فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 248

فيا عباد الله، اتقوا الله وحذار من إضاعة العمر الشريف، والزمان الغالي، والوقت النفيس في كل زبد؛ فإنه يذهب جُفاء، واصرفوها في كل نافع؛ فإنه يمكث في الأرض ويكتب الله لكم به الرضوان.

أيها المسلمون:

بين لهو الحياة ولغوها، وفي غمرة خطوبها وأحداثها، ووسط سعير صراعها وهجير مطامعها، يشعر المرء بأنه في حاجة إلى ملاذات يتوب إليها، ويتفيَّأ ظلالها، ويأخذ الأهبة، ويعدّ العدة لتجديد العزم، وشحذ الهمة، وتقوية الإرادة، حتى يمضي على الطريق موفورَ الحظ من التوفيق، سالمَ الخطى من العِتْار، بالغًا المرام، وإذا كانت القوة للمسلم زادًا لا غناء له عنه، ورصيدًا لا مناص له منه؛ لأنه عونٌ على الحق، وسبيل إلى التمكين، وطريق إلى الظفر، وباب إلى رضوان الله ومحبته، كما أخبر رسول الله في الحديث بقوله: (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير ) ) [أخرجه مسلم في صحيحه] (1) [1] ، فإن مما لا يرتاب فيه أولو النهى أن كلَّ ما تتحقق به هذه الغاية يتعين الأخذ به، والدأب في طلبه، ولقد كان من وافر نِعَم الله السابغة أن هيأ لعباده من فرص العمر ومواسم الخير ما يبلغ بهم إلى هذا المراد، وإن فرصة الصيام وموسم رمضان هما في الطليعة من هذه الفرص والمواسم التي يجب على أولي الألباب اغتنامها، والسعي الحثيث إلى اهتبالها، فإن في الصيام مجالًا رحيبًا ومضمارًا واسعًا لإعداد لبنات القوة في مختلف ميادينها ودروبها، فالإمساك بالنهار عن الأكل والشرب والشهوة، وما يصحبه من صبر على رهق الحرمان ومرارة الفقد، وإحياء الليل بالقيام في صبر على نصبه واستدامة على ذلك تنتظم أيام هذا الشهر ولياليَه إلى منتهاها، كل أولئك من أظهر عوامل الدربة على تقوية الإرادة في تغيير هو مطمح أولي الأبصار، ومبتغى الذين أخبتوا إلى ربهم، وابتغوا إليه الوسيلة بكل سبيل، إنه تغيير في المسار، وتصويب في المسلك، فمن ذُلِّ الخطيئة إلى عِز الطاعة، ومن مهابط العجز والكسل إلى ذُرا الجدّ والعزم، ومن أدران العوائد المقبوحة والسنن المنكورة إلى طُهر وطيب العوائد القويمة والسنن الجميلة والخصال الجليلة. وهكذا فإن في الصيام ـ يا عباد الله ـ بعْثًا للقوة التي وهنت أو خمدت، والإرادة التي استنامت أو ذوت (2) [2] ، والعزيمة التي خارت أو استكانت، لتكون خير عدة يعتدّ بها لبلوغ الدرجات العلا، والظفر بسعادة العاجلة والعقبى في الحياة الدنيا ويوم يقوم الناس لرب العالمين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] .

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه ، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيا عباد الله، إنها أيام هذا الشهر تمضي سراعًا، حتى شارفت على انقضاء، وآذنت برحيل، ألا فليستدرك المفرطون ما فات، وليعملوا فيما هو آت، فإن الشقي من حُرم في هذا الشهر رحمةَ الله عز وجل، فاتقوا الله عباد الله، وصلوا وسلموا على الحبيب رسول الله، فقد أمرتم بذلك في كتاب الله حيث قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد..

(1) صحيح مسلم كتاب القدر، باب: في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله (2664) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2) أي: ذبُلت.

ــــــــــــــ

حسين بن عبد العزيز آل الشيخ

المدينة المنورة

المسجد النبوي

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-تسارع انقضاء الزمان. 2- حاجة الأمة إلى وقفات للمحاسبة. 3- دروس رمضان. 4- من مقاصد الصوم. 5- الثبات على الخير. 6- حال الأمة المؤلم. 7- نصرة الدين وقضايا الأمة. 8- ضرورة إدراك مخاطر الأعداء. 9- الحملات الإعلامية الماكرة. 10- من السعيد؟ 11- صيام ست من شوال.

الخطبة الأولى

إخوة الإسلام، ما أسرع ما تنقضي الليالي والأيام، وما أعجلَ ما تنصرم الشهور والأعوام، وهكذا حال الدنيا، سريعةُ الزوال، قريبةُ الاضمحلال، لا يدوم لها حال، ولا يطمئنّ لها بال، وهذه سُنة الله في خلقه، أدوارٌ وأطوارٌ تجري بأجل مسمى ولِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد:38] .

وإن أهل التفكر والتعقل، وأصحاب التبصر والتأمُّل ليدركون تلك الحقائق حقَّ الإدراك، فيأخذون من تعاقب الأزمان أعظم معتبر، ويستلهمون من انصرام الأيام أكبرَ مزدجر، يقول الله جل وعلا: إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاواتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأوْلِى الألْبَابِ [آل عمران:190] .

أمة الإسلام، عن قريب ودّعنا رمضان، وكأنّه طيف خيال، ما أعجلَ ما انقضى، وما أسرعَ ما انتهى، ولله الحمد على ما قضى وأبرم، وله الشكر على ما أعطى وأنعم، انطوت صحيفته، وقد ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا [الشمس:9، 10] .

ذهب منتقلًا، وولى مرتحلًا، ذهب بأعمالكم شاهدًا بما أُودع فيه، فيا تُرى هل رحل حامدًا الصنيع أو ذامًا التضييع؟ فمن أحسن فعليه بالتمام، ومن كان فرَّط فليختم بالحسنى فالعمل بالختام.

إخوة الإسلام، ما أحوج الأمة إلى وقفات للمحاسبة الدائمة والمراقبة المستمرة، ما أحوجها إلى فُرص للتأمل ووقفات للنظر في الأحوال، والتفكر في الشؤون والأوضاع، وقفاتٍ تستلهم منها الأمة العبر والعظات، فتبصرها بواقعها، وخطوات مستقبلها، ومعالم حاضرها وغدها، وإن في مثل مناسبةٍ كرمضان لأعظم الفُرص التي يجب على الأمة أفرادًا ومجتمعات حكامًا ومحكومين أن تتخذ منها جسرًا لتقييم الجهود، وإصلاح الأوضاع قبل فوات الأوان وانقلاب الأزمان.

إن في رمضان عطاءات وافرة ودروسًا عظيمة يجب أن تتحقق منها الأمة العزم على المجاهدة الحقة للشيطان، وأن تقودها للمسيرة الصحيحة على الصراط المستقيم، وأن تنأى بها عن كل بغي وفساد بشتى صوره واختلاف أشكاله.

عباد الله، إن تشريعات الإسلام تتضمن أسرارًا لا تتناهى، ومقاصد عالية لا تُجارى، وإن من فقه مقاصد الصوم كونه وسيلة عظمى لبناء صفة التقوى في وجدان المسلم، التقوى بأوسع معانيها وأدق صورها، فكن ـ أيها المسلم ـ آخذًا من صومك مدرسة تستلهم منها شدة العزم، وقوة الإرادة على كل خير، تعظيمًا للسلوك، وتقويمًا للنفوس، وتعديلًا للغرائز، وتهذيبًا للظواهر والبواطن، وصفاءً ونقاءً للأعمال والضمائر، إرادة مستقيمة على الدوام، في قوة على الفضائل لا تعرف لينًا، وفي صلابة على المحاسن لا يدخلها استرخاء، فهل من سعي في إصلاح ما فسد، ومعالجةٍ لما اختل، وتقوية لما ضعف من جوانب الصلاح والخير والهدى؟! يقول الله جل وعلا: وَجَاهِدُوا فِى اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ [الحج:78] .

أخي المسلم، مطالب القرآن تترى في الدعوة إلى الاستقامة على الخير، والثبات على الهدى، يقول ربنا جلا وعلا: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ [هود:112] ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] . وصايا ربانية تتوجه للأفراد والمجتمعات تنتظم الإقامة على أمور الإسلام، والدوام على منهج الدين، والاستمرار في التقيد بقيوده، والوقوف عند حدوده، والاستجابة لأوامره، والانتهاء عن زواجره، على الوجه الأكمل، والطريق الأقوم.

استمع إلى مشكاة النبوة وهي تلخص لك وصية عظيمة ذات عبارات جميلة المبنى، جليلة المعنى، قليلة العبارة، كثيرة الإشارة، إنها وصية رسولنا محمد ، وصية للأمة جمعاء، وصية تقضي بالأخذ بمجامع الإيمان التام، ولزوم الاعتقاد الصحيح، والتمسك بالصبر على الطاعات، واجتناب المحظورات، واتباع محاسن الفضائل ومكارم المعاملات، يقول للرجل حينها قال له: قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال عليه الصلاة والسلام: (( قل: أمنت بالله، ثم استقم ) ) (1) [1] .

إنها وصية تضمن بإذن الله جل وعلا للأمة على شتى أنواعها ومختلف مسؤولياتها، تضمن لهم حياة طيبة، وعيشة راضية، تحقق للمؤمنين سعادة أبدية، وعاقبة آمنة، إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأحقاف:13، 14] .

أمة الإسلام، تمر هذه المناسبات العظيمة والأمة يحيط بها عوائق شتى، وأدواء عظمى، تقاسي بلايا ورزايا، وضراءَ ولأواء، وتعاني من تفرق وضعف، وتشتت وهوان، أمورٌ مؤلمة، وأحوال مبكية في الأمة، فهل آن الأوان لمراجعة الواقع المؤلم، والمسار الخاطئ؟! هل حان الوقت لإدراك الأسباب الحقيقية للضعف، ومعرفة العوامل الرئيسة للأدواء والشكوى؟! يقول الله جل وعلا: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقّ [الحديد:16] .

وما أجدر الأمة اليوم وقد ودعت رمضان العزيز أن تودع أوضاعها المأساوية، وجراحاتها المتعددة في مواضع كثيرة من جسدها المثخن بالجراحات والآلام، ولن تجد لذلك سبيلًا ناجحًا وعلاجًا ناجعًا إلا بمنطلقٍ من منطلقات دينها، وتمسكٍ بمنهاج متكامل من كتاب ربها وسنة نبيها محمد ، وإن من هذا المنهج العمل الجاد والصدق مع الله جل وعلا في نصرة دينه في كل مكان، والقيام بالواجب المحتَّم في رد الظلم والضرر عن عباده المضطهدين، وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [التوبة:71] .

إخوة الإسلام، إن الواجب على أبناء الأمة الوعي الكامل والإدراك الشامل بمخاطر الأعداء ومخططاتهم في استهداف عقائد المسلمين، وزعزعة استقرارهم، وتهديد مقدراتهم، فكم من أمور غامضة تجري، وتخطيط ضخم يُرتب في الخفاء، الله أعلم بما يحوي وعليه يأوي، فالصهيونية العالمية اليوم تقود العالم إلى الكوارث والمحن، تريد بأمة محمد القلاقل والفتن، والأضرار والإحن، فالحذر الحذر أيتها الأمة، والحرصَ الحرصَ على هذا الدين.

إخوة الإسلام، من مشمولِ مخططات الأعداء حملات إعلامية مسعورة تُشَنّ على البلد الذي انطلقت منه الرسالة المحمدية، بلاد الحرمين التي قدمت الكثير للإنسانية، وضحت بالكثير في سبيل الأمن والأمان والاستقرار ونشر سبل الخير والسلام، فالواجب على المسلمين أن يدركوا أن الهدف والغاية النهائية من كل تلك المحاولات هو ضرب الأمة في عمقها، والتأثير عليها في أكبر ركيزة من ركائز وجودها، وصدق الله جل وعلا إذ يقول: وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء [النساء:89] .

فعلى الأمة المحمدية أن تدرك مقاصد دينها، وأغراض وأهداف كلام خالقها، وأن تستبصر مبادئ وتعاليم إسلامها، وإلا فستكون ـ لا قدر الله ـ ضحية تخاذلها، وبعدها عن مشاعل هداية ربها، والله جل وعلا يقول: وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:205] .

بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعنا بما فيه من الآيات والبيان، أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه.

أما بعد:

فإن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد رسول الله ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها المسلمون، السعيد من عمر وقته باستصلاح آخرته، ولم تَذهله مطالب الحياة عن حقوق خالقه، ولم تشغله رغائب الدنيا العاجلة عن حقائق الآخرة الباقية.

فيا من ذاق حلاوة الطاعة، احذر من مقارفة مرارة المعصية، كن برًا تقيًا في غير رمضان كما كنت في رمضان.

ثم اعلم ـ أيها المسلم ـ أن من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال فكأنما صام الدهر، كما صح ذلك عن رسول الله (2) [1] ، فيستحب صيام ستٍ من شوال، ومن كان عليه قضاءٌ من رمضان فالمبادرة بالقضاء أوجب، فالواجب أحق وأولى.

ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على النبي الكريم، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على عبدك ورسولك محمد ...

(1) أخرجه مسلم في: الإيمان ، باب: جامع أوصاف الإيمان (38) من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه.

(2) هو في صحيح مسلم كتاب: الصيام ، باب: استحباب صوم ستة أيام من شوال إتباعًا لرمضان (1164) من حديث أبي أيوب رضي الله عنه.

ــــــــــــــ

عبد الباري بن عوض الثبيتي

المدينة المنورة

المسجد النبوي

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-نعمة بلوغ شهر رمضان وصيامه. 2- شكر الله تعالى. 3- سرعة انقضاء الأيام. 4- الاستغفار ختام الأعمال الصالحة. 5- لا توديع للطاعة والعبادة. 6- آثار الطاعة. 7- استحباب صيام ست من شوال. 8- ما استفدناه وتعلمناه في مدرسة رمضان. 9- فرحتا الصائم. 10- صفة الجنة. 11- حال الأمة المؤلم. 12- ما يستحب فعله أو قوله ليلة العيد. 13- زكاة الفطر. 14- استحباب التهنئة بالعيد. 15- حقيقة العيد.

الخطبة الأولى

أما بعد:

فاتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، قال تعالى: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

عباد الله، سعادةٌ غامرة تملأ جوانحنا إذ بُلِّغنا هذا الشهر العظيم، فالقلوب يتجاذبها خوفٌ ورجاءٌ، والألسن تلهج بالدعاء أن يتقبّل الله الصيام والقيام لنا ولكم ولجميع المسلمين، أن يتقبل الله منا ما مضى، ويبارك لنا فيما بقي، فطوبى لمن اغتُفِرت زلتهُ، وتُقُبّلت توبتُه، وأقيلت عثرته. في نهاية الشهر العظيم نشكره سبحانه شكر من أنعم على عباده، بتوفيقهم للصيام والقيام، وإعانتهم عليه، ومعونته لهم، وعتقهم من النار، قال تعالى: وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:185] .

هكذا مضت الليالي مسرعة، بالأمس كنا نستقبل رمضان، واليوم نودِّعه، ولا ندري هل نستقبله عامًا آخر أم أن الموت أسبق إلينا منه، نسأل الله أن يعيده عليها وعليكم أعوامًا عديدة وأزمنة مديدة.

الاستغفار - عباد الله - ختام الأعمال الصالحة، تختم به الصلاة والحج وقيام الليل والمجالس، وكذلك ينبغي أن يُختم به الصيام، لنقوّم به غمرات الغفلة والنسيان، ونمحو به شوائب التقصير والانحراف، فالاستغفار يدفع عن النفس الشعور بالكبر والزهو بالنفس والعجب بالأعمال، ويورثها الشعور بالتقصير، وهذا الإحساس يدفع لمزيد عملٍ بعد رمضان، فتزداد الحسنات ويثقل الميزان، يبين ابن القيم رحمه الله حاجةَ الطائعين إلى الاستغفار فيقول:"الرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقتها، وأرباب العزائم والبصائر أشدُّ ما يكونون استغفارًا عقب الطاعات، لشهودهم تقصيرهم فيها، وترك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه، وأنه لولا الأمر لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية ولا رضيها لسيده" (1) [1] انتهى كلامه.

إذا كنا نودّع رمضان فإن المؤمن لن يودّع الطاعة والعبادة، بل سيوثِّق العهد مع ربه، ويقوي الصلة مع خالقه ليبقى نبع الخير متدفقًا، أما أولئك الذين ينقضون عهد الله، ويهجرون المساجد مع مدفع العيد، فبئس القوم: لا يعرفون الله إلا في رمضان، قد ارتدوا على أدبارهم، ونكصوا على أعقابهم، قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ [الأنعام:162، 163] .

لا قيمة لطاعة تؤَدَّى دون أن يكون لها أثر من تقوى أو خشية، أين أثر رمضان بعد انقضائه إذا هُجر القرآن، وتُركت الصلاة مع الجماعة، وانتُهكت المحرمات؟! أين أثر الطاعة إذا أُكل الربا، وأُخذ أموال الناس بالباطل؟! أين أثر الصيام إذا أُعرض عن سنة رسول الله إلى العادات والتقاليد، وحُكّمت القوانين الوضعية؟! أين أثر الصيام والقيام إذا تحايل المسلم في بيعه وشرائه، وكذب في ليله ونهاره؟! أين أثر رمضان إذا لم يقدّم دعوة إلى ضال، ولقمة إلى جائع، وكسوة إلى عارٍ، مع دعاء صادق بقلب خاشع أن ينصر الله الإسلام والمسلمين، ويدمّر أعداء الدين؟!

حريّ بنا - أيها الصائمون - أن نتأمل كلام ابن القيم رحمه الله إذ يقول:"فبين العمل والقلب مسافة، في تلك المسافة قطاعٌ تمنع وصول العمل إلى القلب، فيكون الرجل كثير العمل، وما وصل منه إلى قلبه محبّة ولا خوف ولا رجاء ولا زهد في الدنيا ولا رغبة في الآخرة، ولا نور يفرق به بين أولياء الله وأعدائه، فلو وصل أثر الأعمال إلى قلبه لاستنار وأشرق ورأى الحق والباطل" (2) [2] انتهى كلامه رحمه الله.

يا أهل الطاعة، اللهُ لا يريد من سائر عباداتنا الحركات والجهد والمشقة، بل طلب سبحانه ما وراء ذلك من التقوى والخشية له، قال تعالى: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] ، وقال تعالى: لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَاكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ [الحج:37] .

من الأعمال الصالحة بعد رمضان صيام ست من شوال، قال: (( من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر ) ) [أخرجه مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه] (3) [3] .

لقد غرس رمضان في نفوسنا خيرًا عظيمًا، صقل القلوب، أيقظ الضمائر، طهّر النفوس، ومن استفاد من رمضان فإن حاله بعد رمضان خير له من حاله قبله، ومن علامات قبول الحسنة الحسنة بعدها، ومن علامات بطلان العمل وردّه العودة إلى المعاصي بعد الطاعات، فاجعل - أخي الصائم - من نسمات رمضان المشرقة مفتاح خير سائر العام، ومنهج حياة في كل الأحوال، احرص على بر الوالدين، وصلة الجيران، وزيارة الإخوان، انصر المظلومين، وتلذذ بمسح رأس اليتيم، أصلح ذات البين، وأطعم المحرومين، واجبر نفوس المنكسرين، ساهم في زرع السعادة على شفاه المصابين والمبتلين، صل رحمك، احفظ عرض إخوانك، كن نبعًا متدفقًا بالخير كما كنت في رمضان.

لقد تعلمنا في مدرسة رمضان أنجع الدروس وأبلغ المواعظ، تعلّمنا كيف نقاوم نزغات الشيطان، تعلمنا كيف نقاوم هوى النفس الأمارة بالسوء، تعلمنا كيف ننبذ الخلاف وأسباب الفرقة. لقد تراصَّت الصفوف في رمضان كالسجد الواحد، فينبغي أن لا تتناثر بعد رمضان، لقد سكبت العيون الدموع في رمضان، فاحذر أن يصيبها القحط والجفاف بعد رمضان، لقد اهتزت جنبات المساجد، ولهجت الألسن بالتهليل والتحميد والدعاء، فليدم هذا الجلال والجمال بعد رمضان، لقد علا محياك في رمضان سمت الصالحين، ذلٌّ وخضوع، إخباتٌ وسكينة، وقارٌ وخشية، فلا تمحه بعد رمضان بأخلاق الزهو والكبر والبطر والسفه، لقد امتدت يداك في رمضان بالعطاء، وأنفقت بسخاء، فلا تقبضها بعد رمضان.

عباد الله، للصائم فرحةٌ عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، فرحة في الدنيا العاجلة، وفرحة في الآخرة الباقية، لمن داوم على العبادة والطاعة، حيث ينال المتعة الكبرى والنعمة العظمى، ألا وهي الجنة، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وكأني بأقوام من بيننا سينادون: كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيئًَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِى الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24] ، وينادون: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72] ، تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا [مريم:63] ، جعلني الله وإياكم من أهلها.

هؤلاء رُفع لهم عَلَم الجنة فشمَّروا إليه، ووُضِّح لهم طريقها فاستقاموا عليه، علموا أن الربح كل الربح إذا حشروا إلى الرحمن وفدا، فوقفوا اللحظات والسكنات ووجيف القلوب والأنفاس على الجنة أن يدخلوها، فنالوها جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَانُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا [مريم:61] .

إنها جنات إقامة دائمة، لا كجنات الدنيا، وقد وعد الله بها المتقين، ووعد الله لا يخلف، فهم آتوها لا محالة. هي الجنة التي إذا غمس فيها العبد غمسة واحدة زال بؤسه، ونسي همّه وغمّه، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ، وفيه: (( ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيُصبغ صبغة في الجنة فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسا قط؟! هل مر بك شدة قط؟! فيقول: لا والله، يا رب ما مرّ بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط ) ) (4) [4] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت