ملخص الخطبة
1-بشرى لمن أحسن في هذا الشهر (شهر رمضان) . 2- دعوة إلى التوبة لمن قصّر في هذا الشهر. 3- ختم صيام رمضان بالاستغفار. 4- ختم صيام رمضان بعتق الرقاب. 5- التوحيد والاستغفار سرّ النجاة.
الخطبة الأولى
إن الذين اتقوا وأحسنوا في هذا الشهر فصاموا عن الطعام والحرام، وقاموا بالليل والناس منهم نيام، ومنهم المكبّون على الشهوات كالأنعام، وهؤلاء الصالحون أطعموا الطعام، وألانوا الكلام، قد فازوا بالرحمة والإحسان، من الله ذي الجلال والإكرام، قال الله تعالى: إن رحمة الله قريب من المحسنين، وقال: ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون، وقال: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان.
لقد أعدّ الله لهم عظيم الأجر، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، جزاء على إحسان العبادة للذين أحسنوا الحسنى وزيادة، والحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى، رزقنا الله وإياكم لذة النظر إلى وجهه لمنّه وكرمه.
أما نحن فقد أثقلتنا الأوزار، وارتكبنا الذنوب الكبار التي توجب النار، وكبلتنا خطايانا عن الطاعات، ودفعتنا إلى الزلات، وجلبت علينا الويلات، فماذا نصنع حتى نتدارك ما فات؟ ورمضان قد تهيّأ للرحيل فلم يبق منه إلا ليلة أو ليلتان.
علينا - يا عباد الله - بالاعتراف بذنوبنا، وبالتوبة الصادقة النصوح، وبالتوجه إلى الله تعالى بالدعاء بالمغفرة والعتق من النار.
فاغفر لنا يا ربّنا وأعتقنا من النار، ألم تقل يا ربّنا: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم ألم تقل يا ربنا: وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم.
يا رب عبدك قد أتاك ... وقد أساء وقد هفا
يكفيه منك حياؤه ... ... من سوء ما قد أسلفا
حمل الذنوب على الذنوب ... الموبقات وأسرفا
وقد استجار بذيل عفوك ... من عقابك ملحفا
رب اعف وعافه ... فلأنت أولى من عفا
وأما من استغفر بلسانه وقلبهُ على المعصية معقود، وهو عازم بعد الشهر إلى المعاصي أن يعود، فصومه عليه مردود، وباب القبول عنه مسدود، كيف لا؟ وقد قابل نداء الله: (( يا عبادي.. ) )بالإعراض والصدود.
فكم بين من حظّه في رمضان القبول والغفران، ومن حظّه فيه الخيبة والخسران.
أيها المسلمون: إن الاستغفار هو ختام الأعمال كلّها. فيختم به في الصلاة كما في صحيح مسلم أن رسول الله كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر الله ثلاثا.
ويختم به في الحج، قال الله تعالى: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم، بعد هذه الشعيرة العظيمة وهي الوقوف بعرفة والحج عرفة، ينطلق الحاج إلى مزدلفة وهو يستغفر الله تعالى.
ويختم به قيام الليل، يمدح الله تعالى عباده المتقين ويصفهم فيقول: الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار، وقال تعالى كذلك في وصفهم: وبالأسحار هم يستغفرون.
قال الحسن رحمه الله: قاموا الليل إلى وقت السحر ثم جلسوا يستغفرون، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يصلي من الليل ثم يقول: يا نافع هل جاء السحر.؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح.
ويختم به كذلك في المجالس، فإن كانت ذكرًا كان كالطابع لها، وإن كانت لغوا كان كفّارة لها.
وكذلك ينبغي أن يختم صيام رمضان بالاستغفار.
فمن أحب منكم أن يحطّ الله عنه الأوزار، ويعتقه من النار، فليكثر من الاستغفار بالليل والنهار، لا سيما في وقت الأسحار.
ومما يستحسن ختم هذا الشهر به أيضًا عتق الرقاب.
فقد كان أبو قلابة يعتق في آخر الشهر جارية حسناء مزينة يرجوا بعتقها العتق من النار.
وعتق الرقاب يوجب العتق من النار كما دل على ذلك الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن سعيد بن مرجانة صاحب علي ابن الحسن قال: قال أبو هريرة: قال النبي: (( أيما رجل أعتق امرأ مسلما استنقذ الله بكل عضو منه عضوا منه من اللنار ) ). قال سعيد من مرجانة: فانطلقت به إلى علي بن الحسين، فعمد علي بن الحسين رضي الله عنهما إلى عبد له قد أعطاه به عبد الله بن جعفر عشرة آلاف درهم أو ألف دينار فأعتقه .
ومن فاته عتق الرقاق لانعدامها فليكثر من شهادة التوحيد فإنها تقوم مقام عتق الرقاب.
قال: (( من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشراص كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل ) ) [أخرجه البخاري] .
وقال: (( من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل ممّا جاء به إلا أحدٌ عمِل أكثر من ذلك ) ) [متفق عليه من حديث أبي هريرة] .
واعلموا عباد الله أن الجمع بين شهادة التوحيد والاستغفار من أعظم أسباب المغفرة والنجاة من النار، وكشف الكربات قضاء الحاجات. لهذا جمع الله تعالى بينهما في قوله: فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك. وفي قوله: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
فأكثر أخي المسلم من طاعة الله لا سيما من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وأكثر من الاستغفار وغيرها من الأذكار والأعمال الصالحة قبل فوات هذه الفرصة العظيمة، فإنه إن لم يغفر لك في هذا الشهر فمتى يغفر لك؟
قال قتادة رحمه الله: كان يقال: من لم يغفر له في رمضان فلن يغفر له فيما سواه.
غفر الله لنا ولكم في هذا الشهر العظيم. وجعلنا من عباده الصالحين، والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــ
عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس
مكة المكرمة
جامع الفرقان
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
ماذا بعد رمضان , وأهمية المداومة على الطاعة - فضل الصيام والقيام والسنة في ذلك والنوافل والمحافظة عليها , والصدقة - تعظيم الله عز وجل بتعظيم شعائره وحرماته أهمية العمل الصالح - سرعة انقضاء العمر وزواله - علامات قبول الطاعة
الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا عباد الله لقد انقضى رمضان لكن الصيام لم ينقضِ , وانقضى رمضان لكن القيام لم ينقضِ وانقضى رمضان ولم تنقضِ تلاوة القرآن . من كان يعبد رمضان فإن رمضان قد ولى ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت , بئس العبد لا يعرف الله إلا في رمضان , إن كان الصوم المفروض قد انقضى فإن من نافلة الصوم صيام ست من شوال , ففي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من صام رمضان ثم اتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر ) ) (1) [1] , وذلك أن الحسنة بعشر أمثالها فرمضان بثلاثمائة والست بستين, وهذه عدة أيام السنة , ولئن كانت التراويح قد انقضى وقتها فإن قيام الليل ما يزال مشروعًا مرغبًا فيه , صح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (( من قام في ليلة بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام في ليلة بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين ) ) (2) [2] ، وفي رواية (( كتب من الذاكرين الله كثيرًا ) ) (3) [3] , والله إنه لغافل من غفل عن القيام بعشر آيات. صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل ثم ترك قيام الليل ) ) (4) [4] . فيا عباد الله لا تكونوا كمن كان يقوم الليل ثم ترك قيام الليل , فقد صح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل ) ) (5) [5] , عباد الله دونكم الرواتب فالزموها وهي اثنتا عشرة ركعة , ركعتان قبل الفجر وأربع قبل الظهر وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء , صح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( من صلى لله اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتًا في الجنة ) ) (6)
ثم ذكر هذه. والوتر يا عباد الرحمن فلا تضيعوه , صح عنه صلى الله عليه وعلي آله وسلم: (( اوتروا يا أهل القرآن ) ) (7) , وكتاب الله فلا تضيعوه: وقال الرسول يا ربي إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا وتدبروا معاني الله فيه. وفعل الخير فلا تعدموه: وافعلوا الخير لعلكم تفلحون , أنفقوا من مال الله الذي آتاكم وجعلكم مستخلفين فيه فإن لله ملائكة يقولون: (( اللهم أعطِ منفقًا خلفًا وأعطِ ممسكًا تلفًا ) )3, وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين .
3 صحيح البخاري (1442) صحيح مسلم (1010) .عظموا الله بتقديره وإجلاله: وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه , عظموه بتعظيم شعائره, ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب , عظموه بتعظيم حرماته: ذلك ومن يعظم شعائر الله فهو خير له عند ربه , إن خيرًا لكم عند ربكم أن تغضوا أبصاركم وتحفظوا فروجكم ذلك أزكى لكم إن الله خبير بما تصنعون , إن خيرًا لكم عند ربكم أن تكفوا عن أكل الحرام من الربا والرشوة والغش وأكل مال اليتيم وأكل أموالكم بينكم بالباطل , إن خيرًا لكم عند ربكم أن تنكروا على من فعل ذلك وتدعوه إلى الكف عنها والتوبة منها , إن خيرًا لكم عند ربكم أن تعظموا حرماته بمعرفتها واجتنابها والتحذير منها والإنكار على الواقع فيها: ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم , رب واقع في الحرام قد دنا أجله ولم يتب , رب غافل لاهي قد حان موته ولم يتب: (( من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه ) ) (8) , ومن قعدت به فعلته لم ينهض به جميل صورته, (( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) ) (9) .
دعوا الأماني والزموا الجادة فعلًا وتركًا: ليس بأمانيكم ولا بأماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرًا ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرًا ومن أحسن دينًا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفًا فأسلموا وجوهكم لله وأحسنوا واتبعوا ملة الحنيف إبراهيم فبذلك أمر نبيكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم , وما أنتم إلا اتباعه: قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينًا قيمًا ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين قل أغير الله أبغي ربًا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون .
نفعني الله وإياكم بهدى كتابه , أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صلى وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فيا عباد الله فدع الكسل وانشط لترضي الله فما العمر إلا أيام إذا انقضى بعضها فقد انقضى بعضك كل يوم يأتي عليك فقد نقص من عمرك يوم , فعمرك حقًا هو ما بقي من أيام في أجلك أما ما قد مضى فقد فات بما فيه من خير ومن شر: وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير .
إن من علامات قبول الطاعة الطاعة بعدها , فواصلوا الطاعات وأوصلوا القربات ولا يكن آخر عهد أحدكم بالقرآن خاتمة رمضان ولا بالقيام آخر لياليه ولا بالبر والجود أيامه الخوالي , فالرقيب مطلع والكرام الكاتبين لا يبخسونك حقك: ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئًا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا , فما شيء من عملك بضائع بل ستجازى علي الفتيل: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان , من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها , من جاء بالحسنة فله خير منها. فارغبوا إلى الله فيما عنده من الجزاء , وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.
(1) صحيح مسلم (1164) .
(2) سنن أبي داود (1398) .
(3) سنن الدارمي (3458) .
(4) صحيح البخاري (1152) .
(5) صحيح البخاري (1122) صحيح مسلم (2479) .
(6) 1 صحيح مسلم (728) .
(7) 2 مستد أحمد (1/100) سنن الترمذي (453) سنن ابن ماجه (1170) .
(8) 4 صحيح مسلم (2699) .
(9) 5 صحيح مسلم (2567) .
ـــــــــــــــ
عبد القادر ابن رحال
غرداية
علي بن أبي طالب
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-حكم وأسرار العبادات. 2- حقيقة التوحيد. 3- حقيقة الصلة والزكاة والحج. 4- فوائد الصيام. 5- هل استفدنا من رمضان. 6- التحذير من التشبه بالكفار. 7-التحذير من المعاصي. 8- الصيام مدرسة.
الخطبة الأولى
وبعد:
يقول ربكم في كتابه: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات.
قال الإمام ابن كثير:"يقول تعالى مخاطبًا المؤمنين من هذه الأمة وآمرًا لهم بالصيام، وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنيّة خالصة لله عز وجل لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة"أ.هـ. فهل حققنا معاشر المسلمين هذه الثمرات في نفوسنا بعدما انقضى رمضان؟ ولا ندري أيعيش إلى قابل، فنستدرك ما ضيعناه في هذا الشهر الكريم أم لا؟!.
وعن أبي هريرة عن النبي قال: (( من صام رمضان إيمانًا وإحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ) [رواه الشيخان] . وفي رواية صحيحة: (( ما تأخر من ذنبه ) ).
وقال: (( من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) ) [رواه البخاري] .
أيها المسلمون:
إن المسلم الحاذق هو الذي ينظر في حقائق وأسرار وحكم العبادات، ولا ينظر فقط إلى رسومها وحركاتها، فمن الناس من تراه يجهد نفسه في عبادات متنوعة، وليس له منها إلا التعب، لأنه نظر إلى رسوم العبادات ولم ينظر إلى حقائقها ونتائجها التي تعبر بحق عن حقيقية الدين قال تعالى: لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم، إن هذه الشريعة جاءت بحكم وأسرار عظيمة لأنها ببساطة صدرت من إله حكيم خبير لطيف، فشرائعه تعالى وأحكامه مبنية على علل وحكم وأسرار، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، وفوق كل ذي علم عليم، فها هو التوحيد الذي هو قطب رحى هذا الدين وأساسه الذي بني عليه؟ قال تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين. وقال كذلك: فاعلم أنه لا إله إلا الله وقال كذلك: قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين.
ليس التوحيد فقط كلمات تردد باللسان، وإنما هو حياة مبنية على كلمة التوحيد، فلا يتحرك المسلم ولا يسكن إلا في إطار التوحيد كما قال تعالى: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، فالتوحيد جاء لتحرير الإنسان كل الإنسان من عبودية غير الله لعبودية الله وحده، فالإنسان الحر المتحضر الطليق هو من يعبد الله وحده لا شريك له، وأما الإنسان العبد الخسيس فهو من ترك عبادة الله وعبد غيره من شهوات وهوى وبدع وتقليد للآباء والأعراف الخارجة عن شريعة الله تعالى، قال تعالى: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير.
وهاهي الصلاة عمود الدين، فهل حققنا آثارها في حياتنا؟ هي صلة بين العبد وربه، ليست كلمات ولا حركات جوفاء، بل هي خشوع لله رب العالمين وقرب منه سبحانه وتعالى، قال: (( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ) ).
والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر فهل انتهينا عن ذلك، والصلاة تنهى عن الأخلاق الفاسدة والحيوانية قال تعالى: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وقال: إن الإنسان خلق هلوعًا إذا مسه الشر جزوعًا وإذا مسه الخير منوعًا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون.
وهاهو الصوم من أعظم أسراره تقوى الله تعالى، وها هي الزكاة جاءت لتطهر صاحبها من البخل والشح الذي أهلك الأمم من قبلنا، والزكاة تبارك في المال وتزيد فيه قال تعالى: خذ من أمالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وقال كذلك: وما أنفقتهم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين والزكاة ترجمة عملية على التعاون بين المسلمين وسد حاجات الفقراء.
وها هو الحج عبادة فرضها الله مرة في العمر على من استطاع إلى ذلك سبيلًا، فالحج ليس فقط سياحة أو تجارة، ولكنه قدوم على الرحمن ليغفر الذنوب ويستر العيوب؟ إن الحج تذكير بالموقف الكبير في المحشر يوم القيامة إن الحج موعد لاجتماع المسلمين عربهم وعجمهم على اختلاف ألوانهم وأشكالهم قد أتوا من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا الله تعالى شكرًا على نعمه.
هذا وكل أحكام الإسلام أنزلها الله لحكم وأسرار من أهمها أنها جاءت لجلب المصالح ودفع المفاسد قال العزّ بن عبد السلام:
الشريعة كلها مصالح إما دفع مفاسد أو جلب مصالح، فإذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا فتأمل وصيته بعد ندائه فلا يجد إلا خيرًا يحثك عليه أو شرًا يزجرك عنه )) أهـ .
قال تعالى: ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها.
أيها المسلمون: إن شهر رمضان شهر التقوى والبركات الألهية فهل حققنا ثمراته الزكية وفوائده الجلية، إن شهر رمضان نفعله يعود على صاحبه، فلا يعود على الله في شيء، فالله غني حميد، قال تعالى: يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز.
إن فوائد وأسرار رمضان كثيرة منها:
1-تزكية النفوس بطاعة الله، وتدريب النفوس على العبودية لله والصبر عليها قال: (( والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، بترك طعامه وشرابه من أجلي كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به ) ) [متفق عليه] .
2-إن الصوم فيه إعلاءٌ ورفع للجانب الروحي المهم في الإنسان، فالإنسان ليس مادة فقط بل هو روح كذلك، فالصوم يعزز هذا الجانب فيجعله في الملكوت العلوي قريبًا من مرتبة الملائكة وصدق من قال:
يا خادم الجسم كم تشقى لخدمته ... ... أتطلب الربح مما فيه خسران ...
أقبل على الروح وإستكمل فضائلها ... فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
3-إن الصوم يعلم الإخلاص لصاحبه فهو شهر الإخلاص، لأن الصائم يمكنه أن يفطر خفية عن الناس ولكنه يمنعه إخلاصه لله تعالى، والصوم يعلم الصبر، والصبر بمنزلة الرأس من الجسد، فهو قاعدة التكاليف ولولا الصبر ما شرع الصوم ولا شرع الجهاد في سبيل الله، ولهذا أجر الصابر والصائم بغير حساب قال تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.
4-إن الصوم جاء ليكسر الشهوة الجنسية التي هي أخطر الغرائز في الإنسان إذا لم تنظّم وفق الفطرة الإسلامية، فإن هذه الغريزة هدمت أممًا بأكملها وتهدم آخرين، واسألوا التاريخ واعتبروا يا أولي الأبصار.
ونحن نتعجب كل العجب فالإسلام جاء ينظم هذه الغريزة ويهذبها ويضع لها حدودًا، أما هذه الحضارة الغربية الساقطة فأعطتها كل الحرية وقدستها بحجة أن الإنسان خلق حرًا. لابد أن يستجيب لكل غريزة فيه استجابة بيولوجية، وصدق رسول الله إذ قال: (( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض البصر وأحصن الفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) ) [رواه البخاري ومسلم] .
5-وللصوم ثمرة اجتماعية هي التكافل والشعور بالوحدة لأن الصوم يسوي بين الحاكم والمحكوم والغنى والفقر والقوي والضعيف في الشعور بأنهم على صفة واحدة توجب عليهم التعاون على الخير.
6-إن من أعظم فوائد الصوم تقوى الله تعالى، فله تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والباطنة من الآثام.
لكن أيها المسلمون هل حققنا هذه الفوائد في نفوسنا وأسرنا ومجتمعنا في رمضان وما بعد رمضان؟ أم نافقنا وصرنا أصحاب مناسبات ورسوم وحفلات؟ فهناك صائمون ولكن يقلدون أهل الكتاب في أعيادهم والله عزم علينا ألا نتشبه بهم قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين وقال: (( من تشبه بقوم فهو منهم ) ) [رواه أحمد] . وهناك صائمون ولكن يلعبون القمار وينظرون إلى ما حرّم الله، وصائمون ولكن يغتابون الناس ويشعلون الفتن، وصائمون ولكن يغشون في البيع ولا ينصحون في وظائفهم ويأكلون الربا والرشوة، وصائمون ويقضون ليلهم باللهو والغناء الفاحش وبالنهار نائمون.
والحق يقال، إن صيام رمضان مدرسة متميزة يفتحها الإسلام كل عام للتربية العملية ليعلم الناس القيم وأرفع المعاني، فمن اغتنم الفرصة وصام كما أمر الله وشرع فقد نجح في الامتحان، ومن تكاسل وخالف فهو الخاسر ولا يضر الله شيئا، وصدق رسول الله حيث قال: (( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) ) [البخاري] .
وقال عمر بن الخطاب: ليس الصوم من الشراب والطعام وحده ولكنه من الكذب والباطل واللغو.
وقال جابر بن عبد الله: (إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمأتم، ودع أذى الخادم وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك ولا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء) .
ــــــــــــــــ
عبد الحميد التركستاني
الطائف
طه خياط
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-دعوة لاغتنام فضيلة الزمان (رمضان) . 2- تقسيم الشهر بين المحسنين والمقتصدين والمذنبين. 3- شفاعة الصيام القرآن للعبد يوم القيامة. 4- صيام الجوارح.
الخطبة الأولى
ثم أما بعد أيها المسلمون: