أذكر أول مرة قمت فيها الليل، كان ذلك في الليلة الخامسة والعشرين من رمضان منذ 4 سنين، كان عمري حينها أحد عشر عامًا.. يومها أخذني والدي معه إلى المسجد، كانت الساعة تقترب من الواحدة والنصف صباحًا.. وكنت قد استعددت جيدًا لهذا السهر، فأخذت قسطًا جيدًا من النوم بعد صلاة العشاء، حتى أستطيع أن أؤدي هذا العمل العظيم بهمة ونشاط.
ولا أنسى أبدًا هذا اليوم ما حييت، فلا زال عالقًا في ذهني مشهد دخولي المسجد من الداخل، حيث بهرت وقتها بالأضواء، ولا أدري لماذا، فهذه الأضواء أراها كل يوم في صلاتي المغرب والعشاء، ولكن لا أدري لماذا بهرتني الأضواء هذه المرة، هل لأن المنطقة كلها مظلمة ودخلت على المسجد المنار، فكانت المقارنة بين الظلمة والنور؟ أم هل لأنني لم أتوقع أن أجد هذا النور ونحن في جوف الليل؟ لا أدري.. كل الذي أدري أنني لن أنسى هذا المشهد ما حييت.
ومما لفت انتباهي أيضًا هذا الكم الكبير من المصلين، فقد توقعت أن يكون العدد قليلًا نظرًا لتأخر الوقت، ولكني على العكس من ذلك وجدت المسجد ممتلئًا بالمصلين، وسرني أن أرى عددًا لا بأس به من المصلين الصغار مثلي جاءوا مع ذويهم لينالوا الثواب والأجر، وكان المشهد يهز القلوب، ويستحوذ على المشاعر، فجلال القرآن وجماله له هيبة ووزن وتأثير، والصوت النديّ للإمام يزيده تأثيرًا وتملكًا من القلب، لذلك أوصانا رسولنا صلى الله عليه وسلم أن نحسن أصواتنا في القراءة، وأخبر أبي بن كعب رضي الله عنه بأنه أوتي مزمارًا من مزامير داود، نظرًا لجمال صوته، وحسن قراءته للقرآن.
فتهيأت نفسيًا للخشوع قبل أن أدخل الصلاة، ولما دخلت في الصلاة عشت مع جلال القرآن، أفكر في كل كلمة فيه، أحاول فهمها وتدبر معناها، أسبِّح الله سبحانه عندما يرد ذكره، أو ذكر شيء من نعمه وآياته، أدعو بدخول الجنة إذا قرأ الإمام عنها، وأتعوذ من النار حين ذكرها، حتى إذا ركع الإمام ركعت، وأخذت أسبح الله طويلًا، وفعلت مثل ذلك في السجود، حيث أكثرت من الدعاء لله تعالى لي ولوالدي ولأهلي ولإخوتي وللمسلمين في كل مكان.. دعوت الله أن يرحمني، وأن يتقبلني عنده في عباده الصالحين، ودعوت لوالديَّ اللذين ربياني صغيرًا واعتنيا بي، ودعوت لإخوتي وأصحابي بالهداية والتوفيق والنجاح، ودعوت للمسلمين في كل مكان بأن ينصرهم الله، ويرفع عنهم بأس عدوهم، وأن يهديهم إلى فهم الإسلام والعمل به.
والغريب والجميل في آن واحد أنني لم أشعر بالتعب، رغم أن الركعتين قد استغرقتا حوالي نصف الساعة، وما ذلك إلا لعون الله لي أولًا، ثم لخشوعي مع الإمام في الصلاة، مما أنساني تعب الجسم في ظل سعادة القلب.
وهكذا أكملت صلاة الركعات الثماني، ثم صليت الشفع والوتر، وعدت مع والدي إلى البيت، وأنا أشعر أني إنسان جديد، إنسان ذو همة عالية، وقلب رقيق، وأخلاق حسنة، نعم يا إخوتي.. هذا ما فعلته صلاة قيام الليل فيَّ، فقد علمتني كيف أكون حسن الصلة بالله، وفهمتني فضل أهلي عليَّ، وحثتني على أن أكون تقيًا حسن الخلق مع الناس جميعًا.
ولذلك طلبت من والدي أن يأخذني معه كل يوم، ولكنه أشفق عليَّ، وذكرني بأن عليَّ الذهاب للمدرسة كل يوم في الصباح الباكر، ولذلك فهو سيأخذني هذا العام أربع مرات فقط، على وعد منه أن يزيد عدد المرات في رمضان التالي، وقد كان، ثم زيارة أخرى في رمضان الذي يليه، وهكذا، حتى أصبحت أصلي القيام كل ليالي العشر الأواخر من رمضان.
وهذه الصورة"صورة أول قيام ليل"لا زالت عالقة في ذهني واضحة تمامًا رغم مرور أربع سنوات عليها، صليت خلالها الكثير من الليالي بفضل الله تعالى ولكنها تبقى هي الأجمل، لأنها الأولى
ــــــــــــــــــــ