إنما هناك نوع من الإبر يصل بالغذاء مصفى إلى الجسم، كإبر الجلوكوز فهي تصل بالغذاء إلى الدم مباشرة، فهذه قد اختلف فيها علماء العصر، حيث أن السلف لم يعرفوا هذه الأنواع من العلاجات والأدوية، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن العصور الأولى شيء في هذا الأمر، فهذا أمر مستحدث، ولهذا اختلف فيه علماء العصر، فمنهم من يرى هذا النوع مفطرًا لأنه يصل بالغذاء إلى أقصى درجاته حيث يصل إلى الدم مباشرة، وبعضهم يقول: إنها لا تفطر أيضًا، وإن كانت تصل إلى الدم لأن الذي يفطر هو الذي يصل إلى المعدة، والذي يشعر الإنسان بعده بالشبع، أو بالري فالمفروض في الصيام هو حرمان شهوة البطن وشهوة الفرج، أي أن يشعر الإنسان بالجوع وبالعطش، ومن هنا يرى هؤلاء العلماء أن هذه الإبر المغذية أيضًا لا تفطر.
ومع أني أميل إلى هذا الرأي الأخير أرى أن الأحوط على كل حال أن يمتنع المسلم عن هذه الإبر في نهار رمضان، فعنده متسع لأخذها بعد الغروب. وإن كان مريضًا فقد أباح الله له الفطر، فإن هذه الإبر وإن لم تكن تغذي بالفعل، تغذية الطعام والشراب وإن لم يشعر الإنسان بعدها بزوال الجوع والعطش كالأكل والشرب المباشرين، فهو على الأقل يشعر بنوع من الانتعاش، بزوال التعب الذي يزاوله ويعانيه الصائم عادة، وقد أراد الله من الصيام أن يشعر الإنسان بالجوع والعطش، ليعرف مقدار نعمة الله عليه، وليحس بالآم المتألمين وبجوع الجائعين وبؤس البائسين.. فنخشى إذا فتحنا الباب لهذه الإبر أن يذهب بعض القادرين الأثرياء فيتناول هذه الإبر بالنهار لتعطيهم نوعًا من القوة وقدرًا من الانتعاش لكي لا يحسوا كثيرًا بألم الجوع وبألم الصيام في نهار رمضان، فالأولى أن يؤجلها الصائم إلى ما بعد الإفطار.
هذا جواب السؤال الأول.
أما السؤال الثاني والثالث أيضًا.. وهو ما يتصل بوضع الدواء في الأذن وكذلك تكحيل العينين في نهار رمضان، ومثل ذلك الحقنة الشرجية هذه كلها أشياء ربما يصل بعضها إلى الجوف ولكنها لا تصل إلى الجوف من منفذ طبيعي وليس من شأنها أن تغذي ولا أن يشعر الإنسان بعدها بانتعاش أو نحو ذلك، و قد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في شأنها ما بين متشدد وما بين مترخص. فمن العلماء من حكم بأن هذه الأشياء مفطرة. ومن العلماء من قال بأن هذه الأشياء ليست منفذًا طبيعيًا إلى الجوف فهي لذلك لا تفطر، والحقيقة أني أختار بأن هذه الأشياء ـ أعنى استعمال الكحل ومثله القطرة في العين ومثل ذلك التقطير في الأذن وكذلك وضع المراهم ونحوها في الدبر لمن عنده مرض البواسير وما شابه ذلك ... والحقنة الشرجية أيضًا.. وهي التي يستعملها من يشكو الإمساك ـ كل هذه الأمور أرى أنها لا تفطر، وهذا الذي أفتى به هو ما اختاره ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه فقد ذكر تنازع العلماء في هذه الأشياء ثم قال: والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك فإن الصيام من دين الإسلام الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حرمه الله ورسوله في الصيام، ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة، كما بلغوا سائر شرعه، فلما لم ينقل أحد من أهل العلم في ذلك لا حديثًا صحيحًا ولا ضعيفًا ولا مسندًا ولا مرسلًا، علم أنه لم يذكر شيئًا من ذلك، قال: والحديث الذي يروى في الكحل ضعيف، وقال يحيى بن معين: هذا حديث منكر.
هذه هي فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية وهو مبنية على أصلين:
الأصل الأول: أن الأحكام التي تعم بها البلوى ويحتاج إلى معرفتها جمهور الناس يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم بيانها للأمة، فإنه المبين للناس ما نزل إليهم، قال تعالى: ]وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم[ {النحل: 44} كما يجب على الأمة أن تفعل هذا البيان من بعده. هذا أصل.
والأصل الثاني: أن الاكتحال والتقطير في الأذن ونحوها مما لم يزل الناس يستعملونه من أقدم العصور فهو مما تعم به البلوى، شأنه شأن الاغتسال والأدهان والبخور والطيب ونحوها، فلو كان هذا مما يفطر لبينه النبي صلى الله عليه وسلم، كما بين الإفطار بغيره، فلما لم يبين ذلك علم أنه من جنس الطيب والبخور والدهن.. أي زيت الشعر ونحوها.. قال ابن تيمية: والبخور قد يتصاعد إلى الأنف ويدخل إلى الدماغ، وينعقد أجسامًا، والدهن يشربه البدن، ويدخل إلى داخله ويتقوى به، وكذلك يتقوى بالطيب قوة جيدة، فلما لم ينه الصائم عن ذلك، دل على جواز تطيبه وتبخره ودهنه وكذلك اكتحاله. ومن جملة ما قال ابن تيمية في هذه الفتوى: أن الكحل لا يغذي البتة، ولا يدخل أحد كحلا إلى جوفه، لا من أنفه ولا من فمه، وكذلك الحقنة (يعني الشرجية) لا تغذي بل تستفرغ ما في البدن، كما لو شم شيئًا من المسهلات، أو فزع فزعًا أوجب استطلاق بطنه، وهي لا تصل إلى المعدة.. وهذا كلام جيد وفهم عميق لفقه الإسلام، وهو الذي نختاره ونفتي به
ما حكم صائم رمضان إذا اغتاب أو كذب أو نظر إلى أجنبية بشهوة. أيصح صيامه أم يبطل ؟.
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
الصوم النافع المقبول هو الذي يهذب النفس، ويقوي إرادة الخير، ويثمر التقوى المذكورة في قوله تعالى: ] يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون [ {البقرة: 183} . والواجب على الصائم أن يكف عن كل قول أو فعل يتنافى وصومه حتى لا يكون حظه من صيامه الجوع والعطش والحرمان. وفي الحديث: (الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، وإذا سابه أو قاتله أحد فليقل: إني صائم) رواه الشيخان. وقال عليه السلام: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر ([رواه النسائي وابن ماجة والحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري] . وقال صلوات الله عليه: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه . ( [رواه البخاري وأحمد وأصحاب السنن] .. قال ابن العربي: مقتضى هذا الحديث ألا يثاب على صيامه، ومعناه أن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه.
ورأى ابن حزم: أن هذه الأشياء تبطل الصوم كما يبطله الطعام والشراب، وروى عن بعض الصحابة والتابعين ما يفهم منه هذا.
ونحن وإن لم نقبل برأي ابن حزم نرى أن هذه المعاصي تضيع ثمرة الصيام وتفسد المقصود من شرعيته، ومن أجل ذلك كان سلف الأمة الصالحون يهتمون بالصوم عن اللغو والحرام كما يهتمون بالصوم عن الشراب والطعام.. قال عمر رضي الله عنه: (ليس الصيام من الشراب والطعام وحده، ولكنه من الكذب والباطل واللغو) . وروى عن علي مثله. وعن جابر قال: (إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك سواء) .
وقال أبو ذر لطليق بن قيس: (إذا صمت فتحفظ ما استطعت) ، فكان طليق إذا كان يوم صيامه دخل فلم يخرج إلا إلى صلاة. وكان أبو هريرة وأصحابه إذا صاموا جلسوا في المسجد وقالوا: نطهر صيامنا.. وعن ميمون بن مهران: (أهون الصيام الصيام عن الطعام والشراب) .. وأيًا ما كان الأمر فللصوم أثره وثوابه، وللغيبة والكذب ونحوه عقابها وجزاؤها عند الله ]وكل شيء عنده بمقدار [ {الرعد: 8} . وكل عمل بحساب وميزان. ] لا يضل ربي ولا ينسى [ {طه: 52} . وتأمل هذا الحديث النبوي عن دقة الحساب الإلهي في الآخرة تجد فيه الجواب الكافي عن هذا السؤال والسؤالين قبله: روى الإمام أحمد والترمذي عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس بين يديه فقال: يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويعصونني، وأضربهم وأشتمهم، فكيف أنا منهم؟. (يعني يوم القيامة) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك، وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك، وإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل الذي بقى قبلك) . فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهتف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماله لا يقرأ كتاب الله ؟ ] ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئًا، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين[ {الأنبياء: 47} . فقال الرجل يا رسول الله: ما أجد شيئًا خيرًا من فراق هؤلاء يعني عبيده إني أشهدك أنهم أحرار كلهم
إذا تأخر الإنسان في السحور مجبرًا، كأن يغلبه النوم، وسمع أذان الفجر وكان ما يزال يأكل طعام سحوره، فهل يترك الطعام فور سماعه الأذان ؟ أم من الجائز الاستمرار في الأكل حتى انتهاء الأذان.
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
إذا تأكد أن آذان الفجر في موعده المضبوط، حسب التقويم المحلي للبلد الذي يصوم فيه، وجب عليه أن يترك الأكل والشرب فور سماعه الأذان، بل لو كان في فمه طعام وجب عليه أن يلفظه حتى يصح صومه. أما إذا كان يعرف أن الأذان قبل موعده بدقائق، أو على الأقل يشك في ذلك فمن حقه أن يأكل أو يشرب حتى يستيقن من طلوع الفجر. وهذا ميسور الآن بواسطة التقويم (الإمساكيات) والساعات الدقيقة التي لا يخلو منها بيت.
