الشيخ سلمان مندني
لرمضان وقْعٌ في النفس مختلفٌ، ينتقل به الإنسان إلى ميدان آخر، تزكو به نفسه وفكره وجوارحه، ويعيش الإيمان فيه واقعًا، لا يجد بين الإيمان والحياة فاصلًا، وإنما يترجم معاني رمضان في أفعاله وأقواله وسلوكه وتعامله.. فهو عف اللسان، عف اليد، عف القلب والخاطر.
ورمضان بحق مدرسة إيمانية؛ يتجدد معها إيمان العبد. كلما شعر بألم الجوع والعطش، ازداد إيمانه بالامتناع عن المباح وارتقت نفسه بالامتناع عن الحرام، وتسامى عنه، وحافظ على صيامه من أن تخدشه كلمة أو تؤثر فيه لفظة؛ فلا يصوم عن المباح ليفطر على الحرام.
لذلك كان الصيام مدرسة التقوى التي يعيش بها الضمير حيًّا حذرًا مدركًا، تفرحه الطاعة وتؤذيه المعصية. إن همّ صاحبه بسيئة نهاه عنها، وإن همّ صاحبه بحسنة حثّه عليها. يكبر ضميره وينمو حتى يكون في بصر العبد وأذنه وفي يده ورجله ولسانه، بل في خواطر نفسه وإحساسه. وهو بحد ذاته فوز، وأي فوز أكبر من أن ينتصر الإنسان على نفسه فيعمل بحسب ما يمليه عليه دينه وليس بحسب ما تهواه نفسه:"ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا".
ولا أدل على سمو مكانة الصوم ومنزلته من أن الله جلّ شأنه قال فيما رواه رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الصيام لي وأنا أجزي به"رواه مسلم. فقد أضاف الجليل الصوم إلى نفسه، وليس بعد ذلك من تشريف ينسحب على من صام إيمانًا واحتسابًا. وفيه أيضًا أنه لا يطلع عليه أحد إلا الله، وكم ممتنع عن الأكل والشرب، غير أنه عند الله غير صائم وإن كان صائمًا في ظاهره كما يظن به الناس.
وهذا هو سر رقي الإنسان وتزكية نفسه وجوارحه وفكره؛ فهو يعيش الإيمان بهذا الإحساس فيزداد نقاءً وصفاءً وحسن معاملة؛ فهو عف اللسان لا يقول إلا حقًا ولا ينطق إلا صدقًا ويتعبد الله بذلك. وهو عف اليد، لا تمتد إلى حرام أو إيذاء أو شرور، وإنما هي يد عليا في كل شيء؛ يد خير وصلاح وعطاء وبناء، يد طيبة منفقة متصدقة معينة.
وهو عف القلب والخاطر مشغول الفكر والوجدان بالذكر والتسبيح والقرآن، فإن جال في نفسه شيء من وسوسة الشيطان تذكر؛ فإذا هو مبصر، واستغفر؛ فإذا هو مدرك، ورأى برهان ربه في قلبه وفكره نورًا وصلاة ويقينًا وعلمًا؛ فاندحر منهما الشيطان وعاد خائبًا خاسرًا مرددًا:"إلا عبادك منهم المخلصين" (الحجر: 40) .
والصائم إذا امتنع عن الحلال المباح؛ استجابة لله وطاعة لأوامره، فإنه من باب أولى أكثر طواعية للامتناع عن الحرام وترفعًا عنه. فالحرام يصادم الفطرة والجبلة، والعبادة تتوافق مع الفطرة وتنسجم مع طبيعة الإنسان.
والصوم تربية للنفس على الإخلاص في العبادة والمراقبة وإحياء الضمير ويقظته، وهذا هو مراد الصيام:"يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" (البقرة: 183) . والتقوى هي ميزان المؤمن في الحياة؛ بها يتحرى الحق من الباطل والطيب من الخبيث والرشد من الغي والصحيح من السقيم، فيكون في نور من الله وعلى نور من الله، وهذا هو محصلة العبادات جميعها:"يا أيها الذين آمنوا اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون" (البقرة:21) .
والصيام فوز للإنسان، فأي فوز أكبر من أن ينتصر الإنسان على نفسه الأمارة بالسوء والتي خلقت وفيها عوامل تعيقها: من غفلة ونسيان وسهو وضعف وعجز وتقصير، وغير ذلك. ولا يغلب ذلك كله إلا الإيمان؛ فهو الطاقة والوقود والعزيمة.
"احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز"رواه أحمد. والعبد في صيامه قد ألجم وكبح جماح نفسه، وأعلن بذلك انتصاره عليها واستهان بحاجتها ودوافعها، فأصبح همه طاعة الله وعصيانها:"ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا" (الأحزاب:71) ؛ لأنه عرف المسار، وأدرك طريقه، وتغلب على المعوقات الكثيرة والتي أشقها شهوات النفس ورغباتها.
العيد
يقول الشاعرعبد المعطي الدالاتي:
يعودُ العيدُ ياأحبابْ *** سعيدًا يقرعُ الأبوابْ
يُحَيّينا .. ويُحْيينا *** ويدعونا إلى المحرابْ
يعودُ الحبُّ للقلبِ *** وهل أحلى من الحبِّ؟!
فنَهنا بالجنَا العذبِ *** وندعو الله َ: يا توابْ
نرى الفقراءَ قد ناموا *** وفي الأكبادِ آلام ُ
وقبلَ الصوم قد صاموا *** وأنتَ الرازق الوهّابْ
فكبِّر يا أخا الإسلامْ *** فهذا أسعدُ الأيامْ
وهيّا نمسح الآلامْ ***ونسقي الخير َبالأكوابْ
دموعُ القدس خلف النارْ *** تنادي موكب الأحرارْ
فكبّرْ .. دمِّر الأسوارْ *** فربُّك هازمُ الأحزابْ
أيا عيدُ متى النصرُ؟ *** متى حطينُ أو بدرُ؟
تُرى هل يشرقُ الفجرُ ؟ *** ونفرحُ فرحةَ الأصحابْ
وفي ختام رمضان واستقبال عيد الفطر:
من ذلك قول ابن الرومي:
ولما انقضى شهر الصيام بفضله *** تجلَّى هلالُ العيدِ من جانبِ الغربِ
كحاجبِ شيخٍ شابَ من طُولِ عُمْرِه * يشيرُ لنا بالرمز للأكْلِ والشُّرْبِ
وقول ابن المعتز:
أهلًا بفِطْرٍ قد أضاء هلالُه فالآنَ فاغْدُ على الصِّحاب وبَكِّرِ
وانظرْ إليه كزورقٍ من فِضَّةٍ *** قد أثقلتْهُ حمولةٌ من عَنْبَرِ
ويستغل الشاعر محمد الأسمر فرصة العيد ليذكر بالخير و الحث على الصدقة فيه تخفيفًا من معاناة الفقراء والمعوزين في يوم العيد؛ فيقول:
هذا هو العيد فلتصفُ النفوس به *** وبذلك الخير فيه خير ما صنعا
أيامه موسم للبر تزرعه *** وعند ربي يخبي المرء ما زرعا
فتعهدوا الناس فيه:من أضر به ** ريب الزمان ومن كانوا لكم تبعا
وبددوا عن ذوي القربى شجونهم *** دعا الإله لهذا والرسول معا
واسوا البرايا وكونوا في دياجرهم *** بدرًا رآه ظلام الليل فانقشعا
وهذا الشاعر الجمبلاطي يستبشر خيرًا بقدوم العيد، ويأمل أن يكون فرصة لمساعدة الفقراء والمكروبين حين يقول:
طاف البشير بنا مذ أقبل العيد *** فالبشر مرتقب والبذل محمود
يا عيد كل فقير هز راحته *** شوقًا وكل غني هزه الجود
وللشاعر يحيى حسن توفيق قصيدة بعنوان «ليلة العيد» يستبشر في مطلعها بقوله:
بشائر العيد تترا غنية الصور *** وطابع البشر يكسو أوجه البشر
وموكب العيد يدنو صاخبًا طربًا *** في عين وامقة أو قلب منتظر
ويستمر في وصفه حتى يختمها بقوله:
ياليلة العيد كم في العيد من عبر *** لمن أراد رشاد العقل والبشر
والعيد ما هو إلا تعبير عن السعادة التي تغمر الصائمين بنعمة الله التي أنعمها عليهم باكتمال صيام الشهر الفضيل يقول محمد بن سعد المشعان:
والعيد أقبل مزهوًا بطلعته *** كأنه فارس في حلة رفلا
والمسلمون أشاعوا فيه فرحتهم *** كما أشاعوا التحايا فيه والقبلا
فليهنأ الصائم المنهي تعبده *** بمقدم العيد إن الصوم قد كملا
وما قيل في ذلك دالية المتنبي في وصف حاله بمصر والتي يقول في مطلعها:
عيدٌ بأيّةِ حالٍ جِئْتَ يا عيدُ *** بما مضى أم بأمْرٍ فيكَ تجديدُ
أمّا الأحِبة فالبيداءُ دونَهم *** فليت دونك بيدًا دونهم بيدُ
وشكوى المعتمدُ بن عباد بعد زوال ملكه، وحبسه في (أغمات) بخافية على أي متصفح لكتب الأدب العربي؛ حين قال وهو يرى بناته جائعات عاريات حافيات في يوم العيد:
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا *** وكان عيدك باللّذات معمورا
وكنت تحسب أن العيد مسعدةٌ *** فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعةً *** في لبسهنّ رأيت الفقر مسطورا
معاشهنّ بعيد العزّ ممتهنٌ *** يغزلن للناس لا يملكن قطميرا
أفطرت في العيد لا عادت إساءتُه *** ولست يا عيدُ مني اليوم معذورا
وكنت تحسب أن الفطر مُبتَهَجٌ *** فعاد فطرك للأكباد تفطيرا
ويبث الشاعر العراقي السيد مصطفى جمال الدين شكوى أيام صباه الأولي في قصيدة رائعة قال فيها:
العيدُ أقبلَ تُسْعِدُ الأطفالَ ما حملتْ يداه
لُعَبًا وأثوابًا وأنغامًا تَضِجُّ بها الشِّفاه
وفتاكَ يبحثُ بينَ أسرابِ الطفولةِ عن (نِداه)
فيعودُ في أهدابه دَمْعٌ ، وفي شفتيه (آه)
ويقول في قصيدة أخرى:
هذا هو العيدُ ، أينَ الأهلُ والفرحُ
ضاقتْ بهِ النَّفْسُ ، أم أوْدَتْ به القُرَحُ؟!
وأينَ أحبابُنا ضاعتْ ملامحُهم
مَنْ في البلاد بقي منهم ، ومن نزحوا؟!
وفي قصيدة ثالثة يقول:
يا عيدُ عرِّجْ فقد طالَ الظّما وجَفَتْ *** تِلكَ السنونُ التي كم أيْنَعَتْ عِنَبا
يا عيدُ عُدنْا أعِدْنا للذي فرِحَتْ *** به الصغيراتُ من أحلامنا فخبا
مَنْ غيّبَ الضحكةَ البيضاءَ من غَدِنا *** مَنْ فَرَّ بالفرحِ السهرانِ مَنْ هَربَا
لم يبقَ من عيدنا إلا الذي تَرَكَتْ *** لنا يداهُ وما أعطى وما وَهَبا
من ذكرياتٍ أقَمنا العُمرَ نَعصِرُها *** فما شربنا ولا داعي المُنى شَرِبا
يا عيدُ هَلاّ تَذَكرتَ الذي أخَذَتْ *** منّا الليالي وما من كأسِنا انسَكَبا
وهل تَذَكَّرتَ أطفالًا مباهِجُهُم *** يا عيدُ في صُبْحِكَ الآتي إذا اقتربا
هَلاّ تَذَكَّرتَ ليلَ الأَمسِ تملؤُهُ *** بِشْرًا إذا جِئْتَ أينَ البِشْرُ؟..قد ذَهَبا
أما الأهل في خارج السجن فلم يكن حالهم بأفضل من حال من بداخله حيث يصف الطاهر إبراهيم ذلك حين يقول:
يا رب هذا العيد وافى والنفوس بها شجون
لبس الصغار جديدهم فيه وهم يستبشرون
بجديد أحذية وأثواب لهم يتبخترون
ولذيذ حلوى العيد بالأيدي بها يتخاطفون
وهناك خلف الباب أطفال لنا يتساءلون
أمي صلاة العيد حانت أين والدنا الحنون؟
إنا توضأنا كعادتنا وعند الباب (أمي) واقفون
زفرت تئن وقد بدا في وجهها الألم الدفين
ورنت إليهم في أسى واغرورقت منها العيون
العيد ليس لكم أحبائي فوالدكم سجين
ولقد وصف الشعراء مآسي الأمة وأحزانها خصوصًا كلما عاد العيد ومن ذلك قول الشاعر عمر بهاء الدين الأميري:
يقولونَ لي: عيدٌ سعيدٌ، وإنَّهُ *** ليومُ حسابٍ لو نحسُّ ونشعرُ
أعيدٌ سعيدٌ !! يالها من سعادةٍ *** وأوطانُنا فيها الشقاءُ يزمجرُ
وقوله:
يمرُّ علينا العيدُ مُرَّا مضرَّجًا *** بأكبادنا والقدسُ في الأسْرِ تصرخُ
عسى أنْ يعودَ العيدُ باللهِ عزّةً *** ونَصْرًا، ويُمْحى العارُ عنّا ويُنْسَخُ
وشكوى الشاعر عمر أبو الريشة:
يا عيدُ ما افْتَرَّ ثغْرُ المجدِ يا عيد *** فكيف تلقاكَ بالبِشْرِ الزغاريدُ؟
يا عيدُ كم في روابي القدسِ من كَبِدٍ *** لها على الرَّفْرَفِ العُلْوِيِّ تَعْييدُ؟
سينجلي لَيْلُنا عن فَجْرِ مُعْتَرَكٍ *** ونحنُ في فمه المشْبوبِ تَغْريدُ
أما الشاعر الدكتور عبد الرحمن العشماوي فيقول في قصيدته (عندما يحزن العيد) راثيًا حال الأمة الإسلامية بما يشاهده من معاناتها:
أقبلت يا عيد والأحزان نائمة *** على فراشي وطرف الشوق سهران
من أين نفرح يا عيد الجراح وفي *** قلوبنا من صنوف الهمِّ ألوان؟
من أين نفرح والأحداث عاصفة *** وللدُّمى مقل ترنو وآذان؟
ثم ينتقل إلى الجرح الذي لم يندمل، والذي يؤرق الأمة الإسلامية ألا وهو جراحات مقدساتها العظيمة التي سلبها عدوّها لما نام عنها راعيها من المسلمين فقال:
من أين والمسجد الأقصى محطمة
آماله وفؤاد القدس ولها؟
من أين نفرح يا عيد الجراح وفي
دروبنا جدر قامت وكثبان؟
وبعدها يشتاق قلب الشاعر إلى إخوانه وأحبائه وأهله إلى كل من لم يطعم الراحة والهناء تحت ظل الأمة الإسلامية ليواسيهم، ويواسي جراحات قلبه وآلام نفسه فيقول:
أصبحت في يوم عيدي والسؤال على ** ثغري يئن وفي الأحشاء نيران
أين الأحبة وارتد السؤال إلى *** صدري سهامًا لها في الطعن إمعان؟
وعندما سُئل الشاعر محمد المشعانُ عن العيد ماذا يقول له ؟ أجاب سائله وهو يتحسر على ما آل إليه حال أمته الإسلامية من التفرق والخصام قائلًا:
ماذا تقول لهذا العيد يا شاعر؟ *** أقول: يا عيد ألق الرحل أو غادر
ما أنت يا عيد والأتراح جاثمة *** إلا سؤال سخيف مرَّ بالخاطر
ما أنت يا عيد والعربان قد ثكلوا *** جمالهم والمراعي وانتهى الماطر ؟
ما أنت يا عيد في قوم يمر بهم ** ركب الشعوب وهم في دهشة الحائر
وتتفاعل الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان مع أخواتها اللاجئات الفلسطينيات بين الخيام لتصور مأساتهن وما يعانينه من آلام التشرد واللجوء في يوم العيد فتقول:
أختاه, هذا العيد رفَّ سناه في روح الوجودْ
وأشاع في قلب الحياة بشاشة الفجر السعيدْ
وأراك ما بين الخيام قبعتِ تمثالًا شقيًّا
متهالكًا, يطوي وراء جموده ألمًا عتيًّا
يرنو إلى اللاشيء.. منسرحًا مع الأفق البعيدْ
أختاه, مالك إن نظرت إلى جموع العابرينْ
ولمحت أسراب الصبايا من بنات المترفينْ
من كل راقصة الخطى كادت بنشوتها تطيرُ
العيد يضحك في محيّاها ويلتمع السرورُ
أطرقتِ واجمة كأنك صورة الألم الدفينْ?
وتذكر الشاعرة أخواتها بالعيد أيام الطفولة حيث المرح واللهو الطفولي في يافا وغيرها من مدن فلسطين التي استولى عليها المحتل الغاصب، وحرم أهلها من الابتسامة وفرحة العيد:
أترى ذكرتِ مباهج الأعياد في (يافا) الجميلهْ?
أهفت بقلبك ذكريات العيد أيام الطفولهْ?
إذ أنت كالحسون تنطلقين في زهوٍ غريرِ
والعقدة الحمراء قد رفّتْ على الرأس الصغير
والشعر منسدلٌ على الكتفين, محلول الجديلهْ?
إذ أنت تنطلقين بين ملاعب البلد الحبيبِ
تتراكضين مع اللّدات بموكب فرح طروبِ
طورًا إلى أرجوحة نُصبت هناك على الرمالِ
طورًا إلى ظل المغارس في كنوز البرتقالِ
والعيد يملأ جوّكن بروحه المرح اللعوبِ?
وقبل الختام أُعرِّج معك مع أبيات سارت أمثالًا وحكما تسري في كل مكان
أنقلها لك أخي القاريء من كتاب المختار من شواهد الاشعار
1 إذا كان الطباعُ طباعَ سوءٍ *** فلا أدبٌ يفيد ولا أديبُ
2 إذا جاء موسى وألقى العصى *** فقد بطل السحر والساحرُ
3 إذا رضيتْ عني كرام عشيرتي *** فلا زال غضبانًا عليَّ لئامُها
4 إذا لم تكن إلا الأسنةُ مركبًا *** فما حيلةُ المضطر إلا ركوبها
5 إذا ما أتيت الأمر من غير بابه *** ضللت وإن تقصد إلى الباب تهتدي
6 إن العدو وإن أبدى مسالمةً *** إذا راى منك يومًا غرّة وثبا
7 إذا ملكٌ لم يكن ذا هبهْ *** فدعه فدولته ذاهبهْ
8 إذا كان رب البيت بالدف ضاربًا *** فشيمة من في الدار كلهمُ الرقصُ
9 إذا كنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ *** وإن كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ
10 إذا ما أراد الله إهلاك نملةٍ *** سمت بجناحيها إلى الجو تصعدُ
11 إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا *** أصبت حليمًا أو أصابك جاهلُ
12 إذا قالت حذامُ فصدقوها *** فإن القول ما قالتْ حذامُ
13 إذا لم تستطع شيئًا فدعه *** وجاوزه إلى ما تستطيعُ
14 إذا محاسنيَ اللاتي أُدِلُّ بها *** عُدَّتْ ذنوبًا فقل لي كيف أعتذرُ
15 إذا اعتاد الفتى خوض المنايا *** فأيسر ما يمر به الوحولُ
16 إذا كنتَ ذا رأي فكن ذا عزيمةٍ *** فإن فسادَ الرأي أن تترددا
17 إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى *** فأولُ ما يجني عليه اجتهادُهُ
18 إذا ما الجرحُ رمَّ على فسادٍ *** تبين فيه تفريطُ الطبيبِ
19 إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا *** كفى لمطايانا برؤياك هاديا
20 أسدٌ عليَّ وفي الحروبِ نعامةٌ *** ربداءُ تجفُلُ من صفير الصافرِ
21 أعمى يقود بصيرًا لا أبا لكمُ *** قد ضل من كانت العميان تهديهِ
22 أقلوا عليهم لا أبا لأبيكمُ من *** اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
23 ألم تر أن المرء تدوي يمينه *** فيقطعها عمدًا ليسلم سائرهْ
24 ألم تر أن السيف ينقص قدرُه *** إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
25 ألا رُبَّ باغٍ حاجةً لا ينالُها *** وآخرُ قد تُقضى له وهو جالسُ
26 إن الرياح إذا اشتدتْ عواصفها *** فليس ترمي سوى العالي من الشجرِ
27 إن الأفاعي وإن لانتْ ملامسُها *** عند التقلبِ في أنيابها العطبُ
28 أوردها سعدٌ وسعد مشتملْ *** ما هكذا يا سعدُ تُورَد الإبلْ
29 بأبهِ اقتدى عدىٌ بالكرمْ *** ومن يشابهْ أبَه فما ظلمْ
30 بدأتم فأحسنتم فأثنيتُ جاهدا *** وإن عدتمو ثنيتُ والعودُ أحمدُ
31 بذا قضت الأيامُ ما بين أهلها *** مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ
32 بالملح نُصلح ما نخشى تغيرهُ *** فكيف بالملح إن حلت به الغِيَرُ
33 ترى الرجلَ النحيل فتزدريهِ ***وفي أثوابه أسدٌ حصورُ
ويعجبك الطريرُ فتبتليهِ *** فيخلف ظنك الرجلُ الطريرُ
34 تعشَّقتُها شمطاءَ شاب وليدُها *** وللناس فيما يعشقون مذاهِبُ
35 تقولُ هذا مِجاجُ النحلِ تمدحُهُ *** وإن تشأ قلتَ ذا قيءُ الزنابيرِ
مدحًا وذمًا وما جاوزتَ وصفهما *** والحق قد يعتريهِ سوءُ تعبيرِ
36 ترجوا النجاةَ ولم تسلك مسالكها *** إن السفينة لا تجري على اليبسِ
37 تضاحكتُ بينهمو معجَبا *** وشرُّ البليةِ ما يُضْحِكُ
38 تكاثرت الظباءُ على خراشٍ *** فما يدري خراشٌ ما يصيدُ
39 حياك من لم تكن ترجو تحيته *** لولا الدراهمُ ما حياك إنسانُ
40 خذ ما تراه ودع شيئًا سمعتَ به *** في طلعةِ الشمسِ ما يغنيك عن زُحَلِ
41 خلا للِ الجو فبيضي واصفري *** ونقِّري ما شئتِ أن تنقري
وعارضها بعضهم بقوله:
42 خلا لكِ الجو فغني واطربي *** وخرِّبي ما شئتِ أن تُخَرِّبي
43 الخير لا يأتيك متصلًا *** والشر يسبق سيلَه مطرُهْ
44 ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ***وأخو الجهالة في الشقاء منعَّمُ
45 رُبَّ يومٍ بكيتُ منه فلما *** صرتُ في غيره بكيتُ عليهِ
46 رضيتُ ببعض الذل خوف جميعه ***كذلك بعضُ الشر أهونُ من بعضِ
47 زعم الفرزدقُ أن سيقتل مِربَعًا *** أبشرْ بطولِ سلامةٍ يا مِربعُ
48 زعم المسفّه أن يغالِبَ ربَّهُ *** ولَيُغْلَبَنَّ مُغَالبُ الغلاّبِ
49 ستبدي لك الأيامُ ما كنتَ جاهلًا *** ويأتيك بالأخبار من لم تُزَوِّدِ
50 ستذكرني إذا جربت غيري *** وتعلم أنني نعم الصديقُ
51 ستورُ الضمائرِ مهتوكةٌ *** إذا ما تلاحظت الأعينُ
52 سيذكرني قومي إذا جد جدهم *** وفي الليلة الظلماءِ يُفتَقدُ البدرُ
53 شكوتُ وما الشكوى لمثليَ عادة *** ولكن تفيضُ العينُ عند امتلائها
54 طفح السرورُ عليَّ حتى أنه *** من كُثْرِ ما قد سرني أبكاني
55 ظننتُ بهم ظنًا جميلًا فخيبوا *** رجائي وما كل الظنونِ تُصيبُ
56 عتبتُ على عمروٍ فلما تركته *** وجربتُ أقوامًا بكيتُ على عمروِ
57 العبدُ يُقرعُ بالعصا *** والحرُّ تكفيه الإشاره
58 أُعلل النفس بالآمالِ أرقُبُها ما *** أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأملِ
59 فلم أر كالأيام للمرءِ واعظًا *** و لا كصروف الدهر للمرءِ هاديا
60 فما أكثرُ الأصحابِ حين تعدُّهم *** ولكنهم في النائبات قليلُ
61 فلو لبس الحمارُ ثياب خزٍ *** لقال الناس يالك من حمارِ
62 فإن كانت الأجسامُ منا تباعدت *** فإن المدى بين القلوب قريبُ
63 فإن يكُ صدرُ هذا اليومِ ولى *** فإن غدًا لناظره قريبُ
64 قد تُنكر العينُ ضوءَ الشمسِ من رمدٍ *** وينكرُ الفمُ طعمَ الماءِ من سَقَمِ
65 قد زال ملكُ سليمان وعاوده *** والشمسُ تنحطُّ في المجرى وترتفعُ
66 قد يجمعُ المالَ غيرُ آكلِهِ *** ويأكلُ المالَ غيرُ من جمعهْ
67 قد يرك المتأني بعض حاجتهِ ***وقد يكون من المستعجل الزللُ
68 قد يدرك الشرفَ الفتى ورداؤه *** خَلَقٌ وجيبُ قميصِهِ مرقوعُ
69 كشقي مقصٍ تجمعتا *** على غير شيءٍ سوى التفرقهْ
70 كعصفورة في كف طفلٍ يسومها *** ورود حياض الموت والطفلُ يلعبُ
71 كالعيسِ في البيداء يقتُلُها الظما ***والماءُ فوق ظهورِها محمولُ
72 كل المصائب قد تمر على الفتى *** فتهون غيرَ شماتةِ الأعداء
73 كأنك من كل النفوس مركبٌ *** فأنت إلى كل الأنام حبيبُ
74 كالكلب إن جاع لم يمنعك بصبصة *** وإن ينل شبعًا ينبحْ من الأشرِ
75 لا تمدحنَّ امرأً حتى تجربه *** و لا تذمنّه من غير تجريبِ
76 لعمرك ما ضاقت بلادٌ بأهلها *** ولكنَّ أخلاق الرجال تضيقُ
77 لعل عتبك محمودٌ عواقُبهُ *** وربما صحَّت الأجسامُ بالعللِ
78 لِلموت فينا سهامٌ وهي صائبةٌ *** من فاته اليوم سهمٌ لم يفته غدا
79 ليس الغبيّ بسيدٍ في قومه *** لكنَّ سيدَ قومه المتغابيْ
80 وإن عناءً أن تُفَهِّم جاهلًا *** فيحسب جهلًا أنه منك أعلمُ
81 متى يبلغ البنيانُ يومًا تمامَه *** إذا كنتَ تبنيهِ وغيرُك يهدمُ
82 ما حكَّ جلدك مثلُ ظفركْ *** فتولَّ أنت جميعَ أمرِكْ
83 مِكَرٍ مِفَرٍ مقبلٍ مدبرٍ معًا *** كجلمودِ صخرٍ حطَّه السيلُ من علِ
84 من كان فوق محل الشمس رتبته *** فليس يرفعه شيءٌ و لا يضعُ
85 من الناس مَنْ يغشى الأباعدَ نفعُه ***ويشقى به حتى المماتِ أقاربهْ
86 موتُ النفوس حياتها *** من شاء أن يحيا يموتْ
87 المستجيرُ بعمروٍ عند كربته *** كالمستجيرِ من الرمضاءِ بالنارِ
88 من يهن يسهلُ الهوانُ عليهِ *** ما لُجرحٍ بميتٍ إيلامُ
89 الناسُ للناسِ من بدوٍ وحاضرةٍ *** بعض لبعضٍ وإن لم يشعروا خدمُ
90 هب الدنيا تقاد إليك عفوًا *** أليس مصير ذاك إلى زوالِ
91 هل يضر البحر أمسى زاخرًا *** أن رمى فيه صبيٌ بحجرْ
92 ولو كل كلبٍ عوى ألقمته حجرًا *** لأصبح الصخرُ مثقالًا بدينارِ
93 ولم أر كالمعروف أما مذاقه *** فحلوٌ وأمل وجهه فجميلُ
94 وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ *** فهي الشهادةُ لي بأني فاضلُ
95 وتجلُّدي للشامتين أُريهمُ *** أني لريب الدهر لا أتضعضعُ
96 وإذا المنيةُ أنشبتْ أظفارَها *** ألفيت كل تميمةٍ لا تنفعُ
97 وعاجزُ الرأي مضياعٌ لفرصتهِ *** حتى إذا فاتَ أمرٌ عاتب القدرا
98 وفي السماء نجومٌ لا عِدادَ لها *** وليس يكسف إلا الشمس والقمرُ
99 وكأسٌ شرِبتُ على لذةٍ *** وأخرى تداويتُ منها بها
100 وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظرهِ *** إذا استوتْ عنده الأنوارُ والظُلَمُ
101 وما المرءُ إلا حيث يجعل نفسهُ *** ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل
102 وما طلبُ المعيشةِ بالتمني *** ولكن ألقِ دلوك في الدلاءِ
103 ومن يكن الغرابُ له دليلًا *** يمر به على جيف الكلابِ
104 وعين الرضا عن كل عيبٍ كليلة *** كما أن عين السخط تبدي اساوي
105 و لا بد من شكوى إلى ذي مروأةٍ ***يواسيك أو يسليك أو يتوجعُ
106 ولكل شيءٍ آفةٌ من جنسهِ *** حتى الحديد سطا عليه المبردُ
107 وليس يصحُّ في الأذهان شيءٌ *** إذا احتاج النهارُ إلى دليلِ
108 وما الناسُ بالناس الذين عرفتهم *** ولا الدارُ بالدار التي كنتُ أعهدُ