فلنتق الله أيها المسلمون ،ولنعرف لرمضان حقه وحرمته ،ولنترك المعاصي والذنوب ،ونتوب إلى الله توبة صادقة في هذا الشهر فإنها والله فرصة، والمحروم من حرم ذلك.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ألم تلك آيات الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا أولئك لهم عذاب مهين وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرًا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم خالدين فيها وعد الله حقًا وهو العزيز الحكيم.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
الخطبة الثانية
أما بعد:
أيها المسلمون الصائمون: بقيت كلمة تتعلق بجهاز التلفاز في رمضان. تتعلق بالقنوات الفضائية التي تستقبل عن طريق الأقراص ،التي تسمى بالدش. إن الشر الذي يعرض في المحطات القريبة حولنا ،لكافٍ في هدم دين وأخلاق المجتمع. فما بالكم لو سُهّل للناس رؤية محطات فرنسا وبريطانيا وأمريكا ،وقد سُهّل ذلك ،إنه باب من الشر لا يعلمه إلا الله.
ـــــــــــــــ
محمد بن محمد المختار الشنقيطي
المدينة المنورة
قباء
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-كثرة ذنوبنا وخطايانا تدعونا لتوبة نصوح في رمضان. 2- صيام الجوارح مع الصيام عن الطعام والشراب. 3- رحمة الفقراء والمحتاجين في رمضان. 4- نعمة إدراك رمضان وبلوغه. 5- رمضان شهر القيام وشهر قراءة القرآن. 6- تزكية عمل المؤسسات الخيرية التي تهتم بأحوال المسلمين. 7- الحث على التبرع لجمعية تحفيظ القرآن الكريم.
الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا عباد الله اتقوا الله حقيقة التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن أجسادنا على النار لا تقوى، وأكثروا من ذكر الموت والبلى وقرب المصير إلى الله جل وعلا.
عن أبي هريرة وأرضاه أن رسول الله قال: (( إذا دخل رمضان فتحت أبواب الرحمة ) ) (1) [1] .
فتحت أبواب الرحمات، فتحت أبواب الخيرات والبركات، فتحت أبواب المغفرات. فما أحوجنا إلى رحمة من ربنا، ما أحوجنا إلى رحمة من رحماته ومغفرة من واسع مغفراته.
وقفنا على أبواب رمضان، وكلنا أمل في عفو الحليم الرحمن. وقفنا وقد أثقلتنا ذنوبنا وعظمت علينا عيوبنا وإساءتنا، وفي الله رجاؤنا وأملنا، فبباب الله أنخنا، ولرحمته وحلمه وعفوه تعرضنا، فيا أرحم الراحمين لا تجعلنا عن بابك مطرودين، ولا من فضلك وإحسانك ـ بما كان منا من إساءة ـ محرومين، اللهم إنا نسألك من واسع رحمتك.
الأمل في الله كبير، الأمل في الله عظيم، فما منا إلا ومذنب ومسيء, وما منا إلا وهو مخطئ ولكن رجاؤنا فيمن يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ومن يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.
(( يا بن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني لغفرتها لك ولا أبالي ) ) (2) [2] . استغفروا الله؛ فإن الله غفور رحيم، واستفتحوا شهركم بتوبة نصوح يأمن العبد بها الخزي والفضوح، فكم لله جل وعلا في هذه الأيام من نفحات ورحمات.
ما أحوجنا أن نستفتح هذا الشهر الكريم وقد ألقيت عن ظهورنا الأحمال والأوزار، وما ذلك على الله بعزيز.
نقف اليوم على مشارف شهر رمضان ، شهر الرحمات والبركات والخيرات، ونحن أحوج ما نكون إلى أسباب رحمة الله.
ألا وإن من أسباب رحمته صفاء قلوبنا ونقاء صدورنا من الشحناء والبغضاء.
كفى أيها المتهاجرون، كفى أيها المتقاطعون، كفى أيها المتباعدون.
إلى متى ونحن متعادون؟ إلى متى ونحن مختلفون؟ إلى متى ونحن متباغضون؟ هل لنا أن نستفتح هذا الشهر الكريم وقد ملئت قلوبنا بالصفاء والمودة والإخاء؟
فيا أيها الأحبة في الله: دعوة أن تصوم قلوبنا عن الشحناء والبغضاء، كفى ما مضى فما قلتم ولا قلنا ولا كان بينكم بيننا. كفى، فلا كان منكم ولا كان منا، ولا فعلتم ولا فعلنا. فلتجتمع قلوبنا ولتلتحم صفوفنا ولنرض الله جل وعلا.
صفحًا عن الأبناء والبنات، صفحًا عن الإخوان والأخوات، صفحًا عن المؤمنين والمؤمنات.
ما أحوجنا أن نصوم صيام الصالحين فنستفتح هذا الشهر المبارك وقد زال ما بيننا وبين المؤمنين، ما أحوجنا في هذا الشهر المبارك أن ننظر إلى البائسين، وأن نرحم البائسين، وأن نحسن إلى المحتاجين، فالله يرحم من عباده الرحماء.
ألا عطفًا على البائسين والمحتاجين والمنكوبين, فمن رحم عباد الله رحمه الله، والصدقة تطفئ غضب الله، فكم من حسنة إلى منكوب، وكم من صدقة إلى مكروب غفر الله بها الذنوب، وستر بها العيوب، فاحتسبوا عند الله.
إن الصيام يذكركم بالجائع الذي لا يجد طعامه. إن الصيام يذكركم بإخوان لكم في الدين عاشوا بائسين منكوبين، يذكركم بتلك الأمعاء والأحشاء التي ظمئت وجاعت فاحتسبوا عند الله، فمن فرج كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، يسروا على المعسرين، وأحسنوا إلى المحتاجين. فكم غابت شمس رمضان فغابت معها ذنوب العباد من الله الرحمن. ارحموا عباد الله فإن الله يرحم من عباده الرحماء.
عباد الله ما أحوجنا ونحن نعيش هذه الأيام أن نلهج بالثناء والشكر لله فاطر الأرض والسماء. بلغنا رمضان وما كنا لنبلغه بحولنا وقوتنا. كم من قلوب تمنت, وكم من نفوس حنت أن تبلغ هذه الساعات واللحظات دهمهم هادم اللذات، فهم غرباء سفر لا ينتظرون، وسكان لحد وشق إلى الحشر يساقون. فيا عباد الله اشكروا نعمة الله عليكم بالحياة وبلوغ شهر رمضان, واسألوه التوفيق للطاعة؛ فإنه الموفق والمسدد لمن شاء من عباده، واحمدوا نعمة الله على عافية الأبدان، وأمن الأوطان، وما كان من الله من إحسان، فمن شكر نعمة الله آذنه بالمزيد. اللهم لك الحمد كالذي نقول ولك الحمد خيرًا مما نقول.
عباد الله: شهر الصيام صامت فيه الجوارح والأركان عن الآثام والعصيان، فطوبى لمن صامت أحشاؤه وأمعاؤه, وطوبى لمن صام بصره عن الحرام، وصام لسانه عن الفحش والآثام، طوبى لمن صام الشهر واستكمل الأجر، وأدرك ليلة القدر. أخذ رمضان كاملًا وسلمه للملائكة كاملًا، فلا غيبة ولا نميمة ولا أذية للمؤمنين صام فصامت جوارحه وأركانه قانتًا آناء الليل ساجدًا وقائمًا يرجو رحمة ربه ويخشى من عذابه.
الصيام إقبال على الله، مدرسة الصالحين ومنازل الأخيار والمتقين، فلمثل هذا فليعمل العاملون. جعلنا الله وإياكم منهم أجمعين.
عباد الله: إن قيام شهر رمضان حسنة من الحسنات وطاعة من أجلَّ الطاعات.
عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين, وخُلق عباد الله المتقين كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون [الذاريات:17-18] .
وأكثروا من تلاوة القرآن؛ فإنه يأتي شفيعًا لأهله يوم القيامة. أكثروا من قراءة القرآن في شهر رمضان؛ فإنه نعمة ورحمة وهداية وموعظة, وقفوا أمام الآيات وتدبروا تلك العظات البالغات، وأتبعوها العمل تحببًا إلى الله فاطر الأرض والسموات.
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا وسائقنا وقائدنا إلى رضوانك وجناتك جنات النعيم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله عظيم الإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الواحد الديان، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله الذي أرسله بالهدى والبيان، فشرح به الصدور وأنار به القلوب. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ما آذنت شمس بغروب، ومن سار على نهجهم، واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل.
عباد الله إن المؤسسات الخيرية والجماعات الخيرية تقوم بأمر عظيم، تحملت الأمانة وقامت بتلك المسئولية العظيمة التي رعت فيها أبناء المسلمين وبناتهم. فالله أعلم كم فرجت بهم من كربات, وكم زالت بهم من نكبات. الله أعلم كم كان من هذه الجمعيات والمؤسسات الخيرية من خير وبر. أسأل الله العظيم أن يعظم أجرهم وأن يثقل في موازين الحسنات حسناتهم.
عباد الله: ووراء هذه الجمعيات أقوام يحتسبون الأجر عند الله ومحسنون بذلوا لوجه الله فكم كان لهم من فضل بعد الله عز وجل في بقائها وحسن أدائها وعظيم رعايتها.
فيا عباد الله: القيام بأمر هذه الجمعيات يحتاج إلى معونة ومساعدة ومواساة من المسلمين يحتاج إلى كل واحد منا أن يقف مع إخوانه ويعينهم على الطاعة والبر. فمن أعان ذا خير على خيره أُجر كأجره، فتعاونوا على البر والتقوى، واحتسبوا ـ عباد الله ـ في مد يد العون لهم فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
ومن هذه الجمعيات والمؤسسات تلك المؤسسة الخيرية والجمعية المباركة التي قامت على تحفيظ كتاب الله لأبناء المسلمين وبناتهم. كم حبرت من آيات، وسمعت من تلاوات وكم من جاهل عُلِم، وكم من ضال قُوِّم. كم كان فيها من خير. كم كان فيها من نفع للمسلمين والمسلمات فاحتسبوا ـ عباد الله ـ في معونتها وأداء الخير إليها. وما يدريك فلعل هذا المال الذي تدفعه أن يكون سببًا في حفظ كتاب الله جل وعلا. وما يدريك فلعل هذا المال الذي تعطيه يكون سببًا في حفظ آية أو سورة، ما تلفظ بها صاحبها إلا كان لك كأجره، ما يدريك لعل الله عز وجل أن يرحمك بما كان منك من خير لكتابه، ومن أعان على حفظ كتابه، وإن إخوانكم ينتظرون منكم العون فأعينوهم أعانكم الله. تقبل الله منا ومنكم.
ألا وصلوا وسلموا على خير خلق الله، الرحمة المهداة والنعمة المسداة؛ فقد أمركم الله بذلك....
(1) رواه البخاري في كتاب الصوم،
(2) هذا حديث قدسي رواه الترمذي في كتاب الدعوات عن أنس، ورواه أحمد (5/167) من حديث أبي ذر بمعناه.
ـــــــــــــــ
مرزوق بن سالم الغامدي
مكة المكرمة
الرحمة
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-اغتنم رمضان فلا تدري لعلك لا تدركه ثانية. 2- الاستعداد لشهر رمضان بتصحيح السلوك وتحقيق كمال الإيمان والتوبة من الذنوب. 3- بعض فضائل رمضان. 4- بعض الأحكام المتعلقة بالصيام والقيام. 5- القنوت في صلاة الوتر.
الخطبة الأولى
أيها الإخوة: ما أشبه الليلة بالبارحة هذه الأيام تمر بسرعة وكأنها لحظات، لقد استقبلنا رمضان ثم ودعناه، وما هي إلا فترة من الزمن وإذا نحن نستقبل رمضان مرة أخرى.
أيها الإخوة: ولو نظرنا حولنا لوجدنا أن بعضًا ممن أدرك رمضان الماضي أصبح من أهل القبور وربما البعض منا في هذا العام ممن يقدر الله له أن يصوم رمضان كاملًا. فيقدر الله ألا يكون من أهل الدنيا بعده فيكون آخر رمضان يصومه ويقومه، ولو استشعر كل منا هذا الأمر واستعد للموت بعد رمضان أو في أثنائه وصام رمضان إيمانًا واحتسابًا وقامه أيضًا إيمانًا واحتسابًا لنال السعادة والفوز بالجنة، فرغم أنف ثم رغم أنف من أدرك رمضان ولم يغفر له.
أيها الإخوة: إن الاستعداد في رمضان يكون بمحاسبة النفس على تقصيرها سواء بالتقصير في تحقيق الشهادتين أو التقصير في الواجبات أو التقصير في عدم ترك ما نقع فيه من الشهوات أو الشبهات .. فيقوم العبد سلوكه ليكون في رمضان على درجة عالية من الإيمان .. فالإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فأول طاعة يحققها العبد هي تحقيق العبودية لله وحده وينعقد في نفسه ألا معبود بحق إلا الله فيصرف جميع أنواع العبادة لله لا يشرك معه أحدًا في عبادته، ولا يرائى بعبادته، ومنها العبادات القلبية من خشية ورهبة وخوف ورجاء وتوكل وإنابة وإخبات ورغبة واستعانة واستغاثة وأيضًا وكل أنواع العبادة الظاهرة، ويستيقن كل منا أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا وأن كل شيء بقدر.
ونمتنع عن كل ما يناقض تحقيق الشهادتين وذلك بالابتعاد عن البدع والإحداث في الدين. وبتحقيق الولاء والبراء، بأن نوالي المؤمنين ونعادي الكافرين والمنافقين، ونفرح بانتصار المسلمين على أعدائهم، ونقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ونستن بسنته صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، ونحبها ونحب من يتمسك بها ويدافع عنها في أي أرض وبأي لون وجنسية كان.
بعد ذلك أيها الإخوة نحاسب أنفسنا على التقصير في فعل الطاعات كالتقصير في أداء الصلوات جماعة وذكر الله عز وجل وأداء الحقوق للجار وللأرحام وللمسلمين وإفشاء السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق، والصبر على ذلك، وبالصبر عن فعل المنكرات، أو بالصبر على فعل الطاعات، أو بالصبر على أقدار الله عز وجل.
ثم تكون المحاسبة على فعل المعاصي واتباع الشهوات بمنع أنفسنا من الاستمرار عليها، أي معصية كانت صغيرة أو كبيرة، سواء كانت معصية بالعين، بالنظر إلى ما حرم الله أو بالسماع للمعازف أو بالمشي فيما لا يرضي الله عز وجل، أو بالبطش باليدين في ما لا يرضي الله، أو بأكل ما حرم الله من الربا أو الرشوة أو غير ذلك مما يدخل في أكل أموال الناس بالباطل.
ويكون نصب أعيننا أيها الإخوة أن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، وقد قال سبحانه وتعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين.
وقال تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم. وقال تعالى: ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا.
بهذه المحاسبة وبالتوبة والاستغفار يجب علينا أن نستقبل رمضان، فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
أيها الإخوة: إن شهر رمضان شهر مغنم وأرباح والتاجر الحاذق يغتنم المواسم ليزيد من أرباحه فاغتنموا هذا الشهر بالعبادة وكثرة الصلاة وقراءة القرآن والعفو عن الناس والإحسان للغير والتصدق على الفقراء.
ففي شهر رمضان تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار وتصفد فيه الشياطين وينادي منادٍ كل ليلة: يا باغي الخير أقبل هلم، ويا باغي، الشر أقصر.
فكونوا عباد الله من أهل الخير متبعين في ذلك سلفكم الصالح مهتدين بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم حتى نخرج من رمضان بذنب مغفور وعمل صالح مقبول.
أسأل الله العلي العظيم أن يوفقنا جميعًا لذلك ويعيننا على الصيام والقيام وفعل الطاعات وترك المنكرات إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
قال تعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريدُ الله بكمُ اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون.
أيها الإخوة: أخلصوا النية لله في صيامكم وقيامكم، وبيتوا النية بالصيام، ويصح أن تنووا صيام الشهر كله إذا لم تخرموه بإفطار بعذر. لقوله صلى الله عليه وسلم: (( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ) ). ولقوله صلى الله عليه وسلم: (( من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له ) ). فمن أفطر بعذر لسفر أو لمرض أو لغيره فعليه تجديد النية.
وعلى المسلم أن يتحلى بالصبر حتى وإن سابه أحد أو شاتمه كما جاء في الحديث الصحيح: (( فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم ) ).
ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم تأخير السحور وتعجيل الإفطار، ويكون تأخير السحور إلى ما قبل الفجر بما يقدر بقراءة خمسين آية، وعلى المسلم أن يتسحر ولو بقليل من الماء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( تسحروا فإن في السحور بركة ) ).
وإذا أصبح الصائم وهو جنب من الليل فليغتسل ولا شيء عليه، وكذلك من أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه فإنما أطعمه الله وساقاه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، والمسافر مخير بين الصوم والإفطار أثناء سفره كما جاء في صحيح مسلم عن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه ) ). هذا في السفر المباح أما من سافر بقصد الإفطار أو سافر في معصية فأفطر فهو آثم وعليه وزر وعليه القضاء مع التوبة والاستغفار.
وقد شرع في رمضان الاعتكاف في العشر الأواخر منه استعدادًا وتحريًا لليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وهي الليلة المباركة التي يفرق فيها كل أمر حكيم أسأل الله العلي العظيم أن يجعلنا ممن يحظون بالقيام والدعاء والاستغفار في ليلة القدر إنه ولي ذلك والقادر عليه.
كما أنه يشرع قيام رمضان وأن من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة .. فلله الحمد والمنة، يقوم المصلي ساعة من الليل مع الإمام فكأنما قام الليل كله.
ولا ننسى أيها الإخوة الاهتمام بالفرائض أولًا والمواظبة عليها في المساجد جماعة، فالله عز وجل يحب التقرب إليه بالفرائض .فلا ننسى الأصل والفرض ونهتم بالنوافل والمستحب.
وصلاة القيام أيها الإخوة ليس لها أذان ولا إقامة، وقد سئلت أمنا عائشة رضي الله عنها عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فقالت: لم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا غيره عن إحدى عشرة ركعة.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (( صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة ) )إذًا الأفضل أن تكون صلاة الليل إحدى عشرة ركعة بقراءة مرتلة وخشوع واطمئنان في جميع الأركان ومن زاد على إحدى عشرة ركعة فلا بأس لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( صلاة الليل مثنى مثنى ) )، سواء صلى المصلي ثلاثًا وعشرين أو ثلاثًا وثلاثين أو غير ذلك المهم أن تكون الصلاة بقراءة مرتلة وخشوع واطمئنان وسواء صلاها المسلم مع الإمام في المساجد أو صلاها منفردًا في بيته.
أما دعاء القنوت في الوتر فلم يثبت فعله عن النبي صلى الله عليه وسلم لا في رمضان ولا في غيره، لا منفردًا ولا في جماعة حيث قد صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالصحابة في رمضان في عدة رمضانات وفي ليالي متفرقة من كل رمضان صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالصحابة ولم ينقل عنه أنه قنت في الوتر، ولذلك أخذ المالكية بهذا الأمر فهم لا يقنتون لا في رمضان ولا في غيره وأهل بلاد المغرب يتمسكون بعدم القنوت طوال العام.
ولكن أيها الإخوة حيث ثبت أن الصحابة قد قنتوا في النصف الأخير من رمضان في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلذلك رأى بعض أهل العلم أن القنوت في الوتر لا يشرع طوال العام إلا في النصف الأخير من رمضان، وبهذا أخذ الشافعية فهم لايقنتون في الوتر طوال العام إلا في النصف الأخير من رمضان ودليلهم قوي لإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ذلك.
وأما من يقنت في الوتر طوال العام بحجة الحديث الذي يروى عن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم للحسن رضي الله عنه دعاء القنوت المشهور، فقد قال بعض أهل العلم لا بأس بذلك. إذًا فمن قنت أوترك. أو اقتصر على النصف الأخير من رمضان فلا بأس. ولا ينكر على أحد منهم، فالأمر واسع والحمد لله.
ولكن الأرجح هو أن يكون دعاء القنوت في النصف الأخير من رمضان، والدعاء في القنوت ينبغي أن يكون موافقًا لما ثبت عن إجماع الصحابة، مع البعد عن التعدي في الأقوال والبعد عن الإطالة والتنغيم تشبهًا بقراءة القرآن والأولى إخشاع القلوب بالقرآن وبحسن التلاوة مع تطبيق السنن في الصلاة من خشوع وطمأنينة، وقراءة دعاء الاستفتاح الذي يتهاون به كثير من أئمة التراويح هذه الأيام، نسأل الله لنا ولهم الهداية والإخلاص في القول والعمل إنه سميع مجيب.
ــــــــــــــــ
فهد بن عبد الرحمن العبيان
الرياض
غير محدد
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-فضل الصوم ومكانته. 2- فضل شهر رمضان وحال السلف فيه. 3- حال الناس هذه الأيام في رمضان. 4- الحكمة من مشروعية صوم رمضان هي تحقيق التقوى.
الخطبة الأولى
أما بعد:
أيها المؤمنون: قد أظلنا شهر الرحمات والبركات شهر الطاعات والصدقات، شهر يجازي فيه الله على القليل بالكثير، ويضاعف فيه الحسنات شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.
قال: (( أتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين،لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حرم ) ).
وقال عليه الصلاة والسلام: (( الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان ) ).
وقال: (( ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا ) ).
وقال: (( قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به ) ). أي أن أجره عظيم تكفل الله به لعباده الصائمين المخلصين.
عباد الله: شهر رمضان عند سلفنا الصالح ليس شهر النوم والبطالة والبدانة، إنه شهر عظيم عرفوا قدره ومكانته وعلموا أن من حرم الخير والرحمة فيه فهو المحروم حقًا.