قال رجل لابن عباس رضي الله عنهما: إني أتسحر، فإذا شككت أمسكت. قال ابن عباس: كل، ما شككت حتى لا تشك. وقال الإمام أحمد: إذا شك في الفجر يأكل حتى يستيقن طلوعه.
وقال النووي: وقد اتفق أصحاب الشافعي على جواز الأكل للشاك في طلوع الفجر: والدليل على ذلك أن الله تعالى أباح الأكل والشرب في ليلة الصيام إلى غاية هي تبين الفجر، والشاك لم يتبين له الفجر، قال تعالى: ] فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الأسود من الفجر[ {البقرة: 187} .
ومن هنا نتبين أن الإمساك مدة من الزمن قبل الفجر بصفة دائمة لم يرد به كتاب ولا سنة وهو لون من الغلو في الدين، وينافي ما جاء في السنة من استحباب تأخير السحور. والله أعلم
بالنسبة لزكاة الفطر، إذا صام صائم ثلثي الشهر في بلد ما، وكان ينوي صيام بقية الشهر في بلد آخر ويشهد العيد هناك. ففي أي البلدين يجب أن يخرج الزكاة ؟
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله: يخرج المسلم زكاة فطره في البلد الذي يدركه فيه أول ليلة من شوال"ليلة العيد"لأن هذه الزكاة ليس سببها الصيام وإنما سببها الفطر ولهذا أضيفت إليه وسميت زكاة الفطر ولهذا لو مات إنسان قبل مغرب اليوم الأخير من رمضان لم تكن زكاة الفطر واجبة عليه، وإن صام سائر أيام رمضان. ولو ولد مولود بعد مغرب آخر يوم من رمضان أي في الليلة الأولى لدخول شهر شوال كان من الواجب إخراج زكاة الفطر عنه بالإجماع فهي زكاة مرتبطة بالعيد وبتعميم الفرحة به بحيث تشمل الفقراء والمساكين، ولهذا جاء في الحديث (أغنوهم في هذا اليوم)
* ... علمنة رمضان
* ... سلوكياتنا في رمضان ... إيجابيات وسلبيات
* ... الصيام ... والسمو الإيماني
* ... توحيد المطالع.. بين النظرية والضرورة
في الدين هناك عبادات ومعاملات وأخلاق، والعلمنة لما هو ديني ليست هي فصل الدين عن الدولة أو فصله عن الحياة اليومية وحسب، بل قد تأخذ العلمنة شكل إدخال البعد المادي الدنيوي في الأخلاق والعبادات، وتحويل العبادات نفسها عن مقاصدها وغاياتها التي تخدم الرؤية الإسلامية لتنقلب في النهاية لخدمة نظم الحياة غير الإسلامية، فتكون ممارسة الفرائض الدينية في ظاهرها مستمرة وتامة، لكن في الحقيقة تخضع لعلمنة متدرجة ما تلبث أن تصبح قوية وفاصلة.
وينطبق هذا على رمضان؛ إذ أنه الشهر الذي فرض علينا الله فيه الصيام، وسن لنا الرسول صلى الله عليه وسلم فيه القيام، وغايته الكبرى هي ربط المسلم في علاقة إيمانية بربه بالعبادة والذكر وبإخوانه في المجتمع بالتكافل والبر، لكن قد تحول إلى مناسبة إعلامية إعلانية يصرف فيها التلفاز والقنوات الفضائية الناس عن العبادة، ويزيد فيها استهلاكنا من الطعام نوعًا وكمًّا، ويتحول فيها السوق الإسلامي لسوق مروجة للبضائع الأجنبية التي تحاول تسويق إنتاجها بتوفير سلع"رمضانية"، بدءًا من فوانيس رمضان الصينية المزودة بموسيقى"ماكارينا"، مرورًا بالعروض الخاصة للسحور في فروع المطاعم الأمريكية للوجبات السريعة، وانتهاءً بملابس العيد المخفضة في بيوت الأزياء العالمية المختلفة .. حتى العادات الرمضانية الشعبية كالسهر والسمر في الأماكن الشعبية قد تحولت في بلدان كثيرة إلى سهرات فندقية تدخن فيها النرجيلة (الشيشة) ، ويختلط فيها الرجال بالنساء، وتنتهي مع السحور على أنغام الموسيقى الغربية.
وللتأمل في علمنة رمضان وكيف تحول تدريجيًا إلى هذه"العلمنة"بكل أبعادها نطرح المحاور التالية للنقاش:
# إلى أي مدى تمت علمنة الشعائر لكل من جوانب العبادات والمعاملات والأخلاق في مجتمعاتنا ؟
# هل تتفاوت درجة العلمنة بين الدول الإسلامية ؟
# ما أثر العلمنة على رمضان باتجاه خدمة النظام العالمي في مجالات المعاملات والأخلاق؟
# ما هي مظاهر علمنة رمضان؟ وما الذي يمكن تلافيه منها هذا العام وبشكل بسيط ومتاح للمسلم العادي؟
ــــــــــــــــــــ