فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 248

إن بالقلب اشتياقًا كاللظى ... ... وبعيني أدمع الحب سجام

وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل رجب يقول: (( اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان ) )، وقال المعلى بن الفضل يقول: كان السلف يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان!! وقال يحيى بن أبي كثير: كان من دعائهم: اللم سلمني إلى رمضان وسلم لي رمضان وتسلمه مني متقبلًا.

ومن الناس ناس لا فرق عندهم بين رمضان وغيره فهم يستقبلونه بقلب بارد ونفس فاترة لا ترى لهذا الشهر ميزة عن غيره إلا أنها تمتنع فيه عن الطعام والشراب. فهم يصبحون فيه ويمسون كما يصبحون ويمسون في غيره، لا تتحرك قلوبه شوقًا ولا تخفق حبًا، ولا يشعرون أن عليهم في هذا الشهر أن يجدوا أكثر مما سواه.

ومن الناس ناس ضاقت نفوسهم بهذا الشهر الكريم، ورأوا فيه حبسًا عن المتع والشهوات، فتبرموا به وتمنوا أن لم يكن قد حل، وقد روت لنا كتب الأدب خبر واحد من هؤلاء أدركه شهر رمضان فضاق به ذرعًا فجعل يقول:

أتاني شهر الصوم لا كان من شهر

ولا صمت شهرًا بعده آخر الدهر

فلوكان يعديني الأنام بقوة

على الشهر لاستعديت قومي على الشهر

فابتلاه الله عز وجل بمرض الصرع فصار يصرع في كل رمضان.

وصدق عليه الصلاة والسلام إذ قال عن شهر رمضان: (( بمحلوف رسول الله ما أتى على المسلمين شهر خير لهم منه، ولا مر بالمنافقين شهر شر لهم منه؛ وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة، وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم، وغنم للمؤمن ونقمة للفاجر ) ) [رواه أحمد وقال الشيخ شاكر: إسناده صحيح، وضعفه الألباني، وهو عند البيهقي وصدره عند ابن خزيمة] .

فتأمل حالك أيها الأخ المسلم، وانظر من أي الأقوام أنت!

لقد كان الرسو ل صلى الله عليه وسلم يهنئ أصحابه بحلول هذا الشهر الكريم، ويعلن لهم عن فضائله شحذًا لهممهم وعزائهم، وتشويقًا لهم لاستغلال أيامه وساعاته فعن سلمان رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال: (( يا أيها الناس قد أظلكم شهر مبارك، شهر فيه ليلة القدر خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعًا، من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة وشهر المواساة وشهر يزاد في رزق المؤمن ومن فطر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيئًا ) )قالوا يا رسول الله: ليس كلنا يجد ما يفطر به الصائم! قال: (( يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائمًا على مذقة لبن أو تمرة أو شربة ماء، ومن سقى صائمًا سقاه الله عز وجل من حوضي شربة لا يظمأ بعدها أبدًا حتى يدخل الجنة ... وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى بكم عنهما، أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة ألا إله إلا الله وتستغفرونه. وأما اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار ) ) [رواه ابن خزيمة والبيهقي بسند فيه مقال] .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا دخل رمضان فتحت أبواب الرحمة وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين وفتحت أبواب الجنة ) ) [رواه الشيخان] .

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم ) ) [النسائي والبيهقي بسند حسن، صحيح الترغيب:418] .

قال ابن رجب:"هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضًا بشهر رمضان، كيف لا يبشر المؤمن بفتح أبواب الجنان، وغلق أبواب النيران، كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشيطان، من أين يشبه هذا الزمان زمان" [لطائف المعارف] .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النار فلم يبق منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة ) ) [الترمذي والنسائي والحاكم] .

عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله قال: (( إذا كان أول ليلة من شهر رمضان فتحت أبواب الجنان فلم يغلق منها باب واحد الشهر كله، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب الشهر كله، وغلت عتاة الجن ونادى مناد من السماء كل ليلة إلى انفجار الصبح: يا باغي الخير يمم وأبشر، ويا باغي الشر أقصر وأبصر، هل من مستغفر نغفر له؟ هل من تائب نتوب عليه؟ هل من داع نستجيب له؟ هل من سائل يعطى سؤله؟ ولله عز وجل عند كل فطر من شهر رمضان كل ليلة عتقاء من النار ستون ألفًا، فإذا كان يوم الفطر أعتق مثل ما أعتق في جميع الشهر ثلاثين مرة ستين ألفًا ستين ألفًا ) ) [البيهقي، وهو حديث حسن لا بأس به، الترغيب:1476] .

وعن أنس بن مالك: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ماذا يستقبلكم وتستقبلون؟ ) )ثلاث مرات، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله وحي نزل؟ قال: لا. قال: عدو حضر؟ قال: لا. قال: فماذا؟ قال: (( إن الله يغفر في أول ليلة من شهر رمضان لكل أهل هذه القبلة ) )وأشار بيده إليها. [ابن خزيمة في صحيحه والبيهقي، الترغيب:1478] .

وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن لله تعالى عتقاء في كل يوم وليلة(يعني في رمضان) وإن لكل مسلم في يوم وليلة دعوة مستجابة )) [البزار] .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ) [الشيخان] .

بمثل هذه الأحاديث العظيمة كان عليه الصلاة والسلام يعظ أصحابه إذا أظلتهم بشائر شهر رمضان ليحرك من هممهم إلى الطاعة والعبادة، وليصرفهم عن دنياهم إلى أخراهم، ومن متاع فان إلى تجارة رابحة دائمة.

فهل لنا في ذلك متعظ؟

إن كثيرا من المسلمين اليوم لا يعرفون هذا الشهر إلا أنه شهر لتنويع المآكل والمشارب، فيبالغون في إعطاء نفوسهم ما تشتهي ويكثرون من شراء الكماليات التي لا داعي لها.

والبعض الآخر لا يعرف من رمضان إلا أنه وقت السهر في الليل على اللهو واللعب والغفلة، ووقت النوم والبطالة في النهار فتجده معظم نهاره نائمًا، فينام حتى عن الصلاة المفروضة.

والبعض لا يعرف من رمضان إلا انه موسم للتجارة وعرض السلع فينشطون في البيع والشراء ويلازمون الأسواق ولا يحضرون المساجد إلا قليلًا على عجل، فصار رمضان عندهم موسمًا للدنيا لا للآخرة، يطلب العرض الفاني ويترك النافع الباقي.

وآخرون لا يعرفون من رمضان إلا أنه وقت التسول في المساجد والشوارع فيمضي أوقاته بين ذهاب وإياب ويظهر نفسه بمظهر الفاقة والفقر وربما كان مخادعًا.

وبعض إخواننا وأحبابنا لا يعرفون عن رمضان إلا أنه شهر الأرصفة والشلل والتجمعات الرصيفية! فهم أبدًا من رصيف إلى رصيف، ومن مباراة إلى أخرى، ومن ملعب إلى أخيه.

وبعض الأحباء ظنوا أن مجيء الاختبارات في شهر رمضان يرخص لهم في التفريط في صلاة التراويح والجماعة في المسجد وقراءة القرآن، ومادروا أن المؤمن الجاد يجد في دروسه حتى يتفوق، ويجد في عبادته حتى يتألق وإنه لقادر على الجمع بينهما بإذن الله.

ورحم الله المناوي إذ يقول:"رغم أنف من علم أنه لو كف نفسه عن الشهوات شرها في كل سنة، وأتى بما وظف له فيه من صيام وقيام غفر له ما سلف من الذنوب، فقصر ولم يفعل حتى انسلخ الشهر ومضى".

يا عباد الله: السنة شجرة، والشهور فروعها والأيام أغصانها والساعات أوراقها وأنافس العباد ثمرتها، فشهر رجب أيام توريقها، وشهر شعبان أيام تفريعها، ورمضان أيام قطفها، والمؤمنون قطافها، إن هذه الأشهر الثلاث كالوقفات الثلاث فرجب أولاها تحمى فيها العزائم، وشعبان ثانيتها تذوب فيها مياه العيون، ورمضان ثالثتها تورق فيها أشجار المجاهدات، وأي شجرة لم تورق في الربيع قطعت للحطب، فيامن قد ذهبت عنه هذه الأشر وما تغير أحسن الله عزاءك!

الخطبة الثانية

أما بعد:

أي أخي ...

أتذكر كم كانت ندامتك وحسرتك حين تصرمت آخر ليلة من رمضان الفائت؟

أتذكر كم من عبرة سكبتها، وأنت تتندم على أوقات من شهر رمضان ضاعت، وليال لم تحسن استغلالها؟

أتذكر أنك عاهدت نفسك يوم ذاك أن تستقبل رمضان القادم بنفس عازمة، وهمة قائمة؟

فها أنت ذا أمام رمضان جديد، وها قد كتب الله لك الحياة لتدرك فرصة أخرى تختبر فيها صدقك ورغبتك في الخير، فماذا ستفعل؟ هل ستبادر؟ أم تفرط في أوقات شهرك حتى يغادر؟ ثم تندم ولا ينفع الندم؟

يا إخوتاه ... هل أدركنا مقدار النعمة العظيمة حين من الله علينا ببلوغ هذا الشهر؟ ماذا لو طويت أعمارنا قبله؟ أكنا قادرين على الطاعة والعبادة؟ أكنا قادرين على الركوع والسجود؟

إن الله أعطانا فرصة عظيمة حرمها غيرنا ممن فارق الحياة وأفضى إلى ما قدم ... وكم من رجل صلى معنا في هذا المسجد في رمضان الماضي، وسمع حديثًا كهذا الحديث عن فضائل رمضان، ثم هاهو الآن موسد في الثرى يتمنى لحظة يسبح فيها تسبيحة فلا يقدر عليها، ويرجو ثانية ينطق فيها بلا إله إلا الله فلا يجاب رجاؤه.

لقد وقفت طويلًا عند حديث عجيب رواه أحمد وابن ماجه، وقفت عنده طويلًا لأنه أشعرني جلال نعمة إدراك رمضان جديد، وأشعرني أيضا بعظيم المسؤولية الملقاة على كل مسلم يكتب الله له عمرًا ليدرك شهر رمضان.

عن طلحة بن عبيد الله أن رجلين من بلي قدما على رسول الله صلى اللهم عليه وسلم وكان إسلامهما جميعا فكان أحدهما أشد اجتهادًا من الآخر فغزا المجتهد منهما فاستشهد ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفي قال طلحة فرأيت في المنام بينا أنا عند باب الجنة إذا أنا بهما فخرج خارج من الجنة فأذن للذي توفي الآخر منهما ثم خرج فأذن للذي استشهد ثم رجع إلي فقال: ارجع فإنه لم يأن لك بعد، فأصبح طلحة يحدث به الناس فعجبوا لذلك فبلغ ذلك رسول الله صلى اللهم عليه وسلم وحدثوه الحديث فقال: من أي ذلك تعجبون؟ فقالوا: يا رسول الله هذا كان أشد الرجلين اجتهادًا ثم استشهد ودخل هذا الآخر الجنة قبله!! فقال رسول الله صلى اللهم عليه وسلم: (( أليس قد مكث هذا بعده سنة؟ قالوا: بلى، قال: وأدرك رمضان فصام وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة؟ قالوا: بلى، قال رسول الله صلى اللهم عليه وسلم: فما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض ) ) [ابن ماجه:3925] .

أفرأيت كيف سبق أقل الرجلين اجتهاد لما أتيح له من فرصة العمل في العمر الممتد؟

"فيا غيوم الغفلة عن القلوب تقشعي، يا شموس التقوى والإيمان اطلعي، يا صحائف أعمال الصائمين ارتفعي، يا قلوب الصائمين اخشعي، يا أقدام المتهجدين اسجدي لربك واركعي، يا ذنوب التائبين لا ترجعي" [نداء الريان:1/169] .

ـــــــــــــــ

عادل بن أحمد باناعمة

جدة

محمد الفاتح

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-نبوة النبي في رمضان وهو في الغار. 2- تنزلات القرآن الكريم. 3- ليلة القدر. 4- حال النبي صلى الله عليه وسلم مع القرآن في رمضان. 5- حال السلف مع القرآن في رمضان. 6- أيهما أفضل الإكثار من التلاوة أم الاقتصاد مع التدبر. 7- اختصاص رمضان بالقرآن دون سائر الشهور.

الخطبة الأولى

بشرى من الغيب ألقيت في فم الغار ...

في ليلة السابع عشر من رمضان والنبي صلى الله عليه وسلم في الأربعين من عمره أذن الله عز وجل للنور أن يتنزل، فإذا جبريل عليه السلام آخذ بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: اقرأ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ الَّذِى خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاْكْرَمُ [العلق:1-3] . فرجع بها رسول الله صلى اللهم عليه وسلم يرجف فؤاده ) ) [البخاري:3] .

وهكذا نزلت أول آية من هذا الكتاب العظيم على النبي الرؤوف الرحيم في هذا الشهر العظيم.

وهكذا شهدت أيامه المباركة اتصال الأرض بالسماء، وتنزل الوحي بالنور والضياء، فأشرقت الأرض بنور ربها وانقشعت ظلمات الجاهلية الجهلاء.

ومن قبل ذلك شهد هذا الشهر الكريم نزولًا آخر، إنه نزول القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وكان ذلك في ليلة القدر إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1] . إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ [الدخان:2] . قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة [النسائي والحاكم] . وقال ابن جرير: نزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في ليلة القدر من شهر رمضان ثم أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم على ما أراد الله إنزاله إليه.

إنها تلك"الليلة الموعودة التي سجلها الوجود كله في فرح وغبطة وانبهار، ليلة الاتصال بين الأرض والملأ الأعلى، ليلة ذلك الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته وفي آثاره في حياة البشرية جميعًا."

والنصوص القرآنية التي تذكر هذا الحدث تكاد ترف وتنير بل هي تفيض بالنور الهادئ الساري الرائق الودود نور الله المشرق في قرآنه إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1] . ونور الملائكة والروح وهم في غدوهم ورواحهم تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا [القدر:4] . ونور الفجر سَلَامٌ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [القدر:5] ." [في ظلال القرآن] ."

"وأي نعمة أعظم من نعمة نزول القرآن؟ نعمة لا يسعها حمد البشر فحمد الله نفسه على هذه النعمة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا [الكهف:1] ."

أي رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل؟ إنها منة الله على الإنسان في هذه الأرض، المنة التي ولد الإنسان معها ميلادًا جديدًا ونشأ بها الإنسان نشأة جديدة، المنة التي التقطت البشرية من سفح الجاهلية لترقى بها في الطريق الصاعدة إلى القمة السامقة على المنهج الرباني الفريد" [الظلال] ."

وهكذا إذن، شهد شهر رمضان هذا النزول الفريد لكتاب الله، ومن يومذاك ارتبط القرآن بشهر رمضان شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185] .

ومن يوم ذاك أصبح شهر رمضان هو شهر القرآن.

عن ابن عباس قال: (كان رسول الله صلى اللهم عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى اللهم عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) [البخاري:6، مسلم:2308] .

لقد كان القرآن أنيسه وسميره في رمضان.

نعم السمير كتاب الله إن له ... ... حلاوة هي أحلى من جنى الضرب

به فنون المعاني قد جمعن فما ... ... تفتر من عجب إلا إلى عجـ،ب

أمر ونهي وأمثال وموعظة ... ... وحكمة أودعت في أفصح الكتب

لطائف يجتنيها كل ذي أدب ... ... وحكمة أودعت في أفصح الكتب

قال ابن رجب: دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له. [لطائف المعارف:354] . وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان، وفي حديث فاطمة عليها السلام عن أبيها أنه أخبرها أن جبريل عليه السلام كان يعارضه القرآن كل عام مرة، وأنه عارضه في عام وفاته مرتين. [البخاري:3624، ومسلم:2450] ، [لطائف المعارف:355] .

قال رحمه الله: وفي حديث ابن عباس أن المدارسة بينه وبين جبريل كانت ليلًا مما يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلًا فإن الليل تنقطع فيه الشواغل ويجتمع فيه الهم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر كما قال تعالى: إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل:6] . [لطائف المعارف:355] .

وقد كان للسلف رحمهم الله اجتهاد عجيب في قراءة القرآن في رمضان بل لم يكونوا يشتغلون فيه بغيره.

وكان الزهري إذا دخل رمضان يقول: إنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام.

وقال ابن الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم.

وقال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن.

وقال سفيان: كان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف وجمع إليه أصحابه.

وكان لهم مجاهدات من كثرة الختمات رواها الأئمة الثقات الأثبات رحمهم الله.

فقد كان الأسود يختم القرآن في رمضان كل ليلتين، وكان يختم في غير رمضان كل ست ليال.

وكان قتادة يختم القرآن في كل سبع ليال مرة، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة.

وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة، وفي بقية الشهر في ثلاث.

وقال ربيع بن سليمان: كان محمد بن إدريس الشافعي يختم في شهر رمضان ستين ختمة ما منها شيء إلا في صلاة.

وكان سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الرجوي يختم كل يوم.

وروى ابن أبي داود بسند صحيح أن مجاهدًا رحمه الله كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء، وكانوا يؤخرون العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل.

وكان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب والعشاء في كل ليلة من رمضان.

قال مالك: ولقد أخبرني من كان يصلي إلى جنب عمر بن حسين في رمضان قال: كنت أسمعه يستفتح القرآن في كل ليلة. [البيهقي في الشعب] .

قال النووي: وأما الذي يختم القرآن في ركعة فلا يحصون لكثرتهم فمن المتقدمين عثمان بن عفان، وتميم الداري، وسعيد بن جبير رضي الله ختمة في كل ركعة في الكعبة. [التبيان:48] .

قال الذهبي: قد روي من وجوه متعددة أن أبا بكر بن عياش مكث نحوًا من أربعين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة مرة، ولما حضرته الوفاة بكت أخته فقال: ما يبكيك؟ انظري إلى تلك الزاوية فقد ختم أخوك فيها ثمانية عشر ألف ختمة. [سير أعلام النبلاء] .

قال القاسم عن أبيه الحافظ ابن عساكر: كان يختم كل جمعة ويختم في رمضان كل يوم. [سير أعلام النبلاء] .

فإن قلت أي أفضل؟ أن يكثر الإنسان التلاوة أم يقللها مع التدبر والتفكر؟

قال النووي رحمه الله: والاختيار أن ذلك يختلف بالأشخاص فمن كان من أهل الهم وتدقيق الفكر استحب له أن يقتصر على القدر الذي لا يختل به المقصود من التدبر واستخراج المعاني وكذا من كان له شغل بالعلم وغيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة يستحب له أن يقتصر منه على القدر الذي لا يخل بما هو فيه، ومن لم يكن كذلك فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل، ولا يقرؤه هذرمة. [الفتح:8/715] .

ومعنى ذلك أن الإكثار ـ وإن كان مطلوبًا لذاته ـ لا ينبغي أن يطغى على الفهم والتدبر، فلايكن هم المرء كثرة الختم دون أن يعقل مما قرأ شيئًا.

وأما حديث ابن عمر: (( ما فقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث ) )فقد أجاب عنه الأئمة رضي الله عنهم.

قال ابن رجب: إنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان، خصوصًا في الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر أو الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتنامًا للزمان والمكان، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره. [لطائف] .

وقال ابن حجر: وكأن النهي عن الزيادة ليس على التحريم، كما أن الأمر في جميع ذلك ليس للوجوب، وعرف ذلك من قرائن الحال التي أرشد إليها السياق ... وقال النووي: أكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك، وإنما هو بحسب النشاط والقوة، فعلى هذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والله أعلم. [الفتح:8/716] .

وإن قال قائل: هذا الذي ذكر لا يقبله عقل ولا يقره منطق، فإنني أقول له ما قاله الإمام اللكنوي رحمه الله. قال: فإن قلت بعض المجاهدات مما لا يعقل وقوعها؟ قلت: وقع مثل هذا وإن استبعد من العوام فلا يستبعد من أهل الله تعالى، فإنهم أعطوا من ربهم قوة وصلوا بها إلى هذه الصفات، ولا ينكر هذا إلا من ينكر صدور الكرامات وخوارق العادات.

وإن الذاكرين لهذه المناقب ليسوا ممن لا يعتمد عليه أو ممن لا يكون حجة في النقل بل هم أئمة الإسلام وعمد الأنام ... كأبي نعيم وابن كثير والسمعاني وابن حجر المكي وابن حجر العسقلاني والسيوطي والنووي والذهبي ومن يحذو حذوهم. [إقامة الحجة:101] .

وقد سبق أن ذكرت كلمة الإمام ابن رجب التي قرر فيها أن مثل هذا الاجتهاد سائغ في الأزمنة المفضلة والأماكن المفضلة وأما طوال العام فالأولى للمؤمن ألا يختمه في أقل من ثلاث وإن لم يكن ذلك ممنوعًا، قال الذهبي رحمه الله: ولو تلا ورتل في أسبوع ولا زم ذلك لكان عملًا فاضلًا، فالدين يسر، فوالله إن ترتيل سبع القرآن في تهجد قيام الليل مع المحافظة على النوافل الراتبة والضحى وتحية المسجد مع الأذكار المأثورة الثابتة والقول عند النوم واليقظة ودبر المكتوبة والسحر، مع النظر في العلم النافع والاشتغال به مخلصًا لله مع الأمر بالمعروف وإرشاد الجاهل وتفهيمه وزجر الفاسق ونحو ذلك ... لشغل عظيم جسيم ولمقام أصحاب اليمين وأولياء الله المتقين، فإن سائر ذلك مطلوب فمتى تشاغل العبد بختمة في كل يوم فقد خالف الحنيفية السمحة ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه. [السير:3/84-86] .

قال نافع: لما غسل أبو جعفر القاري نظروا ما بين نحره إلى فؤاده مثل ورقة المصحف فما شك من حضره أنه نور القرآن. [معرفة القراء الكبار] .

وفي رمضان يجتمع الصوم والقرآن، فتدرك المؤمن الصادق شفاعتان، يشفع له القرآن لقيامه، ويشفع له الصيام لصيامه، قال صلى الله عليه وسلم: (( الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان ) ) [أحمد] . وعند ابن ماجه عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب يقول: أنا الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت