فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 248

أجرى الحوار: عبير صلاح الدين

الحديث عن رمضان وذكرياته الجميلة لا ينتهي .. لكن عندما يكون الحديث عن رمضان الدكتور يحيى الرخاوي أستاذ الطب النفسي بكلية طب قصر العيني جامعة القاهرة .. يكون الحديث أكثر عمقًا وأوسع أبعادًا .

حاولنا استعادة ذكريات رمضان مع الدكتور الرخاوي الذي بدأ حديثه معنا قائلًا .. في البداية كل عام وأنتم طيبون .. ثانيًا: لي تحفظات كثيرة على طريقتنا في استقبال شهر رمضان، خاصة الأطباء الذين يقولون: إن للصيام فوائد جسمية و .. و..، ما أعرفه أن رمضان صوم .. عبادة مثل الصلاة والزكاة والحج، وليس موضة ولا تمرينات صحية وغيرها .. نحن لا نرشي الناس حتى يصوموا ويتعبدوا الله، المسلم عليه أن يؤدي عباداته والفائدة يجب أن تكون أساسًا .. طاعة الله . هذا من حيث المبدأ، ولهذا أنا لا أحبذ فكرة تغيير مواعيد العمل في شهر رمضان، بل يجب أن تبقى مواعيد العمل كما هي من الثامنة صباحًا وحتى الثانية ظهرًا .. فالصيام ليس معناه زيادة عدد ساعات النوم نهارًا بل قضاء نفس الوقت ونحن محرومون من الطعام والشراب، حتى نصفي أرواحنا ونشعر ببعضنا البعض ونقوي علاقتنا بالله سبحانه وتعالى .

** وما هي الذكريات التي يمكن أن تذكرها لنا عن رمضان في طفولتك ؟

* بدأت الصيام وعندي سبع أو ثماني سنوات، وكانت أيام الصيام طويلة جدًّا لأننا كنا وقتها في الصيف، وكان أهم ما نحرص عليه هو تناول السحور مع الكبار فقد كنا نرى أن ما يتناولونه بالليل بالتأكيد أفضل مما نأكله كأطفال في الصباح، وكنت أصر على أن توقظني أمي لأتناول معهم السحور، وفي الصباح وأثناء النهار كانت أمي ترأف بحالي قائلة:"صم صومة القلاحة ( حطب الذرة ) من الصبح للضحى"لتجعلني أفطر بعد الظهر، وأحيانًا كانت تضحك عليّ قائلة:"صم صومة المخدة (الوسادة) كل ما تجوع تتغدى"حتى تجعلني أفطر ولا أواصل الصيام في هذه السن الصغيرة، وكأن كل ما حولنا يصوم معنا ولكن لكلٍ وقتٌ محدد للإفطار، ومع هذا كنت أحيانًا أكمل الصوم وأتفاخر بهذا، وقبل أذان المغرب بوقت قليل كان يطيب لنا كأطفال اللعب بالكرة أمام البيت حتى يصيبنا الظمأ فنتظاهر بأننا نتوضأ استعدادًا لصلاة المغرب حتى ندخل الماء إلى أفواهنا وربما حلوقنا ونقول هذه لا تفطر ..

وفي بلدتنا أيضًا كان هناك ما يسمى بالسهرات من بعد صلاة العشاء والتراويح حتى السحور والمقصود بالسهر هو تأجير مقرئ للقرآن أو اثنين يظل يقرأ طيلة الليل طيلة شهر رمضان عند رئيس العائلة، بحيث تكون هناك حوالي خمس أو ست سهرات يوميًا عند أكبر عائلات البلدة ويسهر الناس مع المقرئ ويتناولون الشاي والحلبة والخشاف وغيرها ويتبادلون الحديث بين الربع والربع، أي بعد أن ينتهي المقرئ من قراءة ربع حزب من أحزاب القرآن ويستعد لقراءة الحزب التالي، والشباب يطوفون بين هذه السهرات جميعها .

أما ذكريات"التوحيش"التي تكون في السبعة أيام الأخيرة من شهر رمضان، فقد كان الأطفال يبكون مع المسحراتي ( الذي يتولى إيقاظ من ناموا ليتناولوا السحور ) مرددين لا أوحش الله منك يا شهر الصيام . ويشعر الناس بقرب فراق هذا الشهر الكريم حتى يأتي يوم وقفة عيد الفطر وآخر ليلة في شهر رمضان يصعد الأطفال إلى أسطح المنازل ممسكين بعود من الحديد مع ملعقة ويظلون يضربون بالملعقة على العود مرددين .. يا بركة رمضان حطي في كل مكان، يا بركة ربنا حطي عندنا .. وكأنها سيمفونية تسري في كل مكان من البلدة.

** وماذا عن ذكريات الأسرة في رمضان ؟

* من أجمل ذكريات رمضان ما كان يقوم به والدي مدرس اللغة العربية الذي كان يعلمنا اللغة العربية والدين من خلال قراءة القرآن وحفظه رغم أننا كنا في مدارس مدنية وليست أزهرية، لكننا أنا وإخوتي كنا نجتهد في حفظ القرآن، وكنت أنا أصغر إخوتي حيث كان والدي يجلسنا بجانبه في رمضان من بعد العشاء إلى قبل السحور وكل واحد يقرأ ربع حزب ومن يخطئ يضع"مليمًا" ( عملة صغيرة ) في صندوق صغير وإذا أخطأ هو يضع قرشًا في الصندوق، وكان يتعمد أحيانًا هفوة بسيطة حتى يضع نقودًا في الصندوق، حتى إذا جاء آخر الشهر يقسم علينا ما تجمع في الصندوق من نقود، ولا يأخذ هو شيئًا منها، ومن خلال هذا كنا نختم المصحف خمس أو ست مرات طيلة شهر رمضان، فينطلق لساننا وتتعمق معرفتنا بالقرآن، وكان أحيانًا يأتي لنا بمحفظ يحفظنا القرآن، أتذكر أن اسمه الشيخ عبد الرحيم وكان كفيف البصر، لكن يبقى أفضل شيء في تجربة والدي معنا أنه لم يكن يفسر لنا القرآن، فمن يقوم بتفسير القرآن يكون وصيًا على كلام الله بطريقة يوفق فيها أحيانًا، وكثيرا ما يختزل كلام الله إلى ما يتصوره هو عن كلام الله، ولذا فأهم شيء في قراءة القرآن خاصة للأطفال أن يقرأ كما هو بنغماته وصوره وإيقاعاته وتداخلاته وروحه، بالنبض والرنين، فكل هذا يصل دفعة واحدة إلى خلايا المخ أو جميع خلايا الإنسان، أما أن نختزل آية من القرآن ونضع لها تفسيرًا يصبح اختزالًا غير مفيد، صحيح أن التفسير علم له أصوله، لكن القرآن نفسه جوهر يصل إلى الناس كما هو وعلينا أن نحترم ذلك وننميه، حتى نصل إلى الوظيفة الكلية العميقة في تحريك الوعي .

** كيف ترى استقبال الأسرة العربية لشهر رمضان الآن ؟

* رمضان كان عبارة عن علاقات وزيارات وتواصل وجهًا لوجه بين العائلات والأقارب، أما الآن فما يحدث أننا نجتمع في المكان ولا نجتمع في العواطف أو الحوارات، نظل مشدوهين أمام التليفزيون، نفتح أفواهنا لتناول الحلوى المرصوصة أمامنا حتى ونحن نشعر بالشبع، نشاهد أشياء سخيفة أو لطيفة .. صحيح أن التليفزيون يجمع العائلة بعد الإفطار، لكنه في نفس الوقت يفرقهم في العواطف ولا يعطيهم الوقت لأي تواصل مع بعضهم البعض .

لا أريد أن أبقى طيلة الوقت أقول أن الماضي كان أفضل من الحاضر، لأنه قد يكون في الحاضر مباهج يعرفها الجيل الحالي ولا أعرفها أنا الذي يقترب عمري من السادسة والستين، فالماضي كانت فيه أشياء مفيدة وجيدة مختلفة عن الأشياء الجيدة والمفيدة الموجودة الآن، ولكن بالنسبة لرمضان وقراءة القرآن لا أرى أن لأحفادي نفس الاستعداد للبقاء حولي لقراءة القرآن قبل المغرب كما كان يفعل معنا والدي، ومع هذا فمازال رمضان وسيبقى يجمع أفراد الأسرة والأصدقاء حول مائدة الإفطار، حتى غير المسلمين، فأصدقائي المسيحيون يحرصون على دعوتي على الإفطار عندهم في بيوتهم، وكذلك يفطرون معي في بيتي، وكذلك إذا أردت أن أداعب أحد أصدقائي مداعبة ثقيلة أذهب لزيارته قبل الإفطار بدقائق، ووقتها لن أجد حرجًا في الزيارة لأنني سآكل مما قد أعدوه بالفعل، وهذه الألفة وذلك التجمع لن نجده في غير شهر رمضان .

** كيف يصبح شهر رمضان فرصة لاكتشاف الإنسان لذاته؟

* رمضان فيه ميزة عظيمة جدًّا وهي كسر الرتابة، فطيلة أحد عشر شهرًا نقوم بأشياء ثابتة طيلة الوقت ونتصور أننا لا نستطيع أن نكف عنها، وعندما يأتي رمضان يكسر هذه القواعد فنمارس العمل دون أن نتناول شاي الصباح أو فنجان القهوة أو وجبة الإفطار وكذلك لا نتناول الغداء في الوقت الذي تعودنا فيه على ذلك وتتغير مواعيد النوم والاستيقاظ، وندهش لذلك ونبدأ في التفكير في بقية ما نفعله في حياتنا، فقد يكون ما نفعله طيلة الوقت خطأ، أو أن ما تعودنا عليه في حاجة إلى مراجعة، وهنا تكون القدرة على إعادة النظر في تحمل ما لم نكن نتصور أننا سنتحمله .. ويبدأ الإنسان فتح صفحة جديدة في كل المجالات .. يحدث لي هذا، ويؤكد لي مرضاي أنهم يشعرون بتلك اللحظات وكذلك أولادي، وعمومًا من لديه استعداد للتغيير يتغير في طريقة تفكيره، وفهمه للحياة وفي علاقته بالموت وعلاقته بأسرته، وفي علاقته بالله سبحانه وتعالى.

** كيف ترى الأسرة العربية الآن؟

* أراها كمن يقف وسط السلم، فلا هي وصلت إلى مرحلة الالتزام ولا هي وصلت إلى مرحلة الحرية والاستقلال الذي نشاهده في الأسرة في الغرب التي نرى فيها المليونير يأمر ابنه بالخروج من منزله ليكتشف طريقه ويتدبر أمره بمفرده عندما يصل إلى السادسة عشرة، بينما نحن نظل نرعى أبناءنا حتى سن الأربعين، أي أن الأسرة العربية لا هي أخذت النمط الغربي بما له وما عليه، ولا هي محافظة على النمط العربي القديم في الرعاية والتواصل بما له وما عليه ..

** ربما تكون فترة انتقالية ؟

*أشك، لأننا قد توقفنا طويلًا عند هذه المرحلة بما يعني أنها وقفة تبريرية .

** وماذا عن القرن الجديد ؟

* لقد بالغنا كثيرًا في موضوع القرن والألفية، عام 2000 لن يختلف كثيرًا عن اليوم، المتخلف سيزداد تخلفًا والمتقدم سيزداد تقدمًا، ولا داعي أن نضحك على أنفسنا، ومع هذا أنا متفائل رغم كل المصائب التي تحيط بنا، لأنني أظن أن الأغنياء عندما سيزدادون غنى إما أنهم سيشبعون غنى أو يصبحوا تعساء في غناهم، فتظهر قيم جديدة تنبههم إلى العدل، فالغني لن يشعر بالسعادة إلا عندما تخدم هذه النقود بقية الناس، وإلا فسيموت بمفرده على القمة من البرد والوحدة، فمن خلال حرمان الفقير وتعاسة الغني يظهر قانون جديد وعقد اجتماعي جديد يصلح عيوب هذه العلاقة ولهذا أنا متفائل

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت