فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 248

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ , ونستغفرهُ , ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا , ومن سيِّئاتِ أعمالِنا , منْ يُهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ , ومنْ يضلل فلا هاديَ له .

وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدهُ ورسوله . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) ) (النساء:1) . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) ) (الأحزاب:7071) .

أما بعد: فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله , وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ ? وشرَّ الأمورِ مُحدثاتُها , وكلَّ محدثةٍ بدعة , وكلَّ بدعةٍ ضلالة , وكلَّ ضلالةٍ في النار .

أما بعدُ أيها المسلمون:

ففي يومنا هذا نسعد بحلول شهرنا العظيم, شهر الصيام, والقيام وقراءة القرآن, وحب المساكين وبحلول هذا الشهر الكريم تخطر في بالك تلك الآية المحكمة التي فرض الله تعالى من خلالها الصيام بقوله: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ) (البقرة:183 ) .

فإنْ كان الصيام مفروضًا على من سبقنا من الأمم فإنه من الطبيعي جدًا أنْ يُفرض على هذه الأمة خاصةً, وهي الأمة التي فُرضَ عليها الجهاد في سبيل الله لتقرير منهجه في الأرض, وللقوامة على البشرية, وللشهادة على الناس .

فالصوم هو مجال تقرير الإرادة الجازمة, ومجال اتصال الإنسان بربه ومولاه اتصال طاعة وانقياد, كما أنه مجال الاستعلاء على ضرورات الجسد كلها, واحتمال ضغطها وثقلها إيثارًا لما عند الله من الرضى والمتاع, وهذه كلها عناصرٌ لازمة في إعداد النفوس لاحتمال مشقات الطريق المفروش بالعقبات, والأشواك, والذي تتناثر مع جوانبه الرغبات والشهوات والذي تهتف لسالكيه آلاف المغريات والمثبطات, ومن خلال الآية الكريمة قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ) (البقرة:183) . يلحظ اللبيب الفطن المتدبر لكتاب الله يلحظ الغاية التي من أجلها شرع الصوم ألا وهي تحقيق ثمرته وجني علته تلك التي أشار إليها القرآن بقوله: (( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ).

فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب, وتحيى بها الضمائر, وتسعد بها النفوس, وهي تؤدي هذه الفريضة العظيمة طاعة لله, وإيثارًا لرضاه , والتقوى هي: التي تحرس القلوب وتحفظ النفوس من مظلات الفتن, ووساوس الشياطين , والمخاطبون بهذا القرآن يدركون مقام التقوى عند الله, ووزنها في ميز انه سبحانه, فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم, وتشتاقها نفوسهم, وهذا الصوم أداة من أدواتها وطريق موصل إليها فإن لم يثمر الصوم خشيةً في القلوب, وإرهافًا في الشعور وتخل عن الذنوب, وندمًا على الأعمار المهدرة والسنين المبعثرة إنْ لم يثمر الصوم هذا كله أو جله فهو مضيعة للوقت, وتبديد للجهد فيما لا فائدة فيه وإنْ لم يثمر الصوم عزمًا صادقًا, ويقينًا واثقًا على التوبة النصوح, والاستقامة على الهدى, والعزيمة على التقى, فليس لله حاجه بأنْ يدعَ الصائمُ طعامه وشرابه .

أيها المسلمون: لقد أساء الكثيرون فهم الإسلام, واتخذوا أجل عبادته وأعظم شعائره اتخذوها عبادات جوفاء لا روح فيها, ولا تأثير لها, بل إنها أقرب للعادات منها للعبادات, وإلا فما معنى أنْ يتحول أعظم شهور هم وأنفس أوقاتهم شهر الصيام والقيام, شهر بدرٍ, وفتح مكة, ما معنى أنْ يتحول ذلك الشهر العظيم إلى شهر الأسواق المزدحمة ؟ والشوارع المكتظة, والموائد الممتدة بألوان الإسراف والتبذير, وما معنى أنْ يتحول أعظم الشهور وأقدس الدهور إلى شهر لعرض الفتنة ؟ وإثارة الغرائز, وتدمير الأخلاق, لقد نتج عن سوء فهم الإسلام, وسوء فهم شعائره ومقاصده ومراميه, ما تعانيه الأمة كلها من الذل والهوان, وتسلط الأعداء يسومونها سوء العذاب , ويسفكون دمائها, ويستبيحون ويدنسون عقائدها, ويعبثون بأخلاقها, وقيمها, بل إنهم ليمارسون وصاية ذليلة على شعوبها, ويرسمون للأمة سياساتها, ويوجهون زمام الأمور فيها وصدق فينا قول القائل:

ويُقضى الأمرُ حين تغيبُ تيمٌ ولا يستأمرون وهم شهودُ

لقد آن الأوان أنْ تستيقظ الأمة من رقدتها , وتتخلص من غفلتها وتراجع دينها مبعث قوتها, وسر نهضتها, ومصدر عزيمتها: (( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) ) (الحديد:16) .

ألم يأن لشباب الأمة أن يصطلحوا مع ربهم, ويعودوا إلى رشدهم, ويعوا حقيقة دورهم, ألم يأن لشباب الأمة أن يدركوا ما يُخطط لهم, وما يراد بهم, من أولئك يعبثون بعقائدهم, ويسخرون من قيمهم وأخلاقهم, ويضيعون زهرة شبابهم في الفن والرياضة, وبذل الولاءت لها, ألم يأن لشباب الأمة أن يثأروا لإسلامهم الجريح, وعقيدتهم الممتهنة, وكرامتهم المهدرة, ألم يأن للآباء والشيوخ أنْ يغتنموا بقية أعمارهم, ونهاية آمالهم, فيلتمسوا رضى ربهم وعفو بارئهم في ساعات السحر, وانتظار الصلاة بعد الصلاة, وإصلاح البيوت, وتفقد الأسر, وتعاهد الأبناء بالنصح والرعاية والتوجيه, ألم يأن للذين آمنوا أنْ تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق, أجيبوا بربكم أجيبوا ألم يأن لنا أنْ نستغل مناسبة كهذه نثب فيها إلى رشدنا, ونصلح ما بيننا وبين ربنا, ونعاهده سبحانه في هذا المكان الطيب المبارك, وفي هذا اليوم الفضيل خير يوم طلعت فيه الشمس في هذا الشهر الكريم, شهر القرآن, وليلة القدر نعاهده سبحانه على التوبة من كل ذنب, والندم على كل خطيئة, والعزيمة على الرشد والاستقامة: (( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) ) (الزمر:5361) .

هذا كلام ربنا فهل نفقه ما يقول سبحانه ؟ وهل نقبل نصحه جل جلاله ؟ أم نظل فريسة للشيطان, يتلاعب بنا كيف يشاء, ويسخر من عواطفنا, ويوهن عزائمنا, ويقوض إرادتنا, إلى متى نظل أسرى لشهواتنا, وضحايا لرغباتنا ونتناسى هادم اللذات, ومفرق الجماعات, ومضيق الصدور, ومدخل القبور.

أيها المسلمون: هذا رمضان حل بكم أيامًا معدودات, وسيرحل قريبًا أو عنه ترحلون, فأين المسارعون للخيرات, والمبادرون بالصدقات أين الراحمون للضعفاء ؟ القاصدون للفقراء ؟ أين الواصلون للقربات, المكثرون من القربات ؟ أين العافون عن الحرام ؟ الزاهدون في الآثام ؟ أين الهاجرون للموبقات ؟ التاركون للمحرمات؟ أين العلماء العاملون ؟ والدعاة المخلصون ؟ هذا شهرهم وهذا أوانهم (( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإنْسَانَ كَفُورٌ ) ) (الشورى:48)

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين . أمَّا بعدُ:

أيها المسلمون: فهذه بعض أحكام الصيام أسوقها للتذكير بها, وامتثالا لقوله تعالى: (( لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ ) ) (آل عمران:187) .

فمن أحكام الصيام وجوب تبييت النية من الليل, وتكفي نية واحدة لصيام الشهر كله على الصحيح من قولي العلماء, ومن أحكام الصيام سقوطه عن المريض فإن كان مرضه ملازمًا له لا يرجى زواله فيطعم عن كل يوم مسكينًا, ومثله الكبير الهرم العاجز عن الصوم, وأمَّا إنْ كان المرض يرجى زواله, والشفاء منه فيلزم القضاء من غير إطعام, ومما يجب معرفته أنَّ المرض إنْ لم يكن شاقًا أو ضارًا بالمريض فلا يجوز له الفطر بتاتًا, وأما المسافر فيجوز له الفطر حتى وإن لم يشق عليه الصوم, أما الذين يتحايلون بالسفر من أجل الفطر على الطريق لقطعهم في الأسفار ففطرهم حرام لا يجوز, وأما مفسداتُ الصوم فسبعة:

الأول: الجماعُ في نهار رمضان: فمن جامع امرأته بطل صومه ولزمته الكفارة المغلظة, وهي عتق رقبة, فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين, فإن لم يستطع, فإطعام ستين مسكينًا .

والثاني: من مفسدات الصوم: إنزال المني بمباشرة أو نحوهما .

والثالث: الأكل والشرب: سواءً عن طريق الفم, أو الأنف بطريقة طبيعية, أو صناعية .

الرابع: ما كان بمعنى الأكل والشرب: كالإبر المغذية, وأما غير المغذية فلا تفطر .

الخامس: التقيؤ عمدًا: فإن لم يتعمده صح صومه ولا شيء عليه .

السادس: خروج دم الحيض والنفاس: ولو قبل المغرب بيسير .

السابع: إخراج الدم بالحجامة: أو ما يشابهها, كالعضد ونحوه .

وهذه المفطرات كلها لا تفطر الصائم إلا بثلاثة شروط:

الأول: أن يكون عالمًا بالحكم , وعالمًا بالوقت غير جاهل .

الثاني: أن يكون ذاكرًا غير ناسٍ .

الثالث: أن يكون مختارًا غير مكره .

اللهمَّ إنَّا نسألُك إيمانًا يُباشرُ قلوبنا، ويقينًا صادقًا، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،

اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين، يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين.

وأرض اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي .

اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون .

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت