أحسّ"منيب"باشتداد الجوع عليه أثناء الفسحة، فتوجه إلى مطعم المدرسة، واشترى بعض المأكولات والحلوى، وقد نوى أن يفطر بعيدًا عن أعين أصدقائه، رجع منيب إلى البيت وقد اشتد به ألم الجوع فدخل حجرته وأغلق عليه الباب، وفتح الحقيبة بسرعة، وأخرج ما فيها من طعام، فإذا بالإمساكية التي أهداها إليه زميله همام تخرج معه.
سأل منيب نفسه: ترى كم بقي من اليوم؟ وبعد أن نظر في الإمساكية قال: أكثر من ثلاث ساعات، إنه لوقت طويل حقًا، لا يمكن أن أنتظر كل هذه المدة.
فكّر منيب في أن يفض أغلفة المأكولات ويبدأ الطعام، ولكنه لمح عنوانًا على غلاف الإمساكية وهو يهم بإرجاعها إلى الحقيبة يقول:"الترهيب من الفطر في رمضان"فقرّبها إلى عينيه وأخذ يقرأ بإمعان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أفطر يومًا في رمضان في غير رخصة رخّصها الله له لم يقض عنه صيام الدهر كله وإن صامه".
فقال في نفسه: يا سبحان الله! كيف أجرؤ على اقتراف هذا الجرم الشنيع الذي لا يمكن تعويضه أبدًا، ما أهون الصبر على هذه السويعات الباقية إذًا، ثم أخذ المأكولات ووضعها في الحقيبة وأغلقها بعصبية.
ولما حان أذان المغرب قطع صيامه ببعض التمرات، ثم قام إلى صلاة الجماعة، وبعدها جلس إلى المائدة وهو يردد: الحمد لله الذي أعانني فصمت، ورزقني فأفطرت، وقد غمرته الفرحة بانتصاره على نفسه أولًا، وبتوفيق الله له وعونه ثانيًا، وبانتظار ثواب الصيام الجزيل أخيرًا.
صلاتنا تذكِّرنا بعدوِّنا
فرغ الأب من صلاة الجماعة مع ابنه فبادره الابن قائلًا: لاحظت يا أبي أمرين أثناء الصلاة لم أعرف لهما تفسيرًا.
الأب: وما هما يا بنيّ؟
الابن: لفت انتباهي علو نبرة الصوت عندما تمر على قول (غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ) من الفاتحة، وسمعتك كذلك تهمس بدعوات بعد التشهد لا أعرفها.
الأب: بارك الله فيك يا بنيّ، هذا دليل جديد على ما حباك الله به من قوة الملاحظة، إن الصلاة تذكّرنا بدايتها ونهايتها بأشد الناس عداوة لنا معشر المسلمين.
الابن: تقصد اليهود يا أبي؟
الأب: ومن غيرهم يا بنيّ؟!
الابن: وما علاقة هذا يا أبي بالملاحظات التي أبديتها؟
الأب: إنهم يا بنيّ هم المغضوب عليهم المذكورون في الفاتحة، والمسيح الدجال واحد منهم.
الابن: وما سر هذا الغضب الإلهي الذي يلاحقهم يا أبي؟
الأب: لقد ارتكبوا يا بني أبشع الجرائم في حق أقدس مقدساتهم، أما ما يفعلونه بالمسلمين من فظائع فأمور تفوق الوصف.
الابن: زدني تفصيلًا يا أبي.
الأب: يكفي يا بني أن تعلم حالهم مع الله تعالى، ومع رسلهم المرسلة إليهم، ومع كتبهم المنزلة، فقد وصفوا الله تعالى بأقبح الأوصاف لتبجحهم وفجورهم فقالوا: (يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ) ، وقالوا: (إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء) . الابن: لعنهم الله.. ألهذا الحد بلغ كفرهم؟ وماذا فعلوا مع الرسل إذًا؟
الأب: إذا أتى الرسول بما يخالف أهواءهم أو مصالحهم، كان لهم معه أحد موقفين؛ إما أن يكذبوه وإما أن يقتلوه.
الابن: يا حفيظ يا رب، إنهم شياطين لا بشر، وماذا عن حالهم مع كتبهم؟
الأب: تخيل يا بني كل الجرائم التي يمكن ارتكابها في حق الكتب المنزلة.
الابن: التكذيب بها، أو كتمانها أو تحريفها أو تأليفها، فهذا كل ما يصل إليه الخيال في هذا الشأن، فهل فعلوا هذا كله مع كتبهم يا أبي؟
الأب: نعم يا بني.. ولو بقيت جرائم أخرى غيرها ما ترددوا في اقترافها، وقد فصل القرآن الكريم هذا كله في مواضع مختلفة منه.
الابن: لا حول ولا قوة إلا بالله، إن أمرًا واحدًا مما ذكر ليكفي لحلول غضب الجبار عليهم، فماذا عن الدجال الذي أشرت إليه يا أبي؟
الأب: إنه المسيح الدجال أو المسيخ، وقد سمي كذلك لمسخ الخلقة الذي ابتلاه الله به، فهو أعور، عينه كالعنبة الطافية، ومكتوب بين عينيه:"كافر"، وقد أعطاه الله تعالى بعض الخوارق، وسيستغلها حين يظهر لفتنة ضعاف الإيمان ويدعوهم إلى اتخاذه إلهًا من دون الله، وسينطلق هنا وهناك يعيث في الأرض فسادًا، حتى ينزل عيسى بن مريم رسول الله عليه السلام فيتصدى له ويقتله عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، ويرى الناس دمه يقطر من السيف حتى يتيقنوا من كذبه ودجله.
الابن: ثبِّتنا يا رب، من أجل هذا تدعو يا أبي بعد التشهد؟.
الأب: إننا نتبع هدي نبينا صلى الله عليه وسلم، وفي هذا نجاتنا وصلاحنا وفلاحنا في الدنيا والآخرة، وقد كان يقول بين ما يقول قبل التسليم:"اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال".
الابن: الآن يا أبي فهمت كيف تذكرنا صلاتنا بأعدائنا اليهود في بدايتها وفي نهايتها فجزاكم الله خيرًا
ــــــــــــــــــــ