنيا إلى الله العلي الكبير، فكلّما تذكروا ما أعدّ الله للصائمين من عظيم الأجر قالوا:
يا حبذا الجنة واقترابها ... ... طيبةٌ وباردٌ شرابها
إنك تراهم يحملون هممًا عالية في الخير، وهممًا في الإحسان إلى الناس، وهممًا في البر والمعروف، لقد استعد أهل الدنيا لاستقبال هذا الشهر الكريم، فكيف استعدوا هم له وبم يستقبلونه، ومن أعمالهم فيه التوبة والاستغفار، فرمضان فرصة عظيمة وساحة واسعة للتفكير الصادق في العودة إلى الله ـ تعالى ـ، وترك أكل الحرام وشهادة الزور، والتوبة الصادقة من الظلم والغيبة والنميمة، وقد قال الله ـ تعالى ـ: وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
فإن لم نبت في رمضان فليت شعري متى نتوب؟ ولله ـ سبحانه ـ في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار.
ثانيا: الدعاء: قال ـ تعالى ـ: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ وقال: (( لكل مسلم دعوة مستجابة يدعو بها في رمضان ) ) (2) [2] ، وعلى المسلم أن يتخير أوقات في أدبار الصلوات المكتوبات، وما بين الأذان والإقامة، وفي الساعة الأخيرة من يوم الجمعة، وعند دخول الإمام إلى أن تنقضي صلاة الجمعة، وعند إفطار الصائم وغيرها.
صرفت إلى رب الأنام مطالبي ... ... ووجهت وجهي نحوه وقالبي
إلى الملك الأعلى الذي ليس فوقه ... مليك يرجى شيبه وفي المتاعب
فما زال يوليني الجميل تلطفا ... ... ويدفع عني في صدور النوائب
إذا أغلق الأملاك دوني قصورهم ... ... ونهنه عن غشيانهم زجر حاجب
فزعت إلى باب المهيمن طارقا ... ... مدلا أنادي باسمه غير هائب
فلم أنف حجابا ولم أخش منعة ... ... ولو كان سؤلي فوق هام الكواكب
كريم يلبي عبده كلما دعا ... ... نهارا وليلا في الدجى والغياهب
سأسله ما شئت إن يمينه ... ... تسح رفاقا باللهى والرغائب
ثالثا: الإنفاق:
النفقة من أسباب القرب من الله ـ تعالى ـ ودخول الجنة أو سارعوا إلى مغفرة قال: (( ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه ) ) (3) [3] ، وإنها لفرصة ثمينة أن ينال العبد الأجر العظيم، بصدقة لا تنقص ماله، وقال: (( صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر ) ) (4) [4] .
رابعا: العمرة: قال: (( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) ) (5) [5] وهذا الفضل العظيم للعمرة عام في كل حين وأما في رمضان فإن فضلها يتضاعف، فقد قال لامرأة من الأنصار: (( فإذا جاء رمضان فاعتمري، فإن عمرة فيه تعدل حجة، أو قال: حجة معي ) ) (6) [6] .
بارك الله لي ولكم...
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.
أما بعد:
فمن أعمالهم الصالحة الموفقة كذلكم:
خامسا: القيام، كما أن شهر رمضان شهر الصيام، فهو كذلك شهر القيام قال ـ تعالى ـ: قُمِ الَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا نّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتّلِ الْقُرْءانَ تَرْتِيلًا.
وقال ـ تعالى ـ في صفة عباده المحسنين: كَانُواْ قَلِيلًا مّن الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.
وقل: (( من قام رمضان إيمانا وإحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ) (7) [1] ، وكانوا لا يقتصرون على هذه الأعمال بل كل شيء يقربهم إلى الجنة ويباعدهم عن النار. جعلنا الله وإياكم من هذه الصنف من الناس الذي عرف حقيقة الوقت وعمل لما بعد الموت، وهناك صنفان من الناس، لم يتكيف مع رمضان كما ينبغي بل كان واقعه مختلفا عن هدي السلف الصالح ولعلي أقص عليك طرفا منها:
فمنهم من يغلق مجاري الابتسامة على شفتيه، فما تراه إلا معبس الوجه مقطب الجبين، وإن حصل بينه وبين إنسان اخر شيء من الخلاف، سمعت السب والشتم ورفع الصوت، أو يكون نهاره إفطارا على لحوم إخوانه المسلمين وتتبعًا لعوراتهم، بل لا يكاد يسلم منه المسلم الذي يصلي بجواره في المسجد. ونقول لهذا الصنفان من الناس رويدك فما هكذا يكون خلق الصائم، وما هكذا يقضي يومه.
ومنهم من يجعل شهر رمضان شهر النوم والكسل والبطالة، فيقضي جل نهاره نائما وربما تجد البعض لا يستيقظ إلا قبيل المغرب بلحظات، وقد فاتته صلاة الظهر والعصر.
ومنهم من يمضي ليله أمام أجهزة الإفساد إلى قبيل الفجر عند نزول الرب إلى السماء الدنيا، فهو يطيع الله في النهار ويعصيه في الليل.
ومنهن من تقض ليالي رمضان في التجول في الأسواق وأمام نوافذ المشاغل، وفي أماكن أخرى، وربما خرجن بدون محرم، أو متبرجات سافرات، فيرجعن مأزورات غير مأجورات.
عجيب هذا الصنف من الناس، كيف لم يقدروا هذا الشهر حق قدره ولم يستشعروا حديث النبي: (( أتني جبريل فقال: يا محمد من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله، فقلت: آمين، قال: ومن أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار فأبعده الله، فقلت: آمين، قال: ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فأبعده الله فقلت: آمين ) ) (8) [2] .
فنسأل الله ـ عز وجل ـ في هذه الساعة المباركة أن لا يجعلنا منهم نحن ولا أهلونا.
إن هؤلاء القوم يخشى عليهم ينتهي أن رمضان وقد حرموا خيرا عظيما، اللهم لا تجعل حظنا من صيامنا الجوع والعطش، ولا من قيامنا النصب والتعب.
ألا وصلوا وسلموا...
(1) أخرجه البخاري: كتاب الصوم - باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان؟... حديث (1899) ، ومسلم: كتاب الصيام - باب فضل شهر رمضان ، حديث (1079) .
(2) قال الهيثمي في المجمع (3/143) : عن أبي سعيد قال: قال رسول الله: (( إن لله تبارك وتعالى عتقاء في كل يوم وليلة - يعني في رمضان - وإن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة ) ). رواه البزار وفيه أبان بن أبي عياش ، وهو ضعيف. اهـ. قلت: لم أجده في المطبوع من مسند البزار ن وقال ابن حجر في أبان: متروك ، التقريب (ص87) ، فإسناده ضعيف. وأخرج أحمد (2/254) عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد - شك الأعمش - قال: قال رسول الله: (( إن لله عتقاء في كل يوم وليلة ، لكل عبد منهم دعوة مستجابة ) )قال الهيثمي في المجمع (10/216) : ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع (2165) .
(3) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة - باب استحباب العفو والتواضع ، حديث (2588) .
(4) أخرجه الطبراني في الكبير (8014) ، قال الهيثمي في المجمع (3/115) : إسناده حسن ، وصححه الألباني في الصحيحة (1908) .
(5) أخرجه مسلم: كتاب الحج - باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة ، حديث (1349) .
(6) أخرجه البخاري: كتاب العمرة - باب عمرة في رمضان ، حديث (1782) ، وكتاب جزاء الصيد - باب حج النساء ، حديث (1863) ، ومسلم: كتاب الحج - باب فضل العمرة في رمضان ، حديث (1256) .
(7) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان - باب تطوع قيام رمضان من الإيمان ، حديث (37) ، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين - باب الترغيب في قيام رمضان ، حديث (759) .