مها عبد الهادي فلسطين
وسط فضاء المقاومة تتسع حياة الأبطال للعديد من المواقف والأحداث والمشاهدات التي ربما لا يعرفها الكثيرون، ومن هؤلاء الشيخ أحمد ياسين زعيم حركة المقاومة الإسلامية"حماس"في فلسطين، الشيخ القعيد الذي أقام العالم.
ترى كيف هو رمضان في حياة شيخ الانتفاضة ؟ ما هي ذكرياته في هذا الشهر؟ وكيف تحول الاحتفاء به مع مرور هذه السنين؟
لم يعد رمضان متسقًا مع إيقاع حياتنا المعاصرة فما رأيكم في تغيره؟!
* لقد كان رمضان في تاريخ المسلمين شهرًا للعبادة؛ الصوم في النهار، والقيام في الليل، والذكر في كل الأحوال، وقراءة القران، لأن رمضان هو شهر القرآن الكريم، فيخرج المؤمنون من رمضان وقد تزودوا بخير الزاد، وشحنت نفوسهم وأرواحهم بالإيمان والتقوى والتآلف والمحبة والتراحم ورعاية الضعفاء والمساكين والفقراء وصلة الأرحام، مما يقوي وحدة الأمة وترابطها، ويعلي من شأنها بين الأمم، ويدفعها للتصدي لعدوان المعتدين، والاستعداد للتضحية والجهاد والفداء بالنفس والمال.
ورمضان على مدار تاريخ الأمة الإسلامية شهر الانتصارات، الانتصار في ميادين القتال مثل معركة بدر وفتح مكة وحطين وعين جالوت، والانتصار على النفس البشرية وضعفها وهواها، فتخرج من رمضان زاكية زكية، ومن الذنوب نقية، وهكذا كانت أمتنا بالفعل"خير أمة أخرجت للناس".
ومع مرور الزمن وسقوط الخلافة الإسلامية، ووقوع البلاد الإسلامية في قبضة الاستعمار، وهجمات التغريب على أمتنا، وتنحية الإسلام عن سدة الحكم وإبعاده عن مجريات الحياة، تسربت إلى مجتمعنا حيلة جديدة تحرمنا أجر الشهر العظيم،و تمثلت في الإقبال على الطعام والموائد الفاخرة بعيدًا عن الحكمة التي قصدها الشارع من رمضان، وهي رياضة الروح والجسد بتقليل الطعام، وبعيدًا عن تلاوة القرآن والذكر والقيام التي أرادها الشارع لصفاء النفوس وشحذ الهمم والعزائم، ليتلقى الناس رمضان بمسلسلات تعرض هنا وهناك على شاشة التلفاز أو الإذاعة أو السينما أو على صفحات الجرائد والمجلات، تهدر الوقت بعيدًا عن الطاعة الحقيقية المتصلة بالله تعالى من صلاة وصيام وقيام وزكاة .
وتغيير نسق الحياة هذا هو المطلوب ليعود الناس إلى الأصالة من جديد، وإلى العبادة بعيدًا عن زخارف الدنيا وملهياتها من الموسيقى والرقص والغناء والمسلسلات الهابطة التي لا تخدم إلا الغرائز والشهوات. ما أحوجنا أن تهتم أمتنا بنسق الحياة الكريمة، ويهتم مسئولو التوجيه في الأمة الإسلامية بالعودة إلى بساطة الحياة وعمق الإيمان بعيدًا عن الزخارف والقشور.
كنتم وأنتم صغار تستقبلون رمضان والعيد بطقوس احتفالية خاصة، والآن اختفت هذه الطقوس، وحلت محلها برامج تليفزيونية وألعاب بلاستيكية، فهل يمكن أن نستعيد ما تاه منه في أضواء المدينة؟
* كنا مع بداية شهر رمضان نخرج في الشوارع ونحن نضرب على الصفائح ونغني لرمضان، وكان الطبالون يخرجون في مواعيد السحور يطبلون ليوقظوا الناس لتناول وجبة السحور، كانت البساطة تغلب على حياتنا، فالكل يذهب إلى المسجد في صلاة التراويح والفجر وبقية الصلوات، والكل يجتمع ليسمع إلى دروس الوعظ والإرشاد، والتي تلقى في المسجد أو يتم الحديث عنها في الدواوين بعد صلاة التراويح، نعم كان الكل مشغولًا بالعبادة والذكر وفعل الخير وقراءة القرآن، منا من كان يختم القرآن مرة واحدة، ومنا من كان يختمه عدة مرات، الكل يعي أن العمل في رمضان خير من بقية الشهور، والصدقة فيه بسبعين ضعفا عن غيره من الشهور، تستجاب فيه الدعوات، لأن دعوة الصائم لا ترد، ولأن الله سبحانه وتعالى نسب الصوم لنفسه، وتكفل بالجزاء عليه.
ولكن الصائمين اليوم يغلب عليهم السهر على المسلسلات وبرامج التلفاز، ونحن هنا لسنا ضد التقدم والحداثة، فما أجمل أن يجمع المسلم بين الأصالة والحداثة بدون غلو أو تفريط، ولكن بدون مستجدات العصر التي تزعج الناس وتقتل الوقت بدون فائدة تذكر، فالإنسان بحاجة لأن يروح عن نفسه حتى لا يصاب بالملل وينقطع انقطاعًا كاملًا عن فعل الخير، وذلك يتفق ومبادئ الإسلام وشموليته وتطوره مع الحياة التي تحافظ على النقاء والخلق والفضيلة، وتحارب الرذيلة أنَّى كان مصدرها وزمانها ومكانها، ولكن كل ذلك لا يعني تضييع العبادة والفضل العظيم الذي اختص به هذا الشهر.
على مر التاريخ الإسلامي كان يأتي الخير منهمرًا في رمضان، يتحقق النصر المأمول وينفرج الهم ، هل أصابك شيء من هذه النفحات في تاريخك الشخصي؟
* في عام 1984 حكم عليَّ بالسجن لمدة ثلاثة عشر عامًا في السجون الإسرائيلية ، ولم أقض منها إلا عشرة أشهر، وكان قدَر الله أن أخرجَ في اليوم الأول من رمضان، وهذه من نفحات رمضان أن تطوى صفحة ثلاث عشرة سنة في أول يوم من رمضان، فأفطر في البيت مع أسرتي بعد أن نويت الصيام في السجن.
?الإيمان عادة يزيد وينقص، إلا أنه من المفروض في رمضان أن يزيد ويزيد فقط، فهل هذا ممكن؟ وكيف تحققه بنفسك؟!
* صحيح أن الإيمان يزيد وينقص، ولكنه في رمضان يزيد ويزيد باستمرار، لأن الإنسان وهو يقضي يومه صائمًا لله ذاكرًا له قارئا للقرآن، ويقضي ليلة قائمًا وساجدًا لله، يصبح لا مجال لديه للعبث واللهو، ولا مجال لديه لوساوس الشياطين، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر المؤمنين وخبره حق وصدق أن الشياطين تصفد في رمضان، وما دامت قد صفدت فإن الهواجس والمشاعر تتجه إلى الذكر والعبادة والتوجه للخير والصدقة والمعروف، ولذلك يزداد المسلم إيمانًا مع إيمانه، ويشحن بالتقوى كما تشحن البطارية بالكهرباء، ويكون لديه الزاد الذي يوصله إلى رمضان القادم.
يرتبط الجهاد والإيمان برمضان أكثر مما يرتبطان بسواه.. لماذا؟ وكيف؟!
* إن رمضان هو شهر الجهاد والإيمان، جهاد النفس وجهاد الأعداء في آن واحد، فكلما جاهد المرء نفسه كلما ازداد إيمانه، وكلما أقبل على الله بكله وقطع علاقته بالدنيا ومغرياتها وشمَّر عن ساعد الجد من أجل الآخرة فباع نفسه وماله فيَقْتُل أو يُقْتَل، كلما ازداد قربا من الجنة.
ولقد أثبت التاريخ أن معظم معارك الإسلام الفاصلة كانت في رمضان مثل معركة بدر وفتح مكة وحطين وعين جالوت التي غيّرت وجه التاريخ، وقلبت الموازين في العالم.
إنها من نفحات رمضان، وإنها من رحمة الله على عباده، حيث تعبأ الأمة في كل عام، وتتجدد حيويتها في نظام إسلامي بديع، ويتبين ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينها إذا اجتنبت الكبائر"، ففي رمضان تتحقق العبودية لله سبحانه في قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) . وقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) .
شيء تحب أن يتحقق في رمضان؟
* أدعو الله سبحانه وتعالى أن يمن على أمتنا بالنصر والتمكين في الأرض وتحرير فلسطين قبلة المسلمين الأولى، وأن تعود الأمة الإسلامية واحدة موحدة، وأن يرفع عن الأمة الوهن وهيمنة الظالمين المستبدين والكفرة والمشركين، وأن ترتفع راية الإسلام خفاقة في جنبات الأرض، إنه على ما يشاء قدير.
شيء تدعو الله أن يرفعه عن الأمة ؟
* ندعو الله سبحانه وتعالى أن يرفع المقت والغضب عن هذه الأمة، وأن يرفع من بينها الفرقة والتناحر، وأن يرفع عنها ظلم الظالمين وكل الأنظمة التي لا تحكم بشرع الله، ولا تلتزم دينه عقيدة وشريعة ومنهاجًا للحياة، وأن يعيدها أمة مجاهدة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ولا تخشى في الله لومة لائم
ــــــــــــــــــــ