وإن أعظم مسافر أوشك أن ينزل ديارنا ، ويحط رحاله في أوطاننا شهر رمضان العظيم ، سيد شهور السنة، هذا الشهر الكريم الذي يأتي حاملا معه النفحات الربانية، والعطاءات الإلهية، فتنبه الغافل وتذكر الناسي وتجدد همة الذاكر وتجمع شتات الناس وتجمع من تفرق من أهل الحي الواحد خلف إمام يقرأ لهم آيات ربهم يخاطبهم بها: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم [الزمر:53] . فتذرف دموع الحسرة على التفريط ودموع الألم على ما مضى من العمر في معصية الله، ثم يقرأ إمامهم قول الله: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودًا فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قومًا لدًا [مريم:96-97] .
ليتذكر أهل الحي الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي: (( إن العبد ليلتمس مرضاة الله، ولا يزال كذلك فيقول الله عز وجل لجبريل: إن فلانًا عبدي يلتمس أن يرضيني، ألا وإن رحمتي عليه فيقول جبريل: رحمة الله على فلان ويقولها حملة العرش ويقولها من حولهم حتى يقولها أهل السماوات السبع ثم تهبط له إلى الأرض ) ) (1) .
ثم يسبح المصلون في أنحاء السماوات وجنبات الأرض وبين الآيات الكونية العظيمة وهم واقفون لا تبرح أقدامهم مكانهم وذلك عندما يتلو إمامهم قول الله: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار [آل عمران:90-91] .
وهكذا كلما مر إمامهم بآية قام في نفوسهم من الفيوضات الربانية، والأحاسيس الإيمانية، ما يناسب تلك الآية الرحمانية.
معشر المسلمين: سؤال أراه يفرض نفسه أمامنا أجمعين يقول هذا السؤال: كيف نعد العدة لاستقبال هذا الحبيب الذي أوشك أن يصل من غيبته ؟ وكيف نهتم باستقبال هذا الشهر الكريم شهر رمضان؟ فأقول وبالله التوفيق: إن الفرد منا يجب أن يوطن نفسه وأهله على تلاوة القرآن في شهر رمضان ، ومراجعة ما حفظه منه ، ثم النية الأكيدة والعزم الصادق على الالتزام بصلاة التروايح بقدر الإمكان .
ثانيا: تعلم أحكام الصيام الفقهية وسننه وآدابه إن كان جاهلا بها ، أو مراجعتها وتذكرها إن كان عالما بها ، وملازمة حلق العلم التي تقام في شهر رمضان من أجل هذا الغرض.
ثالثًا: العزم على التوبة في هذا الشهر الفضيل، فأبواب رحمة الله وأبواب التوبة لا تزال مفتوحة .
رابعًا: العزم على ترك العادات الرذيلة والخصال القبيحة كالسباب والشتم والغيبة والنميمة وغير ذلك من الخصال السيئة الأخرى وإن في شهر رمضان لأعظم فرصة على ترك قبيحة جالبة للأمراض ألا وهي عادة التدخين .
ومن الناس من يتقدم صيام شهر رمضان بصوم يوم أو يومين من آخر شعبان وهو يفعل ذلك عن حسن نية، ولكن هذا محرم ومخالف لسنة المصطفى إذ يقول في الحديث المتفق عليه: (( لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم ) ) (2) . وروى الترمذي وأبو داود عن عمار بن ياسر قال: (( من صام اليوم الذي يشك فيه الناس فقد عصى أبا القاسم ) ) (3) . ويكره الصوم بعد منتصف شعبان لما رواه الترمذي عن أبي هريرة: (( إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا ) ) (4) .
الخطبة الثانية
لم ترد.
(1) المسند 5/ 279 .
(2) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الصوم باب لا يتقدمن رمضان بصوم يوم أو يومين 2/230 .
(3) سنن الترمذي: كتاب الصوم باب ما جاء في كراهية صوم يوم الشك 3/70.
