فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 248

دكتور مسلم شلتوت

القمر كما هو معروف جرم تابع للأرض وجسم مظلم لا يضيء بذاته، بل يعكس ما يسقط عليه من ضوء الشمس إلى الأرض؛ فيصبح مرئيًا بالنسبة لسكان الأرض. وهذه الإضاءة واتساع مساحتها تختلف باختلاف زاوية موقع القمر اليومي من الأرض والشمس، مما ينشأ عنها ظاهرة أوجه القمر المعروفة، والتي استخدمها المسلمون أساسًا للتقويم الهجري المعمول به؛ تطبيقًا لقول الله تعالى في كتابه الكريم"يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج". حيث يتم تثبيت يوم بدء الشهر القمري برؤية الهلال بعد غروب الشمس في يوم 29 من الشهر القمري السابق، وإذا تعذرت رؤية الهلال يتوجب إكمال عدة الشهر القمري السابق 30 يومًا، ثم يبدأ بعد ذلك الشهر القمري الجديد؛ وذلك لأداء فريضتي الصوم والحج عند المسلمين.

لذلك كان لدراسة حركة القمر أهمية كبيرة لتحديد ميلاد الأهلة التي تساعد كثيرًا في تحديد بدايات الأشهر القمرية؛ وذلك لأن أمر الهلال يثير اهتمام الكثير من الناس وخاصة المسلمين الذين دأبوا في أقطارهم المختلفة للتطلع إلى الأفق لرؤيته بعد غروب الشمس للتثبت من بعض مناسباتهم الدينية. فبعضهم قد يوفق في رؤية الهلال، بينما يشتبه الآخرون فيتوهمون رؤيته، ومنهم من لا يتمكن من رؤيته البتة؛ وبذلك قد يحصل الاختلاف بين الأقطار العربية والإسلامية في تعيين موعد إقامة الشعائر الدينية.

لذلك نجد أن الواجب يحتم على الفلكيين المسلمين المساهمة من أجل تقديم العون للمسلمين، من خلال حساباتهم الفلكية التي قد تساعد كثيرًا في هذا المجال؛ لتضييق شقة الخلاف إن وجدت.

ومدار القمر حول الأرض يتخذ شكل القطع الناقص كما هو الحال بالنسبة إلى مدارات الكواكب السيارة الأخرى، إلا أنه يختلف عن كونه غير منتظم وفيه الكثير من التعقيد بسبب التأثير الجذبي الواقع عليه من قبل كل من الشمس والأرض، ولهذا فإن الاختلاف في مداره المركزي يكون غير ثابت وسرعته في المدار غير ثابتة أيضًا؛ ونظرًا لوجود هذا التفاوت في الاختلاف المركزي للمدار، فإن التصحيحات اللازمة والأخذ بعين الاعتبار الكثير من العوامل والمؤثرات التي تؤثر على حركة ومدار وموقع القمر خلال دورانه حول الأرض؛ لأن كل هذه العوامل تؤثر بشكل أو بآخر على زمن دورة القمر وموقع القمر في السماء وبعده وقربه عن الأرض، هذا بالإضافة إلى تأثير الكواكب السيارة القريبة من الأرض على حركة ومدار القمر. وعلى الرغم من أن هذه التأثيرات بسيطة فإنه يجب مراعاتها في الحسابات الفلكية، وخاصة إذا ما توخينا الدقة العالية في حسابات مدة الدورة ولحظة ميلاد الهلال وموقع القمر في أي لحظة مطلوبة، ونعنى بمواقع القمر في السماء بعده عن الشمس، وموقعه بالنسبة لأفق راصد معين، وزمن شروقه وزمن غروبه، وما إلى ذلك من الأمور الأخرى التي تسهل عملية الاستدلال على القمر ومشاهدته، وخاصة عندما يكون في طور الهلال.

ولقد تمكن العالم الفلكي الأوروبي"براون"في نهاية القرن التاسع عشر من وضع جداول مفصلة لتحديد حركة القمر، ثم تمكن الباحثون الفلكيون في القرن الحالي من تصحيح هذه الجداول ووضعها بصيغة معادلات يمكن استعمالها لتحديد موقع القمر. وبعد انتشار الحاسبات الآلية، فقد قام بعض الفلكيين المسلمين بتطوير برامج للحاسب الآلي لتحديد حركة الأرض حول الشمس بالاستناد إلى قوانين"كبلر"، وذلك لتحديد زمن غروب الشمس بالدقة المطلوبة، وبعد ذلك يتم تحديد موقع الهلال، استنادًا إلى المعادلات المشتقة من جداول"براون"لحركة القمر.

ولقد برز من الفلكيين المسلمين الذين تطرقوا إلى موضوع استخدام الحساب الفلكي لتحديد أوائل الشهور الهجرية العديد من العلماء، أشهرهم"البتاني"850929م، و"البيروني"9731048م،"ونصير الدين الطوسي"12581274م. وفي القرن الماضي قام اللواء المصري"محمد مختار باشا"18461897 بتأليف كتابه القيِّم"التوفيقات الإلهامية في مقارنة التواريخ الهجرية بالسنين الإفرنجية والقبطية من سنة 1 إلى سنة 1500 هجرية". وقد قام الدكتور"محمد عمارة"بدراسة وتحقيق وتكملة هذا الكتاب، وتم نشر الطبعة الأولى منه عام 1400هـ1980م، عن طريق المؤسسة العربية للدراسات والنشر في مجلدين. أما في السنوات الأخيرة، فقد برز اهتمام المسلمين بالموضوع، ولعل السبب هو تطور طرق المواصلات والاتصالات بين أرجاء العالم الإسلامي المختلفة، في حين لا زال المسلمون يختلفون في أوقات أعيادهم وحتى في الدول المتجاورة مما لا يمكن تفسيره.

وقد برز في هذا المجال عدد من البحوث، أهمها تلك التي نشرها الأستاذ الماليزي الدكتور/"محمد إلياس"في السبعينيات، وتلك التي نشرها الأستاذ الدكتور"حميد مجول النعيمي"ومجموعته بقسم الفلك - كلية العلوم - جامعة بغداد في الثمانينيات. كما أن الحساب الفلكي لأوائل الشهور العربية أصبح يتم في كل من مرصد حلوان، وهيئة المساحة المصرية كجزء من العمل الروتيني اليومي في هذه الجهات.

ولتحديد بداية الشهر القمري الشرعي، يجب تحديد الشروط اللازمة التي تسمح للعين المجردة بتمييز هلال الشهر الجديد، وهناك عوامل كثيرة تؤثر على عملية الرؤية هذه أهمها:

1 عمر الهلال وبعده الزاوي عن قرص الشمس.

2 ارتفاع الهلال عن مستوى الأفق وقت الغروب.

3 بعد القمر عن الأرض.

4 طبيعة الظروف الجوية وشفافية الهواء.

إن العاملين الأول والثاني هي الرئيسة

في تحديد القدرة على الرؤية، أما الفقرة الثالثة فتأثيرها قليل؛ حيث إن بعد القمر عن الأرض يتغير بحدود + 4%، ولا يؤثر ذلك كثيرًا على قابلية الرؤية ومن الممكن إهماله، أما الفقرة الرابعة فتعتمد على العديد من العوامل المحلية في وقت الرؤية ولا يمكن معرفتها مسبقًا.

وقد اتخذ قرار من اللجنة الفقهية خلال المؤتمر الإسلامي الذي عقد في مدينة"إسطنبول"بتركيا عام 1978 بشأن تحديد ظروف رؤية الهلال تحت الشروط التالية:

1 ألا تقل زاوية ارتفاع الهلال عن الأفق في لحظة غروب الشمس عن 5 درجات قوسية.

2 ألا يقل بعد القمر الزاوي عن الشمس عن 8 درجات قوسية، وعندما تظهر الحسابات الفلكية تطابق هذه الشروط أو أحسن منها، فسوف يتم اعتبار اليوم التالي لتوفر هذه الشروط هو بداية ذلك الشهر القمري.

وقد تم التأكيد على هذه الشروط من قبل الأستاذ الماليزي الدكتور/"محمد إلياس"؛ حيث قدر ظروف جودة الرؤية للهلال بعمر يبلغ 2 ساعة زائد أو ناقص 24 دقيقة زمنية.

كما قام الدكتور/"حميد مجول النعيمي"ومجموعته بتطوير شروط اللجنة الفقهية لمؤتمر إسطنبول ضمن أربعة احتمالات لزاويتي ارتفاع الهلال عن الأفق وبعده عن الشمس، وهذه الاحتمالات سميت كالآتي: مستحيلة - وصعبة - ومتوسطة - وجيدة، وحسبوا ظروف الرؤية هذه لخمس مدن إسلامية روعي في اختيارها التوزيع الجغرافي في العالم الإسلامي، واعتبروا اليوم الذي يلي يوم ظروف الرؤية الذي يتحقق فيه الاحتمالات أعلاه عدا احتمال (مستحيل) أول يوم من ذلك الشهر القمري. وبطلب من جامعة بغداد، فإن هذا البحث تم تحكيمه وفحصه من قبل الأستاذ الدكتور/"مسلم شلتوت"أستاذ ونائب رئيس شعبة الشمس والفضاء بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية بحلوان، واتضح أن هذه الحسابات الفلكية أجريت بدقة عالية جدًّا، بحيث إن مقدار الخطأ لا يزيد عن دقيقة زمنية واحدة للحظة ميلاد الهلال لكل شهر.

يتضح مما سبق أن حساب حركة القمر في الوقت الحاضر هي ممكنة وبدقة عالية جدًا، ولكن تبقى المشكلة الرئيسة في تحديد الأشهر القمرية، ولا يمكن تحديد ذلك إلا بإجراء إرصاد في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي ولفترة عدة سنوات، يتم بعدها تحليل هذه المعلومات إحصائيًا لهذا الغرض. إن إنجاز هذا العمل على مستوى الدول الإسلامية سوف يساهم في القضاء على العديد من الاختلافات، أهمها اختلاف أوقات الأعياد والمناسبات الدينية بين الدول الإسلامية.

إن اعتماد بداية الشهر العربي على رؤية الهلال هو أمر استقر عليه العرب قبل الإسلام، فالحديث النبوي الشريف"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، هو إقرار لما درج عليه الناس من اعتبار الهلال دليلًا على طول الشهر.

وكانت القبائل العربية تُعنى بالرؤية من أجل تحديد الأشهر الحرم في أوقات الخصومات والحروب المستعرة بينهم ومن أجل مواسم الحج، ولم نقرأ وكذلك لم نسمع بوسيلة أخرى أو معيار آخر لتحديد بداية الشهر العربي، ولا يعقل أن تكون لهم غير هذه الوسيلة الواضحة.

ومن ناحية أخرى يتبين لمن عرف سيرة النبي الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه كان يختار أيسر الأمور وأهونها"ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما"، وقد وصفه القرآن الكريم بقوله سبحانه"لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم"، وأن التوجيه الإلهي لأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) هو:"يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر". وعلى هذا الأساس لم يكن من المعقول أن تقرر الشريعة وسيلة أخرى لم تكن بحسبانهم أو في مقدورهم، ولكن لا يعني ذلك رفض أية وسيلة علمية تؤدي نفس الغرض وبنفس الوضوح إذا تهيأت للأجيال في مستقبل الأمة كما تهيأت في عصرنا.

والآن... ما هو رأي الفقهاء في الأخذ بالحساب الفلكي لتحديد أوائل الشهور العربية؟

إن فقهاء الإسلام الأوائل في المذاهب المختلفة يكاد يتفق رأيهم في عدم اعتبار الطرق الحسابية الفلكية في إثبات بداية الأشهر الهجرية؛ حيث إن الحساب الفلكي في أزمنتهم كان مقرونًا بالتنجيم، إلا أن الحساب الفلكي الآن يختلف عن التنجيم من حيث الدقة العلمية، حيث يعتمد على علمين حديثين هما الهندسة الكروية والميكانيكا السماوية، وهما العلمان الأساسان اللذان استطاع بهما الإنسان الهبوط على سطح القمر منذ حوالي الربع قرن.

لذلك فقد قال العلامة الشيخ الدكتور"مصطفى أحمد الزرقا":"لا أجد في اختلاف علماء الشريعة المعاصرين اختلافًا يدعو إلى الاستغراب بل إلى الدهشة أكثر من اختلافهم من جواز الاعتماد شرعًا على الحساب الفلكي في تحديد أوائل الشهور القمرية في عصر ارتاد علماؤه أجزاء من الفضاء الكوني وأصبح من أصغر إنجازاتهم النزول على القمر. وإذا كان الرصد الفلكي وحساباته من الزمن الماضي لم يكن له من الدقة والصدق ما يكفي للثقة به والتعويل عليه، فهل يصح أن ينسحب ذلك الحكم إلى يومنا هذا؟"

وقال أيضًا: إن النظر إلى جميع الأحاديث النبوية الصحيحة الواردة في هذا الموضوع يبرز العلة السببية في أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم بأن يعتمد المسلمون في بداية الشهر ونهايته رؤية الهلال بالبصر لبداية شهر الصوم ونهايته، ويبين أن العلة هي كونهم أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، وهذا يدل بمفهومه أنه لو توافر العلم بالنظام الفلكي المحكم الذي أقامه الله تعالى بصورة لا تختلف ولا تتخلف، وأصبح هذا العلم يوصلنا إلى معرفة يقينية بمواعيد ميلاد الهلال في كل شهر وفي أي وقت، تمكن رؤيته بالعين الباصرة إذا انتفت العوارض الجوية التي قد تحجب الرؤية؛ فحينئذ لا يوجد مانع شرعي من اعتماد هذا الحساب والخروج بالمسلمين من مشكلة إثبات الهلال، ومن الحالات التي أصبحت مخجلة بل مذهلة حيث يبلغ فرق الإثبات للصوم والإفطار بين مختلف الأقطار الإسلامية ثلاثة أيام.

ويضيف: أن الفقهاء الأوائل لم يعتمدوا الحساب المبني على الحدس والتخمين، ولم يكن في وقتهم علم للفلك قائمًا على رصد دقيق بوسائل محكمة.

وقد لخص العلامة الشيخ الأستاذ"المختار السلامي"رأيه في أن يعتبر الحساب وسيلة يقينية لثبوت دخول الشهور القمرية ونهايتها، وأن العبرة بوضع القمر وضعًا تمكن رؤيته، وأن كل دعوى رؤية تخالف الحساب هي دعوى مرفوضة يكذب صاحبها شأن الشهادة بما يخالف الواقع، وأن القصد هو العمل على توحيد المسلمين في أعيادهم وفي صومهم ونسكهم.

أما دار الإفتاء المصرية، فإن موقفها الثابت خلال الفترة الأخيرة هو: أن الرؤية البصرية هي الأساس لثبوت دخول الشهور القمرية ونهايتها، وأن الحساب الفلكي يكون دليلًا عليها لا بديل لها وأن كل دعوى رؤية تخالف الحساب هي دعوى مرفوضة، وعلى أساس أن الإسلام يدعو للأخذ بالعلم الصحيح.

والآن... ومع بشائر قدوم شهر رمضان المعظم، فإنه يبدأ معه النقاش في يومه الأول وفي يومه الأخير، ونتيجة لتلك المناقشات التي قد تنتهي بالاختلاف يصوم شعوب بعض البلاد الإسلامية في يوم سابق، وشعوب بلاد أخرى في يوم لاحق، والحالة نفسها تتكرر في الأعياد والمناسبات الدينية الأخرى.

إن الاختلافات هذه ناتجة عن استخدام الطرق المختلفة فيما بينها لتعيين أوائل الشهور، إضافة إلى تباعد البلاد الإسلامية فيما بينها على سطح الكرة الأرضية. ففي بعض البلاد الإسلامية يتم تعيين أوائل هذه الشهور القمرية بالحساب؛ حيث تقيم حساباتها على أساس وقت المحاق وعندها تعلن أول الشهر القمري، وفي البلاد الأخرى تعتمد الزمن الذي يمكن أن يُرى فيه الهلال، وعندها تعتبر الأيام التي تلي أيام الرؤية أول الشهور المذكورة، وهناك بلاد إسلامية أخرى (تركيا على سبيل المثال) تعتمد على قرار اللجنة الفقهية للمؤتمر الإسلامي الذي عقد في مدينة"إسطنبول"عام 1978م بشأن تحديد ظروف الهلال.

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت