ما حكم مشاهدة الأفلام وسماع الأغاني في نهار رمضان؟
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
الحكم العام على مشاهدة الأفلام والمسرحيات والمسلسلات وسماع الأغاني: أنها إن كانت هذه المشاهدات والمسموعات تحمل كلامًا باطلًا أو تدعو إلى محرم، أو كانت تؤثر تأثيرًا ضارًا على فكر الإنسان وسلوكه، أو صرفته عن واجب، أو صاحبها محرم كشرب أو رقص أو اختلاط سافر كانت حرامًا؛ سواء أكان ذلك في رمضان أم في غير رمضان. فإن خلت من هذه المحاذير كان الإكثار منها مكروهًا، ولا بأس بالقليل منها للترويح.
وشهر رمضان له طابع خاص، فهو قائم على صيام النفس عن شهواتها والتدريب على سيطرة العقل على رغباتها، وليس ذلك بالامتناع فقط عن الأكل والشرب والشهوة الجنسية، فذلك هو الحد الأدنى للصيام، لا يكتفي به إلا العامة الذين يعملون فقط لأجل النجاة من العقاب، مع القناعة بالقليل من الثواب، أما غيرهم فيحرصون على الكمال في كل العبادات، فيمسكون عن كل شهوات النفس، وبخاصة ما حرَّم الله كالكذب والغيبة، ويسمو بعضهم في الكمال فيصوم حتى عن الحلال، مقبلًا على الطاعة في هذا الشهر بالذات ليخرج منه صافي النفس والسلوك من الرذائل متحليًا بالفضائل.
فلا ينبغي أن نضيِّع فرصة هذا الشهر الذي يضاعف فيه ثواب الطاعة، بصيام نهاره وقيام ليله بالتراويح وقراءة القرآن. .
وضياع جزء كبير من الوقت في مشاهدة وسماع أنواع الترفيه خسارة للمؤمن العاقل، وعلى المسئولين جميعًا أن يراعوا حرمة هذا الشهر، فيهيئوا الفرصة للصائمين والقائمين أن يتقربوا إلى الله بالطاعات بدل اللهو الذي مللناه طول العام.
ومهما يكن من شيء فإن مشاهدة وسماع هذه الأشياء لا يبطل الصيام إلا إذا حدث أثر جنسي بسببها، ومع عدم البطلان فاتت فرص كثيرة لشغل الوقت بالعبادة وقراءة القرآن وسماع البرامج الدينية، يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطبراني:"أتاكم رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه فيُنزل الرحمة، ويحُطُّ الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرًا؛ فإن الشقي من حرم به رحمة الله عز وجل"، فليكن تنافسنا في رمضان في الخير لا في اللهو ولا في الإقبال على الملذات
كثيرًا ما ينسى الناس في بداية شهر رمضان. فيأخذ أحدهم كوب ماء أو سيجارة أو أي شيء آخر ويضعه في فمه. ثم يتذكر أنه صائم. ويكون قد أكل فعلا أو شرب.فهل يجوز له استكمال صيام يومه ؟
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من نسي وهو صائم فأكل وشرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه) . وفي لفظ للدارقطني بإسناد صحيح. (فإنما هو رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء عليه) . وفي لفظ آخر للدارقطني وابن خزيمة وابن حبان والحاكم.. (من أفطر من رمضان ناسيًا، فلا قضاء عليه ولا كفارة) . وإسناده صحيح أيضًا قاله الحافظ ابن حجر.
وهذه الأحاديث صريحة في عدم تأثير الأكل والشرب نسيانًا على صحة الصوم، وهو الموافق لقوله تعالى: ]ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا[ {البقرة: 286} وقد ثبت في الصحيح أن الله أجاب هذا الدعاء.
كما ثبت في حديث آخر: (إن الله وضع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) .
فعلى الصائم الذي أكل وشرب ناسيًا أن يستكمل صيام يومه، ولا يجوز له الفطر. وبالله التوفيق
لقد اضطررت للإفطار ستة أيام في السنة الماضية في شهر رمضان المبارك بسبب العادة الشهرية، وعندما أردت قضاء هذه الأيام بدأت بصومها في العشرين من شعبان وبعد ما صمت يومين أتاني كثير من الناس وقالوا لي: إنه لا يجوز قضاء الصوم في شهر شعبان فما رأيكم في هذا ؟
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
لا حرج ولا بأس بقضاء ما فات المسلمة أو المسلم من رمضان في أي شهر من الشهور حتى في شعبان نفسه، بل قد ورد أن عائشة كانت أحيانًا تتأخر بقضاء بعض الأيام إلى شعبان فتصومها قبل أن يأتي رمضان فلتطمئن المسلمة على الأيام التي صامتها، وهي مقبولة ومجزئة عنها والله تعالى يتقبل من المتقين
استعمال السواك ومعجون الأسنان للصائم
س: ما حكم استعمال السواك للصائم، وخاصة الاستياك بمعجون الأسنان ؟
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله: ج: السواك قبل الزوال مستحب كما هو دائمًا، وبعد الزوال اختلف الفقهاء فقال بعضهم: يكره الاستياك للصائم بعد الزوال. وحجته في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) [رواه البخاري من حديث أبي هريرة] فهو يرى أن ريح المسك هذا لا يحسن أن يزيله المسلم، أو يكره له أن يزيله، ما دامت هذه الرائحة مقبولة عند الله ومحبوبة عند الله، فليبقها الصائم ولا يزيلها، وهذا مثل الدماء.. دماء الجراح.. التي يصاب بها الشهيد، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الشهداء: (زملوهم بدمائهم وثيابهم، فإنما يبعثون بها عند الله يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك) ولذلك يبقى الشهيد بدمه وثيابه لا يغسل ولا يزال أثر الدم. قاسوا هذا على ذلك. والصحيح أنه لا يقاس هذا على ذلك، فذلك له مقام خاص، وقد جاء عن بعض الصحابة أنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتسوك ما لا يحصى وهو صائم) فالسواك في الصيام مستحب قبل الصيام وبعد الصيام ... فهو سنة أوصي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب ( [رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما.ورواه البخاري معلقًا مجزوما] . ولم يفرق بين الصوم وغيره.
أما معجون الأسنان، فينبغي التحوط في استعماله بألا يدخل شيء منه إلى الجوف وهذا الذي يدخل إلى الجوف مفطر عند أكثر العلماء، ولذا فالأولى أن يجتنب المسلم ذلك ويؤخره إلى ما بعد الإفطار، ولكن إذا استعمله واحتاط لنفسه وكان حذرًا في ذلك ودخل شيء إلى جوفه فهو معفو عنه والله سبحانه وتعالى يقول: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به، ولكن ما تعمدت قلوبكم) {الأحزاب: 5} والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) والله تعالى أعلم
س: بالنسبة للولد: متى يصوم؟ وكذلك البنت؟ وهل هناك سن محددة شرعًا لذلك؟
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
ج: جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاث: عن الصغير حتى يكبر، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق) [رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم عن عائشة بإسناد صحيح ورواه أحمد وأبو داود والحاكم عن علي وعمر بألفاظ متقاربة ومن طرق عديدة يقوي بعضها بعضًا] ومعنى رفع القلم: امتناع التكليف أي ليسوا مكلفين غير أن الإسلام وهو دين يراعي طبيعة البشر أراد أن يأخذ الأولاد من الصغر بهذه العبادات والطاعات، ليمارسوها ويتدربوا عليها. فجاء في الحديث عن الصلاة: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر ( [رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص] والصيام أيضًا عبادة وفريضة كالصلاة. فالواجب أن يدرب عليها الأولاد، ولكن من أي سن ؟ ليس من الضروري لسبع، لأن الصيام أشق من الصلاة، إنما يرجع الأمر إلى طاقة الصبي. فكلما رأى الوالد أو رأى ولي أمر الطفل أنه يطيق الصيام، ولو أيامًا معينة في كل شهر، فليدربه على ذلك، يدربه على الصيام سنة بعد سنة، سنة يصوم ثلاثة أيام، وأخرى يصوم أسبوعًا والتي بعدها يصوم أسبوعين، والتي بعدها يصوم الشهر كله، فإذا جاء وقت البلوغ، وهو وقت التكليف كان قد زاول ومارس عملية الصيام فلا تشق عليه، فهذه هي التربية الإسلامية أن يؤخذ الصبي من صغره، ومنذ نعومة أظفاره بآداب الإسلام وفرائضه حتى يتعود عليها وقد قال الشاعر:
وينفع الأدب الإحداث في صغر ... ... وليس ينفع عند الشيبة الأدب
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ... ولن تلين إذا قومتها الخشب
فعلى الآباء وعلى أولياء أمور الصبيان والبنات أن يعودوهم ويعودوهن الصيام والصلاة، الصلاة منذ سن السابعة والضرب عليها عند العاشرة والصيام منذ أطاق الصبي ولو بعد السابعة بسنة أو بأكثر عندما يطيق، يأمره الأب بالصيام..
س: هل زكاة الفطر تختلف من عام إلى عام ؟
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
ج: جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاث: عن الصغير حتى يكبر، وعنج:
زكاة الفطر لا تختلف لأنها محدودة بمقدار شرعي، وهذا المقدار هو الصاع والصاع حدده النبي صلى الله عليه وسلم، والحكمة فيما أرى من ذلك ترجع إلى أمرين:
الأمر الأول: أن النقود كانت عزيزة عند العرب، خاصة أهل البوادي منهم، فلو قلت لأحدهم: ادفع كذا درهمًا أو دينارًا، فلن تجد لديه من ذلك شيئًا.. ليس لديه إلا الأطعمة الشائعة كالتمر والزبيب والشعير وغيره مما كان يقتات به العرب يومئذ.
وهذا مما جعل النبي صلى الله عليه سلم يحدد زكاة الفطر بالصاع.
الأمر الثاني: أن النقود تتغير قدرتها الشرائية من وقت لآخر، فأحيانًا نجد الريال منخفض القيمة، وقوته الشرائية متدنية جدًا، وفي أحيان أخرى ترتفع قيمته الشرائية في الأسواق، مما يجعل تحديد الزكاة بالنقود مضطربًا بين الصعود والهبوط، ولا يستقر على حال، ولهذا حددها النبي صلى الله عليه وسلم بمقدار لا يختلف ولا يضطرب وهو الصاع. والصاع هذا يشبع عائلة ليوم طعامًا في الغالب.
وقد حدد النبي عليه الصلاة والسلام الأقوات التي كانت شائعة في عصره، وهي ليست على سبيل الحصر، ولهذا قال العلماء بأن الإخراج من غالب قوت البلد جائز، سواء أكان بُرًا أم أرزًا أم ذرة أم غير ذلك.
والصاع يساوي ربعة وزيادة بمقدار قليل، أي نحو كيلوين من الطعام (2كلغم) أو خمسة أرطال تقريبًا.
ويمكن دفع القيمة، على مذهب أبي حنيفة.
وإن كان موسرًا فالأفضل أن يدفع زيادة على قيمة الصاع، لأن الطعام لم يعد مقصورًا هذه الأيام على الأرز مثلًا، بل لابد أن يكون معه اللحم والمرق والخضر والفاكهة وغير ذلك. والله أعلم
س: إذا أفطرت لعذر بضعة أيام من رمضان، وجاء رمضان آخر ولم أقض ما عليَّ، فما الحكم في ذلك، هل أقضي وأفدي؟ وإذا حدث لدي شك في عدد الأيام التي أفطرتها، فما افعل حتى أزيل هذا الشك وأرضي الله تعالى ؟
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
ج: بعض الأئمة يقولون، بأنه إذا مر رمضان وجاء رمضان آخر ولم يقض ما عليه من أيام أفطرها في رمضان السابق، فعليه القضاء والفدية، هي إطعام مسكين عن كل يوم مدًا من غالب قوت البلد، والمد يساوي تقريبًا نصف كيلو غرام، يزيد قليلا.
هذا في مذهب الشافعية، والحنابلة، عملا بما جاء عن عدد من الصحابة، والأئمة الآخرون لم يوجبوا هذا. على كل حال، فإن حدث معه مثل هذا فعليه القضاء جزمًا، أما الإطعام أو الفدية فإن فعلها فحسن، وإن تركها فلا حرج عليه إن شاء الله، حيث لم يصح شيء في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أما عند الشك في عدد الأيام، فيعمل الإنسان بغالب الظن، أو باليقين.. فلكي يطمئن الإنسان على سلامة دينه وبراءة ذمته، فليصم الأكثر، وله على ذلك مزيد الأجر والثواب
س: هل هناك أيام معينة في شهر شعبان يستحب فيها الصيام ؟
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
ج: شهر شعبان كان من الشهور التي يحرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن يصوم فيها أكثر من غيره من الشهور. روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستكمل صيام شهر قط غير رمضان، على خلاف ما يفعل بعض الناس في بعض البلاد العربية، حيث يصومون ثلاثة أشهر: رجب، شعبان، ورمضان.
والأيام الستة من شوال، التي يسمونها (البيض) يبدأ الصيام عندهم من أول رجب إلى السابع من شوال، ما عدا يوم العيد، الأول من شوال. وهذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن التابعين.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر، وتقول عائشة: كان يصوم حتى نقول: لا يفطر. ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وأحيانًا يصوم الاثنين والخميس، وأحيانًا ثلاثة أيام من كل شهر، وخاصة الأيام البيض القمرية. وأحيانًا يصوم يومًا ويفطر يومًا، كما كان يفعل داود عليه السلام (أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا) .
وكان عليه الصلاة والسلام أكثر ما يصوم في شهر شعبان، وكأن ذلك نوع من التهيؤ والاستعداد لاستقبال رمضان.
أما أن يصوم أيامًا محددة، فلم يرد قط.
وفي الشرع لا يجوز تخصيص يوم معين بالصيام، أو ليلة معينة بالقيام دون سند شرعي.. إن هذا الأمر ليس من حق أحد أيًا كان وإنما هو من حق الشارع فحسب.
تخصيص الأوقات، أو تخصيص الأماكن بالعبادات، وتحديد الصور والكيفيات، هذا من شأن الشارع ومن حقه، وليس من شأن البشر.
الاحتلام والغسل للصائم
إذا احتلمت وأنا نائم في نهار رمضان ، ثم اغتسلت لأتطهر من الجنابة ، فهل هذا الغسل يفطر أم لا ؟
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
كنت أظن السائل يسأل عن الاحتلام: هل يفطر أم لا؟ فقد يشتبه ذلك على بعض الناس . وأبادر فأقول:
إن الاحتلام لا يفطر .. لأنه شيء لا دخل للإنسان فيه ، ولم يقصد إليه ، فهو لا يفطر.. نزول المني في الاحتلام لا يفطر .. وكذلك بالطبع الاستحمام لا يفطر ، فإنه طهارة أمر بها الشارع الحكيم وفرضها على المسلم ، وحتى لو دخل الماء من أذنيه فهو لا يفطر، ولو كان يتمضمض ودخل الماء رغمًا عنه وهو يتمضمض للوضوء أو للغسل ، فهو أيضًا غير مفطر لأنه من الخطأ المعفو عنه، والله تعالى يقول: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به، ولكن ما تعمدت قلوبكم) {الأحزاب: 5} . والرسول يقول: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان) [رواه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر بإسناد صحيح كما قال السيوطي في الأشباه ، ورواه في الكبير عن ابن عباس ورواه الحاكم أيضًا عنه، وقال: صحيح كما رواه الطبراني عن ثوبان وأيضًا . رواه ابن ماجة عن ابن عباس وأبي ذر وهو من أحاديث الأربعين النووية]
س: هل تفطر الحقن التي تؤخذ في الوريد أو العضل، وكذلك الحقن الشرجية واستعمال المرهم أو اللبوس في فتحة الشرج لأجل البواسير أو غيرها ؟
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
ج: لا يجهل أحد معنى الصوم البسيط، وهو الامتناع عن الأكل والشرب ومباشرة النساء، وهي أمور نص عليها القرآن. ولا يجهل أحد كذلك معنى هذه الأمور الممنوعة، فقد كان يفهمها بداة الأعراب في عهد النبوة، ولم يحتاجوا في فهم معنى الأكل أو الشرب إلى حدود وتعريفات منطقية. ولا يجهل أحد كذلك الحكمة الأولى للصيام، وهي إظهار العبودية لله تعالى بترك شهوات الجسد طلبًا لمرضاته سبحانه كما قال في الحديث القدسي (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ( [رواه البخاري] .
وإذا تبين ذلك رأينا أن تعاطي الحقن بأنواعها، واستعمال المراهم ونحوها مما ذكره السائل ليس أكلا ولا شرابًا في لغة ولا عرف، ولا تنافي قصد الشارع من الصيام فهي لذلك لا تفطر. ولا موضع للتشديد في أمر لم يجعل الله فيه من حرج، قال تعالى في آية الصيام (يريد الله بكم اليسر ولا يريد العسر) {البقرة: 185} قال ابن حزم: لا ينقض الصوم حقنة (يعنون بها الحقنة الشرجية إذ الحقن العرقية والجلدية لم تكن عرفت في عهدهم( ولا سعوط"نشوق"ولا تقطير في أذن أو في إحليل أو في أنف ولا استنشاق وإن بلغ الحلقوم، ولا مضمضة دخلت الحلق من غير تعمد، ولا كحل وإن بلغ إلى الحلق نهارًا أو ليلًا، بعقاقير أو غيرها، ولا غبار طحن، أو غربلة دقيق أو حناء أو عطر، أو حنظل، أو أي شئ كان، ولا ذباب دخل الحلق بغلبة ... الخ.
واستدل ابن حزم لما ذهب إليه فقال:"إنما نهانا الله في الصوم عن الأكل والشرب والجماع وتعمد القيء والمعاصي. وما علمنا أكلًا ولا شربًا يكون من دبر أو إحليل أو أذن أو عين أو أنف أو من جرح في البطن أو الرأس. وما نهينا قط عن أن نوصل إلى الجوف بغير الأكل والشرب ما لم يحرم علينا إيصاله".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الكحل والحقنة والتقطير في الإحليل ووصول الدواء إلى الجوف عن طريق جراحة ... الخ.:"الأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك فإن الصيام من دين الإسلام الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه. فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك حديثًا صحيحًا ولا ضعيفًا ولا مسندًا ولا مرسلًا علم أنه لم يذكر شيئًا من ذلك والله أعلم"
س: ما حكم من صام أيامًا من رمضان وأفطر أيامًا أخر متعمدًا ؟ أتحتسب له الأيام التي صامها أم لا تحتسب ؟
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
ج: هذا السؤال من جنس السؤال السابق، وجوابنا عليه أن كل شيء بحسابه. والمسألة ليست في الأيام التي صامها هل تحسب أم لا ؟ بل في الأيام التي أفطرها هل تعوض أم لا ؟ ولا يمكن أن يعوض يوم من رمضان إلا بيوم مثله من رمضان آخر، وكل رمضان يأتي مشغول بواجب الصوم فيه لا محالة. ولذلك قال أبو هريرة رضي الله عنه: (من أفطر يومًا من أيام رمضان لم يعوضه يوم من أيام الدنيا ( [رواه الترمذي واللفظ له، وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة والبيهقي عن أبي هريرة وفي أحد رجاله مقال] . ويروى عنه أن رجلًا أفطر في رمضان فقال أبو هريرة: لا يقبل منه صوم سنة. وعن ابن مسعود: من أفطر يومًا من رمضان من غير رخصة لم يجزه صيام الدهر وإن صامه. ويروى عن أبي بكر وعلي نحو ذلك.. فليتق الله امرؤ مسلم في دينه، وليحرص على صيام رمضان، ولينتصر على شهواته، فمن انهزم أمام بطنه لم ينتصر في ميدان من الميادين
س: هناك من يقول بأن المضمضة أو الاستنشاق في الوضوء يؤثر على صحة صيام الصائم، فما مدى صدق هذا القول ؟
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
ج: المضمضة والاستنشاق في الوضوء، إما سنتان من سننه كما هو مذهب الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي، وإما فرضان من فروضه كما هو مذهب الإمام أحمد الذي اعتبرهما جزءًا من غسل الوجه المأمور به. وسواء كانتا من السنن أم الفرائض، فلا ينبغي تركهما في الوضوء في صيام أو فطر. كل ما على المسلم في حالة الصيام ألا يبالغ فيهما. كما يبالغ في حالة الإفطار فقد جاء في الحديث: (إذا استنشقت فأبلغ ألا أن تكون صائمًا) [أخرجه الشافعي وأحمد والأربعة والبيهقي.] . فإذا تمضمض الصائم أو استنشق وهو يتوضأ، فسبق الماء إلى حلقه من غير تعمد ولا إسراف، فصيامه صحيح، كما لو دخل غبار الطريق، أو غربلة الدقيق، أو طارت ذبابة إلى حلقه، لأن كل هذا من الخطأ المرفوع عن هذه الأمة. وإن خالف في ذلك بعض الأئمة. على أن المضمضة لغير الوضوء أيضًا لا تؤثر على صحة الصيام. ما لم يصل الماء إلى الجوف
بعض المسلمات يواظبن على صلاة التراويح في المسجد، تخرج إحداهن إلى الصلاة بدون إذن زوجها، كما أن بعضهن تسمع أصواتهن متحدثات في المسجد، فما حكم صلاتهن،؟ وهل هي واجبة عليهن ؟
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
صلاة التراويح ليست واجبة على النساء ولا على الرجال، وإنما هي سنة لها منزلتها وثوابها العظيم عند الله. روى الشيخان عن أبي هريرة قال: يأمرهم بعزيمة ثم يقول: )من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه) .
من صلى التراويح بخشوع واطمئنان مؤمنًا محتسبًا، وصلى الصبح في وقتها، فقد قام رمضان واستحق مثوبة القائمين.
وهذا يشمل الرجال والنساء جميعًا. إلا أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها بالمسجد، ما لم يكن وراء ذهابها إلى المسجد فائدة أخرى غير مجرد الصلاة، مثل سماع موعظة دينية، أو درس من دروس العلم، أو سماع القرآن من قاريء خاشع مجيد. فيكون الذهاب إلى المسجد لهذه الغاية أفضل وأولى. وبخاصة أن معظم الرجال في عصرنا لا يفقهون نساءهم في الدين، ولعلهم لو أرادوا لم يجدوا عندهم القدرة على الموعظة والتثقيف، فلم يبق إلا المسجد مصدرًا لذلك فينبغي أن تتاح لها هذه الفرصة، ولا يحال بينها وبين بيوت الله. ولا سيما أن كثيرًا من المسلمات إذا بقين في بيوتهن لا يجدن الرغبة أو العزيمة التي تعينهن على أداء صلاة التراويح منفردات بخلاف ذلك في المسجد والجماعة.
على أن خروج المرأة من بيتها ولو إلى المسجد يجب أن يكون بإذن الزوج، فهو راعي البيت، والمسؤول عن الأسرة، وطاعته واجبة ما لم يأمر بترك فريضة، أو اقتراف معصية فلا سمع له إذن ولا طاعة.
وليس من حق الرجل أن يمنع زوجته من الذهاب إلى المسجد إذا رغبت في ذلك إلا لمانع معتبر. فقد روى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) .
والمانع المعتبر شرعًا: أن يكون الزوج مريضًا مثلًا، وفي حاجة إلى بقائها بجواره تخدمه وتقوم بحاجته. أو يكون لها أطفال صغار يتضررون من تركهم وحدهم في البيت مدة الصلاة وليس معهم من يرعاهم، ونحو ذلك من الموانع والأعذار المعقولة.
وإذا كان الأولاد يحدثون ضجيجًا في المسجد، ويشوشون على المصلين بكثرة بكائهم وصراخهم، فلا ينبغي أن تصطحبهم معها في فترة الصلاة. فإن ذلك وإن جاز في صلوات الفرائض اليومية لقصر مدتها ينبغي أن يمنع في صلاة التراويح لطول مدتها، وعدم صبر الأطفال عن أمهاتهم هذه المدة التي قد تزيد على الساعة.
وأما حديث النساء في المساجد، فشأنه شأن حديث الرجال، ولا يجوز أن يرتفع الصوت به لغير حاجة. وبخاصة الأحاديث في أمور الدنيا، فلم تجعل المساجد لهذا، إنما جعلت للعبادة أو العلم.
فعلى المسلمة الحريصة على دينها أن تلتزم الصمت في بيت الله، حتى لا تشوش على المصلين أو على درس العلم، فإذا احتاجت إلى الكلام، فليكن ذلك بصوت خافت وبقدر الحاجة، ولا تخرج عن الوقار والاحتشام في كلامها ولبسها ومشيتها.