(4) سنن الترمذي: كتاب الصوم باب ما جاء في كراهية الصوم في النصف الثاني من شعبان لحال رمضان 3/115.
ـــــــــــــــــ
عبد الحميد بن جعفر داغستاني
مكة المكرمة
ابن حسن
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-خطبة رسول الله في استقبال رمضان. 2- الصيام عبادة اختص الله نفسه بمضاعفة أجرها. 3- رمضان شهر الصبر. 4- رمضان شهر الإنفاق في سبيل الله. 5- النهي عن صيام يوم الشك. 6- متى يباح الفطر في رمضان.
الخطبة الأولى
أما بعد: أيها المسلمون اتقوا الله وأطيعوه واستبشروا خيرًا فقد أظلكم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، ففيه تفتح أبواب الرحمة، وتغلق أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين ومردة الجن، وفي هذا الشهر الكريم تضاعف الحسنات، وتقال العثرات، وتجاب الدعوات، وهو شهر الصبر والمواساة والصدقات، فقد سئل رسول الله: (( أي الصدقة أفضل، فقال: صدقة في رمضان ) ) (1) ، وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: (( خطبنا رسول الله في آخر يوم من شعبان فقال: يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم شهر مبارك ، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فرضا وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة وشهر يزاد في رزق المؤمن، من فطر فيه صائما كان له مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء قلنا: يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم ) )، فقال رسول الله: (( يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على مزقة لبن أو تمرة أو شربة من ماء، ومن أشبع صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة. وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار ) ) (2) فانظروا رحمكم الله إلى هذه الخطبة النبوية البليغة، بشر فيها النبي أصحابه بشهر رمضان وأخبرهم بفضله ومضاعفة الأعمال الصالحة فيه وأنه شهر عظيم مبارك وقال: (( ما مر بالمسلمين شهر قط خير لهم منه، ولا مر بالمنافقين شهر قط أشر لهم منه ) ) (3) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: (( كل عمل ابن آدم له ، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله عز وجل: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، إنه يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، وللصائم فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ) ) (4) .
وسماه شهر الصبر لما فيه من صبر على الصيام وصبر على ألم الجوع والعطش وضعف النفس ، وعن ابن عمر مرفوعا: (( الصيام لا يعلم ثوابه إلا الله عز وجل ) ) (5) .
ولا يخفى أن مضاعفة ثواب الأعمال الصالحة تكون بأسباب منها شرف المكان كمكة المكرمة والمدينة المنورة، كما ثبت في الصحيح أن النبي قال: (( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيها سواه إلا المسجد الحرام ) )، وفي رواية أنه قال: (( أفضل ) ) (6) .
ومن خصائص هذا الشهر المبارك مضاعفة ثواب الأعمال الصالحة فيه إلى سبعمائة ضعف وفوق ذلك لمن حسنت نيته وأخلص أعماله لله وبذل الميسور من الصدقات وكانت من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا: (( فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل ) ) (7) متفق عليه.
وعن أنس رضي الله عنه مرفوعا: (( إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع عنه ميتة السوء ) ) (8) ، وورد: (( إن ظل المؤمن يوم القيامة صدقته ) ) (9) وصدقة السر أفضل لقوله تعالى: إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعلمون خبير [البقرة:271] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعنا بالآيات والذكر الحكيم .
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله الجواد الكريم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له فرائض الدين ، اللهم صل عليه وسلم تسليما كثيرا وبعد:
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: (( لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجلا كان يصوم صوما، فليصم ذلك اليوم ) ) (10) متفق عليه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله: (( إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا ) ) (11) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح .
وعن أبي اليقظان عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: (( من صام اليوم الذي يشك فيه الناس فقد عصى أبا القاسم ) ) (3) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث صحيح .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أيضا أن النبي قال: (( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر ) ) (12) ويباح الفطر في رمضان لأربعة أصناف:
أحدها: المريض الذي يتضرر به والمسافر الذي له القصر، فالفطر لهما أفضل وعليها القضاء، وإذا صاما أجزأهما .
الثاني: الحائض والنفساء تفطران وتقضيان وإن صامتا، والحامل والمرضع إن خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكينا.
وعلى سائر من أفطر القضاء لا غير، إلا من أفطر بجماع في الفرج فإنه يقضي ويعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، فإن لم يجد سقطت عنه، فإن جامع ولم يكفر حتى جامع ثانية فكفارة واحدة، وإن كفر ثم جامع فكفارة ثانية (13)
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا ) ) (14) متفق عليه.
(1) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الزكاة باب ما جاء في فضل الصدقة 3/52 .
(2) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان 7/216 .
(3) أخرجه أحمد في المسند 2/524 .
(4) أخرجه أحمد في صحيحه: كتاب الصيام باب فضل الصيام 8/31 .
(5) وأخرج البيهقي عن زيد مرفوعا بلفظ ( .. والعمل الذي لا يعلم ثواب عامله إلا الله الصيام ) الجامع لشعب الإيمان 7/197 .
(6) صحيح البخاري: باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة 2/57 .
(7) صحيح البخاري كتاب الزكاة باب الصدقة من كسب طيب 2/113 .
(8) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الزكاة باب ما جاء في فضل الصدقة 3/52 .
(9) أخرجه أحمد في مسنده 4/233 .
(10) صحيح البخاري: كتاب الصوم باب لا يتقدمن رمضان بصوم يوم أو يومين 2/230 . وصحيح مسلم كتاب الصوم باب النهي عن تقديم رمضان بصوم يوم أو يومين 7/194 .
(11) سنن الترمذي: كتاب الصوم باب ما جاء في كراهية الصوم في النصف الثاني من شعبان لحال رمضان 3/115 ، وسنن أبي داود: كتاب الصوم باب في كراهية ذلك 2/301 .
(12) صحيح مسلم: كتاب الطهارة باب فضل الوضوء والصلاة عقبه 3/119 .
(13) نقلا من كتاب (العدة في شرح العمدة ) .
(14) صحيح البخاري: كتاب الجهاد باب فضل الصيام في سبيل الله 3/123 وصحيح مسلم: كتاب الصوم باب فضل الصيام في سبيل الله 8/33 .
ــــــــــــــ
إسماعيل الخطيب
تطوان
الحسن الثاني
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-فضل شهر رمضان وذكر الذين يُباح لهم الفطر فيه 2- متى يؤمرالصبي بالصوم وشأن الحائض وما يتعلّق بها من أحكم الصيام 3- المخالفات التي تقع في رمضان
الخطبة الأولى
أما بعد:
بلوغ شهر رمضان وصيامه نعمة عظيمة، ولقد كان سلفنا الصالح يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم، وكان من دعائهم إذا دخل شهر رجب: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان، وكان من دعائهم: اللهم سلمني إلى رمضان، وسلم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلا، وكان النبي يبشر أصحابه بقدوم رمضان، وكيف لا، وهو شهر يفتح الله فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، شهر فرض الله صيامه كما فرضه على الأمم السابقة، ومن رحمة الله تعالى ولطفه وتيسيره أن سهل الصوم على أمة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام بعدة أشياء، منها:
أن الصوم إنما يكون في نهار رمضان، قال تعالى: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل وجاءت السنة تدعوا إلى تعجيل الإفطار وتأخير السحور، وثبت أن أصحاب رسول الله كانوا أسرع الناس إفطارا وأبطأهم سحورا.
وفي أحكام الصيام يتجلى اليسر والتخفيف فالإفطار يباح لسبعة: للمسافر، والمريض، والحامل والمرضع، والهرم، ومن أرهقه الجوع والعطش، والمكره.
فالمرأة الحامل إن خافت على نفسها أو على ولدها أفطرت، وقضت، وكذلك المرضع، أما الشيخ الكبير والمرأة العجوز، والمريض الذي لا يرجى شفاؤه، فهم يفطرون ويطعمون مسكينا بنحو صاع أو مد أو ما تيسر إن كانوا قادرين على الإطعام، وإلا فالله تعالى كريم جواد لا رب سواه.
ومن اليسر والتخفيف في الصيام أن قطرة الدواء في العين أو في الأذن لا تفطر وكذلك الطيب والكحل، وأخذ الدم للتحليل، والرعاف والحقنة، والشرجية (القوالب) والإبر غير المغذية والغبار، وذوق الطباخ للطعام دون دخوله إلى جوفه، ودواء الربو الذي يؤخذ بطريق الاستنشاق، وتنظيف الأسنان بمعجونها جائز طيلة النهار.
ومن أحكام الصيام التي يجب معرفتها: متى يؤمر الصبي بالصيام، إن الصبيان أمانة في أعناق مربيهم (( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) )، لذلك كان على المربي أن يكلف الطفل ما يطيق وأن يزرع في نفسه الشعور بمسؤولياته تجاه ربه ودينه وقد أرشدنا الرسول عليه الصلاة والسلام إلى أمر الطفل بالصلاة وهو في سن السابعة تدريبا له على تحمل مسؤوليات العبادة، وقد ذكر العلماء أن الطفل إذا بلغ عشر سنين وأطاق الصيام، أي كانت حالته الصحية تسمح له بالصوم، أخذ به، واستدلوا بأن النبي أمر بالضرب عندها على الصلاة، واعتبار الصوم بالصلاة أحسن لقرب إحداهما من الأخرى، ولقد كان الصحابة يصوّمون أطفالهم فإن بكوا من العطش أو الجوع شغلوهم بلعب يتلهون بها، وذلك لتنغرس العبادة في قلوبهم ويتعودوا عليها.
ومن أحكام النساء في الصيام أن المرأة إذا انقطع عنها دم الحيض بالليل وجب عليها أن تنوي الصيام ولو لم تغتسل إلا بعد الفجر، وكذلك النفساء متى انقطع عنها دم النفاس لعشرة أيام أو أكثر أو أقل تبادر إلى الاغتسال وتصلي وتصوم، فإذا اغتسلت الحائض والنفساء ثم رأت شيئا من الصفرة أو الكدرة فلا تبالي به بل تصلي وتصوم والحامل إذا رأت شيئا من الدم فإن ذلك الدم ليس بحيض وإنما هو دم فساد، فتصوم وتصلي وتسأل الله تعالى أن يحفظها ويعافيها، ويعينها، ويهبها ذرية صالحة بمنه وفضله وكرمه.
عباد الله: أقسم النبي أنه ما مر بالمسلمين شهر خير لهم من رمضان، شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، شهر تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، وذلك بسبب تنافس الناس في العبادات والإكثار من الصلوات، وبذل الصدقات والإكثار من تلاوة كتاب الله والذكر والدعاء، إنه شهر القرآن لذلك كان على المؤمن أن يجتهد فيه في تلاوة القرآن، وأن ينظر إليه باعتباره شهرا للجد والاجتهاد، وتطهير القلوب من الفساد.
إنه شهر الصيام و (( الصيام جُنّة ) )كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام، أي وقاية وسترة من الإجرام والآثام، من السب واللعن والغيبة والنميمة والكذب، فالمسلم إذا صام، صام سمعه وبصره ولسانه.
ولقد عمل الشيطان على إفساد ليل رمضان على من أطاعه وعصى الرحمان، فدعاهم إلى جعل ليله مناسبة للسهر على اللهو واللعب وزين لهم تقديم السحور مخالفة للسنة، وترك صلاة الفجر في وقتها، وما ذلك إلا من عدم معرفتهم بجلال هذا الشهر ومكانته وفضله وأنه شهر للعبادة والطاعة يتمنى أهل القبور أن لو مد الله في أعمارهم ليملأ ساعاته بما يرضي الله، وما يجدون ثوابه عند الله.
لقد عمل طائفة من الناس على إفساد شهر رمضان عندما جعلوا منه شهرا لاختيار ما لذ وطاب من الطعام والشراب، وعندما حولوا لياليه إلى ليالي للسهر في اللهو واللعب، ثم جاء عصر التلفاز والفضائيات فزادت الفساد فسادا بأشغال الناس بكل ما يصدهم عن ذكر الله.
رمضان شهر عبادة، فاستقبلوه بالتوبة واحرصوا فيه على الزيادة من كل أعمال الخير: من تلاوة القرآن وصلاة النوافل والذكر والصدقة وزيارة الأقارب وصلة الرحم، لتنالوا من عفوا الله ورحمته.
ـــــــــــــــ
عز الدين عوير
الجزائر
الرحمة
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-إذا خسرنا في رمضان فمتى نربح ؟ 2- العبد مسئول عن عمره وعلمه وماله وجسمه 3- التحذير من تضييع الوقت في رمضان 4- اغتنام الحياة والصحة والفراغ والشباب والغنى 5- حال المسلمين المزري في رمضان 6- نعمتا الصحة والفارغ 7- حرص السلف الصالح على اغتنام أوقاتهم 8- الحث على صيام رمضان وقيامه وإخلاص النية في ذلك
الخطبة الأولى
أما بعد: فإن شهر رمضان قد اقترب أن ينتصف، فهل فينا من قهر نفسه وانتصف؟ وهل فينا من قام فيه بما عرف؟ وهل تشوقت أنفسنا لنيل الشرف؟ أيها المحسن فيما مضى منه دم على طاعتك وإحسانك، وأيها المسيء وبخ نفسك على التفريط ولمها، إذا خسرنا في هذا الشهر متى نربح؟ وإذا لم نسافر فيه نحو الفوائد متى نبرح؟
كان قتادة رحمه الله يقول: كان يقال: من لم يغفر له في رمضان فلن يغفر له؛ لما في هذا الشهر المبارك من أسباب المغفرة والرحمة.
فلنستدرك باقي الشهر، فإنه أشرف أوقات الدهر، هذه أيام يحافظ عليها وتصان، هي كالتاج على رأس الزمان، ولنعلم أننا مسؤولون عما نضيعه من أوقات وأحيان، فعن أبي برزة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه فيم عمل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه ) ) (1) [1] .
نعم إننا مسؤولون عن هذه الأوقات من أعمارنا، في أي مصلحة قضيناها؟ أفي طاعة الله وذكره، وتلاوة كتابه وتعلم دينه، أم قضيناها في المقاهي وأمام التلفزيون وفي لعب الكرة أو في غير ذلك مما لا يعود علينا بكبير فائدة، بل قد يباعدنا عن الله تعالى وعن مرضاته، ويقربنا مما يسخطه والعياذ بالله تعالى؟
فالعجب لنا، نعرف ما في هذا الشهر من الخيرات والبركات، ثم لا تطمئن أنفسنا إلا بتضييع أوقاتنا فيما لا يزيدنا إلا بعدًا عن الله تبارك وتعالى، وكأن صحفنا قد ملئت بالحسنات، وضمنا دخول الجنات، إلى متى نرضى بالنزول في منازل الهوان؟ هل مضى من أيامنا يوم صالح سلمنا فيه من الجرائم والقبائح؟ تالله لقد سبق المتقون الرابحون، ونحن راضون بالخسران، أعيننا مطلقة في الحرام، وألسنتنا منبسطة في الآثام، ولأقدامنا على الذنوب إقدام، ونغفل أن الكل مثبت عند الملك الديّان.
عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا إلى النبي أنه قال: (( اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك ) ) (2) [2] .
فالرؤوف الرحيم يوصينا بمبادرة خمسة أشياء قبل حصول خمسة أخرى، نغتنم حال حياتنا قبل موتنا، وحال صحتنا قبل مرضنا، وحال فراغنا قبل انشغالنا، وحال شبابنا قبل كبرنا، وحال غنانا قبل فقرنا، نغتنمها في طاعة الله والتقرب إليه قبل أن يحل بنا ما يمنعنا من ذلك فنندم على ما فرّطنا في جنب الله ولا ينفع يومئذ الندم.
عباد الله، إننا لا نعرف قدر وقيمة نعمة الحياة والصحة والفراغ والشباب والغنى إلا بعد زوالها وفقدها، فلنغتنم فرصة وجودها، ولنسخرها في كل ما يوصلنا إلى جنات ربنا عز وجل ويباعدنا عن عذابه. هذا شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وهذا كتاب الله يتلى فيه بين أظهرنا، ويتردد في أسماعنا، وهو القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيناه خاشعا يتصدع، ومع هذا فلا قلوبنا تخشع، ولا عيوننا تدمع، ولا صيامنا يبعد عن الحرام فينفع، ولا قيامنا استقام، فقلوبنا خلت من التقوى فهي خراب بلقع، وتراكمت عليها الذنوب فهي لا تبصر ولا تسمع، كم تتلى علينا آيات القرآن وقلوبنا كالحجارة أو أشد قسوة، وكم يتوالى علينا من رمضان وحالنا فيه كحال أهل الشقوة، أين نحن من قوم إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدعوة، وإذا تليت عليهم آيات الله وجلت قلوبهم وزادتهم إيمانا، وإذا صاموا صامت منهم الألسنة والأسماع والأبصار؟! أوليس لنا فيهم اقتداء وأسوة؟! كلما حسنت منا الأقوال ساءت منا الأعمال، سيشهد علينا رمضان، وسيشار لكل واحد منا يوم القيامة: شقي فلان وسعيد فلان، اللهم لا تجعلنا من أهل الشقاء، واجعلنا من أهل السعادة والرضوان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الخطبة الثانية
أما بعد: روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي: (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ) ). شبّه النبي في هذا الحديث الإنسان بالتاجر، والصحة والفراغ أي: عدم الشواغل برأس المال لكونهما من أسباب الأرباح ومقدمات النجاح، فمن استعمل صحته وقوته وفراغه ووقته في طاعة الله تعالى ربح في تجارته مع الله عز وجل، ومن استعمل صحته وفراغه ووقته في معصية الله تعالى خسر رأس ماله، فهو مغبون لا يحسن تدبير أموره.
لأجل هذا كان السلف الصالح رضوان الله عليهم أشد الناس حرصًا على اغتنام أوقاتهم في ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه وتعلّم دينه والإحسان إلى خلقه، فمن ذلك عامر بن عبد قيس إذ قال له رجل: قف أكلمك، قال: أمسك الشمس، أي إن استطعت أن تمسك الوقت فلا يمر فسأقف، وكان داود الطائي يستف الفتيت، يأكل فتات الطعام، ويقول: بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية، وكان عثمان الباقلاني دائم الذكر لله تعالى، فقال: إني وقت الإفطار أحس بروحي كأنها تخرج لأجل اشتغالي بالأكل عن الذكر. وأوصى بعض السلف أصحابه فقال: إذا خرجتم من عندي فتفرقوا لعل أحدكم يقرأ القرآن في طريقه، ومتى اجتمعتم تحدّثتم.
هكذا كانوا عليهم رحمه الله، كانوا أشد الناس بخلا فأوقاتهم، فماذا يقولون لو اطلعوا علينا ورأوا كيف نضيع أوقاتنا، في هذا الشهر المبارك خاصة، وفي سائر أيام السنة عامة؟ فكثير منا من يلهي نفسه في رمضان باللعب واللغو، ويقول: نقتل الوقت حتى يصل الإفطار. وما ندري أننا بتضييع أوقاتنا فيما لا يرضي الله تعالى نقتل أنفسنا، وليس الوقت لأن الوقت محسوب من أعمارنا وحياتنا.