فأولًا: هذا الصيام إذا أديته على وجهه ولم تخل به فهو أعظم عبادة تؤديها في هذا الموسم الكريم , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به إنه إنما ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ) ), قال سفيان بن عيينة رحمه الله في بيان معنى هذا الحديث العظيم: (المسلم قد يأتي يوم القيامة وعليه حقوق للناس فتؤخذ من حسناته وثواب أعماله فتعطى لأهل تلك الحقوق على سبيل القصاص منه إلا الصيام فإنه لا يؤخذ من ثوابه شيء) هذا هو معنى أن الصوم لله وهو يجزي به كما ذكر ذلك سفيان بن عيينة رحمه الله. وإنما بلغ الصائم هذه الدرجة الرفيعة ونال هذه الفضيلة العظيمة لأنه في صومه يحقق أشياء , يحقق معنى الصبر بجميع أنواعه وللصبر ثلاثة أنواع: أولها الصبر على طاعة الله والصائم قصر نفسه على الصيام طاعة لله تعالى, وثانيها الصبر عما حرم الله وهذا الصائم امتنع عن الطعام والشراب والنكاح لأن الله حرم ذلك في نهار رمضان فامتنع عن هذه الشهوات خوفًا من الله تعالى, وثالث أنواع الصبر, الصبر على أقدار الله وهذا الصائم يصيبه من جراء الصوم من آلام الجوع أو شدة العطش وربما من خور الجسم وخموله وضعف الصحة ما يصيبه ومع ذلك هو صابر على هذا كله محتسبًا لله تعالى فالصائم من أجل الصابرين الذين حققوا معنى الصبر بأنواعه والله سبحانه وتعالى يقول: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب وكذلك الصائم نال هذه الدرجة الرفيعة لأنه منع نفسه من حظوظها وشهواتها لله تعالى ومن أجل الله, منع نفسه من شهوات الطعام والشراب والنكاح وهي من الصفات الأصلية التي جبلت النفس البشرية عليها, قال بعض السلف: (طوبا لمن ترك شهوة حاضرة من أجل موعد غائب لم يره) فالصائم يترك شهوته الحاضرة طمعًا فيما عند الله تعالى وما عند الله تعالى غيب عنه في الوقت الحاضر. والصيام الحقيقي الذي أداه صاحبه دون أن يخل به دون أن يغتاب أحدًا أو يرفث أو يجهل أو يساب أحدًا أو يقاتله الصيام الحقيقي من أعظم علامات الإيمان فهذا الصائم يمتنع عن هذه الشهوات في نهار رمضان لأن الله تعالى حرمها عليه في النهار يمتنع عنها حتى في خلوته لا يطلع عليه إلا علام الغيوب سبحانه وتعالى فما الذي منعه من مقارفة هذه الشهوات إلا خوف الله تعالى وهذا من علامات صحة الإيمان وإليه أشار في الحديث بعد قوله: (( إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ) )، قال: (( إنما ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ) )أي ما منع الصائم من مقارفة هذه الشهوات الثلاث وغيرها إلا خوفه مني وطمعه فيما عندي وإلا فلو قارف شيء من تلك الشهوات في خلوته لم يطلع على ذلك أحد من المخلوقين وهذا من أسرار كون الصوم أو جعل الصوم لله تعالى فإن الله شكر للصائم ذلك فاختص الصوم من سائر عمله لنفسه سبحانه وتعالى فهو يجزي به فهذا درس عظيم تتعلمه أيها الصائم من مدرسة الصوم والدرس الآخر الذي يجب أن تتعلمه من مدرسة الصوم أن هذا الشهر المبارك الكريم فرصة لك لتضاعف حركتك في سبيل الله ونشاطك في طاعة الله وعملك في سبيل دين الله تعالى, هذا الشهر الكريم موسم للعمل ومضاعفة العمل وليس موسم للكسل تأمل هذه النصوص النبوية تلمح فيها هذا المعنى واضحًا جليًا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( عمرة في رمضان تعدل حجة فيما سواه ) )وفي لفظ تعدل حجة معي , وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان شمر ثوبه وأيقظ أهله صلى الله عليه وسلم وأحيا ليله وكان صلى الله عليه وسلم أجود من الريح المرسلة فإذا دخل رمضان كان أجود ما يكون صلى الله عليه وسلم في رمضان وهنا وقفة قليلة نعم رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الكرماء جواد كريم صلى الله عليه وسلم، قال أنس بن مالك رضى الله عنه: (( ما سأل رسول الله على الإسلام شيئًا إلا أعطاه ولقد سأله رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين فرجع الرجل إلى قومه يقول لهم: يا قوم أسلموا فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم يعطى عطاء من لا يخشى الفاقة ) )هذا كرم رسول الله وجوده وعطاءه ليس ككرم أهل الدنيا وعطائهم فأهل الدنيا يعطون ابتغاء ثناء الناس والصيت الحسن بينهم ويودون شهوة من شهوات النفس أما سيد الخلق صلى الله عليه وسلم فجوده وكرمه كان لأمرين اثنين أولهما أن الدنيا بما فيها من زينة وزخرف ومتاع وأموال لم تكن تزن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا فقد عرضت عليه الدنيا وأعرض من قوة إيمانه وكمال عبوديته لربه وتواضعه لخالقه صلى الله عليه وسلم وإلا فهذا النبي الكريم الذي يعطي هذا العطاء الجزيل كان يمر عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار وهو يعطي الرجل غنمًا بين جبلين صلى الله عليه وسلم والأمر الثاني أنه صلى الله عليه وسلم إنما يعطي بسخاء لمصلحة شرعية إسلامية وليس عن هوى وشهوة ولا عن محاباة إنما يعطي لخدمة الإسلام , يقول أنس بن مالك رضى الله عنه: إن الرجل كان ليسلم وليس به إلا طمع الدنيا لما يعلم من كرمه صلى الله عليه وسلم فما يمسي الرجل إلا والإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها. انظر إلى هذه المصلحة الشرعية العليا التي كان يحققها صلى الله عليه وسلم بعطائه وجوده , هذا صفوان بن أمية رضي الله عنه يقول: أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أعطاني وهو أبغض الناس إلي وما برح يعطيني حتى أصبح أحب الناس إلي وقد أعطاه يوم حنين وادي بأكمله مملوء إبلًا ونعمًا فلما رأى صفوان ذلك قال: أشهد أنه ما طابت بهذا إلا نفس نبي صلوات الله وسلامه عليه. هكذا جود رسول الله صلى الله عليه وسلم وكرمه لم يكن عن محاباة ولا هوى نفس فرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يعطى صفوان واديًا بأكمله مملوء إبلًا ونعمًا مر عليه يوم من الأيام وقد جاءه سبي فجاءته فلذة كبده رضى الله عنها فاطمة تشكو إليه ما تعاني من عناء وجهد ومشقة في عمل البيت , فاطمة بنت محمد تشققت قدماها وهي تدير البيت تطحن وتعجن وتقوم بمؤنة البيت وخدمته فجاءت تشكو إلي أبيها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم تسأله خادمًا يقوم عنها بمؤنة البيت ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الساعة كان يعلم أن المسلمين يمرون بظرف عصيب لا يسمح له بأن يلبى حاجة فلذة كبده فأمرها بأن تستعين بما هو أفضل من ذلك بالتسبيح والتحميد والتكبير عند نومها وقال لها: ما كنت لأعطيك وأدع فقراء المسلمين في الصفة تطوى بطونهم على الجوع , هكذا جود رسول الله صلى الله عليه وسلم حركة دائبة طوال العام في خدمة الإسلام ولمصلحة الإسلام حتى إذا أقبل رمضان تضاعفت حركة هذا الجهد النبوي.
فيا أيها المسلمون يا أيها الصائمون ليكن هذا الموسم الكريم وهذا الشهر المبارك فرصة لنا جميعًا لنضاعف نشاطنا في الطاعة والعبادة ولنزيد حركتنا في سبيل الله مقتدين في ذلك بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم.
أيها المسلم لا تكن في رمضان ولا في غير رمضان جثة خاملة وعبئًا على المسلمين بل كن عضوًا متحركًا نشيطًا عاملًا بناء , كن بسعيك وحركتك وعقلك وعلمك إن كنت ذا علم ومالك إن كنت ذا مال كن عضوًا نافعًا فعالًا في مجتمعك, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: ضرب الله مثلًا عبدًا مملوكًا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقًا حسنًا فهو ينفق منه سرًا وجهرًا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون وضرب الله مثلًا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر علي شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم .
الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى. ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا.
أما بعد:
فان خير الكلام كلام الله وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فان يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار وأعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما.
يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان.
ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل:إن الله وملائكته يصلون علي النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا ) )اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبى السبطين على وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
ـــــــــــــــ
محمد بو سنه
عين النعجة
مبارك الميلي
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1 -البشارة والتهنئة بشهر رمضان . 2 - بعض المنكرات التي تقع في رمضان 3 - أصناف الناس في استقبال رمضان 4 - فضل رمضان 5 - شكر الله على بلوغ رمضان
الخطبة الأولى
وبعد:
عباد الله: لقد أهلّ علينا شهر من أعظم الشهور، فهو شهر عبادة يتقرّبُ بها العبد إلى ربه. بترك محبوباته من طعام وشراب لينال رضا ربه، ولو يعلم العباد ما في هذا الشهر الكريم من الأجر والثواب لتمنّت الأمة أن تكون السنة كلها رمضان. يقول الله عزّ وجل: (( يترك شهوته وطعامه وشرابه لأجلي، فالصوم لي وأنا أجزي به ) ).
هذا الشهر الكريم كان النبي صلى الله عليه وسلم يُبشِّر أصحابه بقدومه فيقول: (( أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه تُفتح فيه أبواب السماء، وتُغلق فيه أبوب جهنم، وتُغلّ فيه مَرَدة الشياطين، لله فيه ليلةٌ خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم ) )قال العلماء هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضًا بدخول الشهر، فالشقي من حُرِم فيه رحمة الله، وكيف لا يكون شقيًا وخاسِرًا وهو لم تدركه رحمة الله في شهر التوبة والغُفران ولذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم بالبعد والهلاك والشقاء والخسران لمن أدرك رمضان ولم يُغفر له. فعن كعب بن عُجرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أُحضِروا المنبر فحضرنا فلما ارتقى درجة قال: آمين. فلما ارتقى الدرجة الثانية قال: آمين. فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: آمين ) )فلما نزل قُلنا: يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئًا ما كُنا نسمعه قال: (( إن جبريل عرَض لي فقال: بَعُد من أدرك رمضان فلم يُغفَر له. قلت: آمين. فلما رقيت الثانية قال: بَعُد من ذُكِرتَ عنده فلم يُصَل عليك. فقلت: آمين. فلما رقيت الثالثة قال: بعُد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يُدخلاه الجنة قلت: آمين ) ).
ولله عزّ وجل أيها الصائمون في هذا الشهر عتقاء من النار وذلك كل ليلة من ليالي رمضان، فعن أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن لله تبارك وتعالى عتقاء في كل يوم وليلة - يعني من رمضان - وإن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة - أي لا تُرَد - ) )فانتبهوا عباد الله لهذا الوقت واشغلوه بدَعوات صالحات. كم من مؤمن أيها الأحباب لم يُدرك هذا الشهر، بالأمس القريب مات جارٌ أو قريبٌ أو أخ أو صديق ولم يُدرك رمضان، فاحمَدوا الله عزّ وجل أن أبقاكم أحياءً ومنحَكم فرصة، فاغتنموها ولا تُضيِّعوها، ولينظر أحدنا ماذا أعدّ لرمضان، وكيف استعدَّ له؟ أنستعدّ له في تضييع أوقاته في السهر على المُحرّمات من شُربٍ للمُخدِّرات والتمتّع بالأفلام والمُسلسلات الساقطات والجري وراء الشَهَوات، أو نستقبله بالإسراف والتبذير في المأكولات والتّلهُّفِ على الملذّات. أم نستعدّ له بالحفلات والأغاني أم نستقبله بالمعاصي والحرام ومحاربة الملك الديّان.
إن الناس في استقبالهم لرمضان على صنفين اثنين.
أما الصنف الأول: فهم الذين يفرحون بهذا الشهر ويُسرُّون بقدومه، لأنهم عوَّدوا أنفسهم على الصيام ووطّنوها على تحمُّله، ولهذا جاء في السنة النبوية استحباب صيام الاثنين والخميس وأيام البيض ويوم عرفة ويوم عاشوراء مع يوم قبله وصيام شعبان وغير ذلك من أنواع الصيام المُستحب الذي سنّه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته ليعتادوا الصوم ويتزوَّدوا من التقوى. وأثر ذلك واضح في الواقع، فإنّك تجد الذي يصوم النفل لا يستثقل صيام رمضان بل هو عنده أمر يسير لا كُلفة فيه ولا عناء، وأما الذي لا يصوم شيئًا من النافلة فإنّ رمضان يكون عليه ثقيلًا شاقًا. ولقد كان السلف مِثالًا رائعًا في الحرص على النوافل، ورُوي عنهم في ذلك قصص عجيبة، من ذلك أن قومًا من السلف باعوا جاريةً لهم لأحد الناس فلما أقبل رمضان أخذ سيدها الجديد يتهيأ بألوان المطعومات والمشروبات لاستقبال رمضان كما يصنع كثير من الناس اليوم، فلما رأت الجارية ذلك منهم قالت: لماذا تصنعون ذلك؟ قالوا لاستقبال شهر رمضان فقالت: وأنتم لا تصومون إلا في رمضان، والله لقد جئت من عند قوم السنة عندهم كأنّها كلُّها رمضان، لا حاجة لي فيكم رُدّوني إليهم ورجعت إلى سيدها الأول.
ويروى أن الحسن بن صالح وهو أحد الزّهاد العُبّاد الأتقياء كان يقوم الليل هو وأخوه وأمّه ثلاثًا أي يقوم هو الثلث الأول، وأخوه الثلث الثاني، وأمّه الثلث الثالث فلما ماتت أمه صار يقوم هو نصف الليل وأخوه النصف الآخر، فلما تُوفي أخوه صار يقوم الليل كلّه. وكان لدى الحسن بن صالح هذا جارية، فاشتراها منه بعضهم فلما انتصف الليل عند سيدها الجديد قامت تصيح في الدار: الصلاة الصلاة. فقاموا فَزعين وسألوها هل طلع الفجر؟ فقالت: وأنتم لا تُصلّون إلا المكتوبة؟ فلما أصبحت رجعت إلى الحسن بن صالح وقالت له: لقد بِِعتني إلى قوم سوء لا يُصلّون إلا الفريضة ولا يصومون إلا الفريضة، فردّني فردّني.
هؤلاء كانوا فرحين برمضان لأنهم يعلمون أن منع النفس وكفّها عن المَلذات في هذه الدنيا سبب نيلها في الآخرة فإنّ امتناع الصائم عن الأكل والشرب والجماع وسائر المُفطرات في نهار رمضان طاعة لله عزّ وجل يكون سببًا في حصوله على ألوان الملذّات الخالدة في الجنة فيقوى يقين المُتقين بذلك، تراهم يفرحون بقدوم هذا الشهر الكريم، وعلى العكس من ذلك حال المُنغمسين في الملذّات المّحرّمة في هذه الدنيا فإن انغماسهم فيها يكون سببًا في حرمانهم منها يوم القيامة. ألم يقل رسولنا صلى الله عليه وسلم: (( من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة إلا أن يتوب ) )وإنما يُحرم من شربها يوم القيامة - وإن دخل الجنة - عقابًا له على تمتّعه بخمر الدنيا وهي مُحرّمة عليه. وما يُقال في الخمر يقال في لبس الحرير للرجال فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ) )كذلك يفرح هؤلاء بهذا الشهر لأنهم يُدركون أنه من أعظم مواسم الطاعات والتنفس في القُربات، ويعلمون أن الله يُجري فيه من الأجور ما لا يُجري في غيره من الشهور، فلا عجب أن يفرحوا بقدومه فرح المشتاق بقدوم حبيبه الغائب أو أعظم من ذلك. هذا هو الصنف الأول من الناس في استقبال شهر رمضان.
وأما الصنف الثاني: الذين يستقبلون هذا الشهر ويستعظمون مشقّته، فإذا نزل بهم فهو كالضيف الثقيل، يَعُدّون ساعاته وأيامه ولياليه، منتظرين رحيله بفارغ الصبر، يفرحون بكل يوم يمضي منه حتى إذا قرُب العيد فرحوا بِدُنوّ خروج هذا الشهر، وهؤلاء إنما استثقلوا هذا الشهر وتطلّعوا إلى انتهائه لأنهم اعتادوا التوسُّع في الملذات والشهوات من المآكل والمشارب فضلًا عن ارتكابهم للذات المُحرّمة كالنظر إلى النساء وعدمِ غضّ البصر وغيرها. فوجدوا في هذا الشهر مانعًا وقيدًا يَحبِسهم عن شهَواتهم، ويَحول بينهم وبين ملذّاتهم، لذلك ثَقُل عليهم رمضان ولأنهم قوم عظُم تقصيرهم في الطاعات حتى إنّ منهم من قد يُفرِّط في الفرائض والواجبات، كالصلاة فإذا جاء هذا الشهر التزموا ببعض الطاعات، فترى مَثلًا بعض المُفرِّطين والمُقصّرين يتردّدون في هذا الشهر على المساجد ويشهدون الجُمَع والجماعات ويواظبون على الصيام والصلاة، فبسبب هذا الالتزام الذي لم يألَفوه ولم يتعوَّدوا عليه استعظموا حِمْل هذا الشهر، هكذا حال الذين يستقبلون رمضان لأنهم سيفارقون ما ألِفوه من الشهوات ويلتزمون ببعض العبادات هذا مع ضعف يقينهم بما أعدّه الله تبارك وتعالى للمؤمنين وعدم استحضارهم لِفضل هذا الشهر وما فيه من الأجور العظيمة، فلا عجَب ألا يجدوا من اللذة والفرح والسرور بهذا الضيف الكريم ما يجده الصادقون المؤمنون.
جعلني الله وإياكم ممن يَفرح بقدوم رمضان ويجتهد فيه للتقرُّب إلى الله عزّ وجل إنّه وليّ ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
أما بعد:
وماذا عن شهر رمضان، إنه شهر أنزل الله فيه كتابه وفتح فيه للتائبين أبوابه، فلا دعاء فيه إلا وهو مسموع، ولا خير إلا وهو مجموع، ولا ضُر إلا وهو مدفوع، ولا عمل إلا وهو مرفوع، الظافر الميمون من اغتنم أوقاته، والخاسر المَغْبون من أهمله ففاته، شهر جعله الله لذنوبكم تطهيرًا ولسيئاتكم تكفيرًا، ولمن أحسن منكم صُحبته ذخيرة ونورًا. ولمن وفّى بشرطه وقام بحقِّه فرحًا وسرورًا، شهرٌ تَورَّع فيه أهل الفسق والفساد، وازداد فيه إلى الرغبة إلى الله أهل الجدّ والاجتهاد، شهر عمارات القلوب، وكفّارات الذنوب واختصاص المساجد بالازدحام والتحاشر، شهر فيه المساجد تُعمر، والمصابيح تزهر، والآيات تُذكر، والقلوب تُجبَر، والذنوب تُغفَر، شهر تُكثِر فيه الملائكة لصوّامه بالاستغفار ويَعتق فيه الجبّار في كل ليلة ويوم، وتنزل فيه البركات وتعظُم فيه الصدقات، وتكفر فيه النكبات، وتُرفع فيه الدرجات وتُرحم فيه العبَرات، وتنادي فيه الحور الحِسان من الجنّات: هنيئًا لكم يا معشر الصائمين والصائمات، والقائمين والقائمات بما أعدّ الله لكم من الخيرات، فقد غمرتكم البركات واستبشر بكم أهل الأرض والسماوات. فيا ليت شعري مَن المقبول منّا فنهنّئه بحسن عمله؟ أم ليت شعري من المطرود منّا فنعزّيه بسوء عمله؟
عباد الله: أوصيكم ونفسي في هذا الشهر الكريم بوصيتين أرجو الله أن ينفعنا بهما، أما الوصية الأولى: فهي أن تَحمَد الله أيها الصائم على نعمة الله التي أسبغَها عليك، ومنها أن كتَب لك الحياة حتى بلغت رمضان فتذكّر أولئك الذين حنّت أرواحهم واشتاقت أنفسهم لبلوغ رمضان، قد مضى بهم القدَر وانقطع عنهم الأثر فهم اليوم في الأعماق تحت التراب. كانوا يتمنّوَن لقاء هذا الشهر فما بلغوا مُناهم، وما حقّقوا رَجاهم، وأنت أيها العبد قد وفّقك الله لذلك، فاذكر نعمة ربّك عليك، وقُل بلسان الحال والمقام: اللهم لك الحمد أن بلّغتني رمضان، وتذكّر أيضًا أيها الصائم إخوانًا لك على الأَسِرّة البيضاء في المُستشفيات - شفاهم الله - قد منعَتهم الأمراض وحالت بينهم وبين الصيام والقيام تَذكّر هؤلاء الناس الذين ودّوا أن يصوموا فما استطاعوا وودّوا أن يقوموا فما تمكّنوا، فاذكر أيها العبد ما تتمتّع به من العافية، وانظر إلى جسدك وهو تغمرُه الصحة الغالية فإذا تَذكرْت ذلك فاسأل الله دوام العافية، واسأله أن يعينك على دوام الطاعة والإنابة إليه. ثم تذكّر أيها العبد أنّ صيامك إنما هو لله فإن جُعت لله وعطشت لله فلا تؤثِّر فيه نزَغات الشيطان من الجن والإنس، وتذكّر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يَرفُث ولا يَصخب فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم ) ). فكُن على حذر من هذا حتى لا تُضيع صيامك.
وأما الوصية الثانية: فهي للقائمين. إذا وفّقَك الله لأن تقوم ليالي رمضان فاحرص على أن يكون خروجك من بيتك لصلاة التراويح لله عزّ وجل لا تُريد إلا وجهه، ولا يكون في قلبك إلا ما أعدّه الله للقائمين فقد قال نبيّك صلى الله عليه وسلم: (( من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه ) ). واعلم أنه ما رَفعتَ خطوة وأنت ذاهب إلى المسجد إلا رفعَك الله بها درجة وما وضعت قدَمًا إلا حطّت عنك سيئة، فكم من أُناس وقفوا بين يدي الملك العلاّم وهم في القيام أوجب الله لهم دار السلام. وكم من أناس اجتهدوا في القيام في جوف الليل فما كان حظُّهم إلاّ التعب والسهر. فالإخلاص الإخلاص عباد الله، وإيّاك أيها العبد أن تَمَلَّ وأنت قائم فكم من أُناس يستثقلون آية يسمعونها وهم قيام خَلف إمامهم ولكنهم لا يَملُّون الحديث وهم في مجالس الغيبة والنميمة فإيّاك أن تَبْخَس أعمالك وأنت لا تَشعر. فاصبروا على قيامكم وتَذكّروا أنه أهون وأخف من قيامكم يوم الحشر بين يدَي ربكم. واحتسبوا أجر القيام عند ربّكم. كما أُوصيكم وأنتم قائمون أن تسمعوا وتُنصِتوا وتتدبّروا في الآيات التي تسمعونها واعرضوها على أعمالكم، فإن وجدتم أنفسكم معها طائعين فاحمَدوا الله واسألوه الثبات على ذلك، وإن وجدتم أنفسكم مُخالفين أو مُقصِّرين فتوبوا إلى ربكم وأصلحوا ما أفسدتم وتداركوا ما فاتكم فَفُرصة هذا الشهر بين أيديكم، فاللهم وفِّقنا لاغتنامها والإكثار من العمل الصالح فيها وانفعنا بالصيام والقيام وبما نقول وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أنّ لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
ـــــــــــــــ
صدّوق الونّاس
برج الكيفان
الرحمة العتيق
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية