عماد حسين
كانت احتفالات عيد الفطر لها طابع مميز في عهد الدولة الفاطمية، فهو عندهم"الموسم الكبير"، على حد تعبير المقريزي، كما كان يطلق عليه عيد"الحُلل"لتوزيع الكسوات على جميع موظفي الدولة كبيرهم وصغيرهم فتعم الجميع من الخليفة إلى أدنى موظفي القصر.
وقد بدأ الفاطميون احتفالهم الرسمي بهذا العيد منذ قدوم الخليفة المعز لدين الله سنة 362هـ/972م فيذكر ابن زولاق أن المعز ركب في هذا العام لصلاة عيد الفطر إلى المصلى الذي يقع شرقي القصر الكبير ، وقد بناه القائد جوهر لهذا الغرض.
كما يروى في أحداث سنة 380هـ/990م أن الخليفة العزيز خرج في موكب صلاة عيد الفطر في هذا المصلى وقد أقيمت لهذا الغرض مصاطب على الطريق الذي يسلكه الخليفة بين المصلى والقصر، وقد اصطفّى عليها المؤذنون، كما يجلس على كل مصطبة جماعة من أنصار الدولة من الشيعة تخرج بأسمائهم كشوف من قاضي القضاة وداعي الدعاة محمد بن النعمان، فيجلس هؤلاء الاتباع إلى المصاطب حسب ترتيب أسمائهم، ويبدأ التكبير والابتهالات من القصر إلى المصلى بين المؤذنين الذين على المصاطب، والخليفة يخترق هذا الطريق في موكبه الضخم الذي يضم طوائف العسكر في أبهى زينة، وكان يشترك في هذا الموكب الفيلة والزرافات والأسود المزينة بالأجلة والحرير وعليها قباب الذهب.
وكانت الفيلة المشتركة في الموكب عليها الأسرة يجلس فوقها العسكر بكامل زيهم وسلاحهم، والموسيقى المصاحبة للموكب تصدح بأنغام قوية وتحوي بين آلاتها أبواقًا خاصة لا تعزف إلا بمصاحبة الخليفة، وقد انتشرت في كل مكان البنود (أي الإعلام) والمفضضة والتي تحمل عبارات النصر على أسنة الرماح، والناس محتشدون على جانب الطريق للتطلع إلى الخليفة ولمشاهدة ما يحويه الموكب من مظاهر القوة والفخامة. وعند وصول الخليفة إلى المصلى كان يؤم الناس في صلاة العيد طبقًا لرسوم محددة. وفي طريق عودة الخليفة إلى القصر، يحتشد الناس لمشاهدة الألعاب التي يقوم بها طائفة من أهل برقة يطلق عليها"صبيان الخف"تخصصت في الألعاب البهلوانية، وكانت الدولة تخصص لها إقطاعات ومرتبات ورسوم، ويبدو أن الخليفة كان يقف بموكبه لمشاهدة ألعابهم عند باب القصر، فكانوا يمدون حبلين من أعلى باب القصر إلى الأرض وينزل على الحبلين جماعة منهم وهم يركبون خيلا من خشب، ويحملون الرايات ويحمل الراكب فردًا آخر معلقًا بيديه ورجليه، وآخر خلفه!! ويقومون بمجموعة من الألعاب المذهلة. كما يركب جماعة منهم على الخيول ويتقلبون عليها وهي مسرعة، ويخرج الواحد منهم من أسفل الفرس ثم يعود للركوب من الجهة الأخرى، ومنهم من يقف على ظهر الحصان وهو مسرع!!
وكانت هذه الألعاب والاستعراضات تجري أمام الخليفة في عيدي الفطر والأضحى وفي موكب فتح الخليج. وكان من عادة الخلفاء في هذه المناسبة أن يزوروا تربة الزعفران التي تحوي رفات الخلفاء الفاطميين السابقين للترحم عليهم وتوزيع الصدقات.
وكان من أهم مظاهر الاحتفال بعيد الفطر توزيع الحلوى على جميع موظفي الدولة وإقامة الأسمطة الضخمة التي تحوي كل طريف في القصر، وقد أنشئ لهذا الغرض مطبخ لصناعة الحلوى أطلق عليه"دار الفطرة"، وقد أنشئت في عهد الخليفة العزيز بالله وهو أول من بنى"دار الفطرة"وقرر فيها عمل ما يحمل للناس في العيد، ويبدأ العمل في هذه الدار منذ نصف رجب فيخزن داخلها كميات كبيرة من السكر والعسل وقلوب اللوز والجوز والفستق والبندق والدقيق والتمر والزبيب والمواد العطرية، ويستمر العمل استعدادًا لحول عيد الفطر في صنع أصناف الحلوى المختلفة مثل: الرقاق المحشو وبالفستق واللوز (الخشكنانج) وحلى تصنع من الدقيق والملح (البستندود) وكعب الغزال ولقمة القاضي وغيرها، وتخزن هذه الأصناف في مخازن داخل دار الفطرة، وكان الخليفة يحضر نفسه بصحبة الوزير للاطمئنان على سير العمل في النصف الثاني من شهر رمضان، ثم يبدأ من هذا التاريخ توزيع الحلوى على جميع أرباب الرتب في الدولة والموظفين كبيرهم وصغيرهم في صوانٍ تحمل كل صينية اسم صاحبها، ويختلف حجم الصينية وكمية الحلوى حسب مكان كل فرد، ويحمل هذه الحلوى فراشون مخصصون لهذا العمل، وهم في أتم زينة ويرتدون الثياب الفاخرة.
وكان يقام في القصر سماطان (أي مائدتان) بمناسبة عيد الفطر، السماط الأول: يباح للناس ولعامة موظفي القصر من أرباب الوظائف الصغيرة، كان يبدأ في إعداد هذا السماط من ليلة العيد في الإيوان الكبير المطل على الشباك الذي ينظر منه الخليفة، ويحتشد السماط بأصناف الأطعمة والحلوى والتي صنعت في دار الفطرة، فإذا صلى الخليفة صلاة الفجر جلس في الشباك المطل على الإيوان وحضر إليه الوزير وأمر أن يسمح للناس بالطعام، فيقبل الجميع على السماط فيأكلون كفايتهم ويسمح لهم ما يستطيعون حمله حتى أن بعضهم كان يبيع من هذه الحلوى ما لا حاجة له بها.
أما السماط الثاني: فكان يقام في قاعة الذهب بالقصر بعد عودة الخليفة من صلاة العيد الفطر، فتوضع أمام سرير الملك الخاص بالخليفة مائدة ضخمة من الفضة تسمى"المدورة"عليها من الأطعمة في أوانٍ من الذهب والفضة والخزف الصيني، وهي خاصة بالخليفة فلا تحوي من الأطعمة إلا الخاص الفائحة الطيب من غير خضروات سوى الدجاج الفائق المسمن المعمول بالأمزجة الطيبة ،ونُصب على رأس السماط قصران كبيران من الحلوى قد صنعا لهذا المناسبة في دار الفطرة مدهونان بأوراق الذهب وبهما تماثيل من سكر في غاية الدقة في صناعاتها كأنها مسبوكة في قوالب، وكان هذا السماط مخصصا لكبار رجال الدولة والأمراء. ويعم أهل القاهرة والفسطاط من هذه المائدة طعام وفير وتستمر المائدة إلى قرب الظهر، وخلال الطعام يقرأ القراء ويكبر المؤذنون وينشد المنشدون ويتبارى الشعراء في إلقاء قصائدهم في هذه المناسبة، ويتقدم كبار رجال الدولة من الشيوخ والقضاة والشهود والأمراء والكتاب والفقهاء ورجال العلم وأعيان القاهرة والفسطاط للسلام على الخليفة كما يتقدم للسلام أيضا زعماء اليهود برئيسهم، والنصارى ببطريقهم ويوزع على الجميع خلال ذلك الحلل والهبات حسب العادة المتبعة.
وبمغادرة الخليفة لمجلسه ينتهي السماط ثم يتبعه الوزير وباقي الحاضرين، وكان الوزير يقيم سماطًا آخر مختصرًا في دار الوزارة لأهله وحاشيته.
وكان عيد الفطر من المناسبات التي ترسل فيها المكاتبات المعطرة إلى أنحاء الدولة الفاطمية، والأقطار الخاضعة لها لتصف عظمة موكب الخليفة وعودته سالمًا إلى قصره وانتهاء الاحتفالات بسلام
ــــــــــــــــــــ