فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 248

بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه , ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا , ومن سيِّئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له , ومن يضلل فلا هادي له .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله

? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ? ]آل عمران:102[ .

? يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ? ]النساء:1[ .

? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ? يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ? ]الأحزاب:7071[ .

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتابُ الله , وخير الهدي هدي محمد ? وشرَّ الأمور محدثاتها , وكلَّ محدثة بدعة , وكلَّ بدعةٍ ضلالة , وكلَّ ضلالةٍ في النار .

أما بعد ، أيها المسلمون:

فقد أظلَّكم شهرٌ عظيم , ومَوسمٌ كريم , تُضاعفُ فيه الدرجات , وتُقالُ فيه العثرات , شهرُ الاستعلاء , على ضروراتِ الجسدِ كلِّها , واحتمالِ ضغطِها وثقلِها , إيثارًا لما عند اللهِ من الأجرِ والنعيمِ المقيم , وفي هذا الشهرِ العظيم نتذكرُ قولَ ربِّنا جل جلاله وهو يبينُ الغايةَ العظمى , التي من أجلها شُرع الصيامُ وفُرض , ألا وهي تحقيقُ التقوى في القلوب , وعمارتُها بالخشيةِ واليقينِ الثابت , وتعويدُ النفسِ على الصبرِ ومكابدةُ المشاق , والإحساسِ بمعاناةِ الآخرين , وأنَّها إنْ استطاعت أن تؤمنَّ لذَّاتِها ومطعوماتِها طِوالَ العام , فإنَّ ثمةَ أنفسًا كثيرة , تكابدُ الجوعَ والعطشَ العامَ كلَّه ,!

? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ? ]البقرة:183[ , فالصوم أيها المسلمون لم يُشرعْ عبثًا , ولم يفرضْ سفهًا , حاشا وكلا , وليستْ القضية , قضيةُ تركٍ للطعامِ أو زهدٍ في الشراب , القضيةُ أكبرُ من ذلك بكثير يا مسلمون ,

فما فُرضَ الصيامُ يومَ فُرض , إلاَّ لكي يعلمَ المسلم أنَّ هناك ربًا , يُشرِّعُ الصومَ متى شاء , ويبيحُ الفطرَ متى شاء , وليعلمَ كذلك أن هناك ربًا يعدُ ويَتوعد , يُعطي ويَمنع , ويَخفض ويَرفع , ويَضر ويَنفع , ألا إلى الله تصيُر الأمور ,! وليعلمَ علمَ يقيٍن لا يعتريه شكٌ , أنَّ هناكَ موتًا وقبرًا , وأنَّ هناك بعثًا وحشرًا , وأنَّ هناك جنةً ونارًا , ونعيمًا وجحيمًا , فإذا استشعر الصائمُ هذه المعانيَ العظيمة , فتغلغلتْ في روحه , وجرتْ في دمه , أيقنَ بضرورةِ إصلاحِ أوضاعه , والتخلي عن كبريائه , وجرأته على انتهاكِ محارمِ الله , وسارعَ إلى الالتزامِ بشرعِ الله , وانطلقَ ينشدُ التقوى بأي ثمن , وحملِ النفس على تلمسِ رضا مولاه جلَّ جلالهُ وتقدستْ أسماؤهُ .

أيها المسلمون: وفي رمضان نتذكرُ قوله تعالى ? شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ? ]البقرة: 185[, نتذكرُ هذه الآيةَ الكريمة , فنتذكرُ معها ذلكَ الحدثَ الباهر , , الذي اهتزَ له الخافقان , وغيَّرَ مسارَ التاريخ وصاغَ الحياةَ البشرية بشكلٍ جديد ,

فقد كانَ نزولُ القرآنِ , إيذانًا بنشأةِ أمةٍ جديدة , هي تاجُ الأممِ قاطبةً , أمةٌ أنجبت رجالًا ولا كلُ الرجال , أدهشوا الدنيا بعلومِهم وجهادِهم وفتوحاتِهم , وبهروا العقولَ والنفوس , بصنائعِهم ومنجزاتِهم ,

به فتحوا القلوب , ومصَّروا الأمصار , ودكَّوا العروش , وقهروا الطغاة وأدبّوا البغاة , , ذلك القرآن , الذي أصبحَ اليوم يقرأُ في السنةِ مرةً واحدة ,, واكتفوا بتذهيبِ وريقاته , وصقلِ صفحاتِه , ثم ركنوه في الأدراج , ومسحوا عنه الغبار , بين الفينة والأخرى , باعتبارهِ كتابًا مقدسًا والسلام ,, أمَّا أنْ يُتخذُ القرآنُ تشريعًا للأمة , ومنهجَ حياةٍ لها , فذلك أمرٌ مستحيلٌ مستحيل ,! إذ أنَّ هناك كتابًا آخر يُسمونه الدستور , ويُضفونَ عليه قداسةً وهيبة فيركعونَ له ويسجدون , ويوالون ويعادون , ويغضبون ويرضون , فويلٌ لهم مما كتبتْ أيديِهم وويلٌ لهم ممَّا يكسبون ,!

وفي رمضان ، نتذكرُ جملةً من أخبارِ رسولنا الحبيب صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه الذي ما تركَ شاردةً ولا واردة ولا طائرًا يطيرُ بجناحيه , إلاَّ أنبأنا شيئًا من نبأهِ ، وأخبرنا شيئًا من خبرهِ ، يخبرنا نبيُنا صلى الله عليه وسلم عن تصفيدِ مردةِ الشياطين في رمضان فلا يصلونَ إلى ما كانوا يصلونه في غيرِ رمضان ، لكنْ من يصفدُ لنا مردةَ شياطينِ الإنس الذين لا يرعونَ في رمضانَ ولا غيرهِ ؟! فمناسبةِ رمضان يحيّ (الفنان الكبير !) فلان حفلةً غنائيةً في مسرحِ كذا وكذا .

وبمناسبة رمضان تُقيم فرقةُ الأبالسة بقيادةِ الشيطان الكبير فلان مسرحيتها الماجنةِ ابتداءً من الواحدةِ صباحًا كلِّ ليلة , فالعجل العجل .. الأماكنُ محدودةٌ ..والليالي معدودة ,! ألا شاهتْ تلك الوجوه ما أجرأهَا على انتهاكِ حُرماتِ الله وما أعظمَ استخفافِها بالله الواحدِ القهار , . ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منَّا وافتح بيننا و بينهم بالحق وأنت خير الفاتحين ,

أيها المسلمون ويخبرُنا رسولنُا صلى الله عليه وسلم عن فتحِ أبوابِ الجنةِ في رمضان ، وإغلاقِ أبوابِ النار ،وما أعظمَها من بشارة .. لو تأملنَّا بوعيٍ وإدراك ,

ولو أمعنَ المسلمون النظرَ في هذا الأحاديث وأمثالها وما فيها من معاني الرحمةِ والإحسان ،لوجدتهم مسارعينَ في الخيرات ، متنافسينَ في القُربات ، راحمينَ للضعفاء ،. محسنينَ للفقراء ،

ولو أمعنَ المسلمون النظر في حديثٍ كهذا لوجدتهم عافَّين عن الحرام معرضينَ عن الآثام ، هاجرينَ للموبقات ، تاركينَ للشهوات ,

ولو تخيل المسلمون أبوابَ الجنةِ مفتوحةً بابًا بابًا ، وقصورها متلألأة قصرًا قصرًا ،وأنهارها جارية ً نهرًا نهرًا ، لطاروا شوقًا إلى تلكَ الجنانِ العاليات , والباقياتِ الصالحات , والتمسوا كلَّ سببٍ وحيلة ، تُمكنهم من ولوج هاتيك الناعماتِ الخالدات ,! ألا إنَّ جناتِ ربي ، إنَّما تولجُ بأداءِ الصلاةِ جماعةً في المساجد في رمضانَ وغيرِ رمضان . ألا إنَّ جناتِ ربي إنَّما تولجُ بأداءِ فرائض الإسلام تامةً غيرَ منقوصةٍ , ألا إنَّ جناتِ ربي إنَّما تولجُ بالإحسانِ إلى الخلق بصنائعِ المعروفِ ، وبذلِ الإحسان ، وتفقد المحاويج ، وأنَّها تُولجُ بالدعوةِ إلى الله والصبرِ على الأذى في ذات الله ، والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكر ، والتصدي للباطل وكشف الأباطيل ,,

ويُخبرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم « أنَّ من لمْ يدعْ قولَ الزورِ والعملَ به فليس للهِ حاجةٌ بأنْ يدعَ طعامَه وشرابَه » ( [1] ) وهنا تتضحُ القضيةُ الكبرى وتتجلى حقيقةُ الصيامِ كالشمسِ في رابعةِ النهار ,

فالقضيةُ يا مسلمون ، ليست قضيةَ تجويعٍ وحرمان ,

القضيةُ يا هؤلاء كفُ للسانِ عن الغيبةِ والنميمةِ والكذبِ والبهتان والسبِ واللعان , وكبحٌ للنفسِ من التلطخِ برجس المعاصي ، ووحلِ الموبقاتِ المهلكات ، فهلاَّ تذكرت أيها الأخُ الحبيب هذا الخبرَ الرهيب ، قبلَ أن تُطلق للسانكِ الزمام ، تخوضُ به مع الخائضين ، وتتهكمُ معهم بالآخرين وتسخر ، هلاَّ تذكرتَ يرحمك الله ، هذا الخبرَ الجليل قبل أنْ تحركَ بأصابعك التي خُلقتْ ، مسبحةً لله وذاكرة ، هلا تذكرتَ هذا الحديث قبلَ أنْ تحرك بأصابعك تلك ، أزرةَ تشغيلَ قنوات البثِ الفضائي وغيرِ الفضائي ، وعلمتَ يقينًا أنَّ الله ليس بغافلٍ عمَّا تعملُ ويعملون , وعمَّا تُشاهد ويُشاهدون ,! وعمَّا تسمعُ ويسمعون ,!

فإتق الله - يرحمُك الله - وأعلمْ بأنَّك راحلٌ عمَّا قريب ، وأنَّك موقوفٌ بين يديِ قاهرِ الجبابرةِ ، ومهلكِ القياصرة ، وأنَّك مسؤولٌ عن النقيرِ والقطمير ، والصغيرِ والكبير ? فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ? عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ? ]الحجر:9293[ فسارع - يرحمك الله - إلى التوبة النصوح وقل ربي أني ظلمت نفسي ظلمًا كبيرًا وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين .

ويخبرُنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أنَّ للصائمِ عند فطرهِ دعوةً لا تُرد فهلا اغتنمتَ - يرحمُك الله - هذه الفرصةَ النادرة ودعوتَ ملكَ الملوك ، أنْ يَفيضَ عليكَ من رحماتِه ، ويُنزلَ عليك من بركاتِه ، هلاَّ دعوتَ الله أن يقيكَ شرَّ نفسك وشرَّ الشيطان وشركه ، وأنْ يأخذَ بيدكَ إلى حيثُُ البرُ والتقوى ,!

وهلاَّ اغتنمتَ أيُّها المبارك هذه الفرصةَ النادرة ، فدعوتَ الله ، أنْ يخلصَ الأمةَ من هذا الذِّل والهوان الذي آلت إليه ، يوم غيَّرت وتنكرت ، واستبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير ,! وهلاَّ اغتنمت تلكَ الدعوةَ التي لا تُرد فخصصتَ بها المضطهدين في كلِّ مكان ، هلاَّ تذكرتهم في الشيشان وأفغانستان ، وفي كشمير وفي البوسنة ، والفلبين والعراق ,!

حذاري - يرحمُك الله - أنْ تُنسيكَ فرحةُ الإفطارِ حرارةَ الدعاء ، بأنْ يعجلَ العزيزُ الجبار بهلاكِ الظالمين ، وزوالِ الجبابرةِ المتسلطين ، فإنَّه سبحانه لا يُعجزهُ شيءٌ في الأرضِِ ولا في السماءِ وهو القوي المتين .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ..

الخطبة الثانية

الحمد لله مالك الملك رب العالمين ، بيده مقاليد السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم .

أما بعد أيها المسلمون:فمن أحكامِ الصيام التي ينبغي الإلمامُ بها ما يلي:

أولًا: وجوبُ تبييتِ نيةِ الصيام مِن الليل ، وتكفي نيةٌ واحدة ، لصيامِ الشهرِ كلِّه ، على الصحيحِ من قول العلماء في هذه المسألة .

ثانيًا: سقوطُ الصيامِ على المريض فإن كان المرضُ ملازمًا للمريض ولا يُرجى زوالُه ،فيطعمُ عن كلِّ يومٍ مسكينًا ومثلُ المريض ، الكبيرُ الهرم والعاجزُ عن الصوم ، وأمَّا إنْ كانَ المرضُ يُرجى زوالُه ويُنتظرُ الشفاءُ منه فيلزمُ القضاء ، من غيرِ إطعام ، وممَّا يجبُ معرفتهُ ، أنَّ المرض ، ما لم يكنْ شاقًا أو ضارًا بالمريض ، فلا يجوزُ له الفطرُ بتاتًا .

وأما المسافرُ ؛ فيجوزُ له الفطرُ حتى وإنْ لم يكن ثمةَ مشقة ، وأمَّا الذين يتحايلونَ بالسفر ، من أجلِ الفطر على طريقةِ ( لأقطعنَّه بالأسفار ! ) ففطرُهم حرامٌ لا يجوز .ومن أحكام الصيام ، استحبابُ تعجيلِ الإفطار وتأخيرُ السحور ، ويستحبُ الإفطار على رُطبات فإنْ لم يتيسر فتمرات ، و إلاَّ حسا حسواتٍ من ماء

أمَّا مفسداتُ الصومِ فسبعة:

أحدها الجماعُ في نهارِ رمضان ، فمن جامعَ امرأته بَطَلَ صومُه ، ولزمته الكفارةُ المغلظة ، وهي عتقُ رقبة ، فإنْ لم يجد ، فصيامُ شهرين متتابعين ، فإنْ لم يستطيع أطعم ستين مسكينًا .

وثاني مفسداتِ الصوم ، إنزالُ المني بمباشرةٍ أو نحوها .

وثالثُ مفسداتِ الصوم ، الأكلُ أو الشرب سواءٌ بطريقةٍ طبيعية أو صناعية

ورابعُ مفسداتِ الصوم ، ما كان بمعنى الأكلِ والشربِ كالإبرِ المغذية ونحوها وأمَّا غيرُ المغذية فلا تفطرُ مطلقًا .

وخامسُ مفسداتِ الصوم ، التقيؤُ عمدًا فإنْ لم يتعمدْه صحَّ صومُه ولا شيء عليه .

وسادسُ مفسداتِ الصوم ، إخراجُ الدمِ بالحجامةِ ونحوها .

وسابعُ مفسداتِ الصوم ، وتختص به النساء خروجُ دمِ الحيضِ أو النفاس ، ولو قبلَ المغربِ بيسير .

وهذه المفطراتُ كلُها لا تفسدُ الصوم إلاَّ بثلاثةِ شروط:

الأول: أنْ يكونَ عالمًا بالحكمِ وعالمًا بالوقت .

الثاني: أنْ يكونَ ذاكرًا غير ناسي .

الثالث: أنْ يكونَ مختارًا غير مكره .

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يفقهنا في دينه وأن يتقبل صيامنا وقيامنا اللهم نسألك رحمة تهدي بها قلوبنا ...

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت