من أعظم الأمور المعينة على التوبة - يا عباد الله - أن يستحضر العبد سعة رحمة الله سبحانه وتعالى فهو القائل: قُلْ ياعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] . وهو القائل جل في علاه في حديث قدسي أخرجه الترمذي يقول سبحانه: (( يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم جئتني لا تشرك بي شيئًا لآتيتك بقرابها مغفرة ) ).
وهو القائل سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] .
وفي الصحيحين أن رجلًا أسرف على نفسه في الخطايا فلما حضرته الوفاة قال لأبنائه: إذا أنا مت فاجمعوا لي حطبًا ثم احرقوني بالنار ثم اسحقوني وذروني مع الريح، فلما توفي هذا الرجل وفعل أولاده بوصيته قال له الله: يا عبدي، ما الذي حملك على ما فعلت؟ قال: يا رب، خفتك وخشيت ذنوبي، فقال الله: يا ملائكتي، أشهدكم أني قد غفرت له وأدخلته الجنة.
وفي صحيح البخاري أن سبيًا جاء إلى الرسول ، وإذا بامرأة من نساء السبي جاءت تبحث عن صبي لها فقدته، فأخذت تقلب الأطفال واحدًا واحدا، ثم وجدت طفلها بعد مشقة وعناء، فألصقته في بطنها وأخذت ترضعه، والرسول وصحابته يرقبون الموقف ويرقبون المرأة وهي تذرف الدموع رحمة بوليدها، فيقول الرسول لأصحابه: (( أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ ) )، قالوا: لا يا رسول الله، فقال: (( لله أرحم بعباده من هذه بولدها ) ).
فلا إله إلا الله ما أعظم رحمة الله، وما أوسع رحمة الله، رحمته سبحانه وتعالى وسعت كل شيء، ورحمته جل وعلا سبقت غضبه، فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، له سبحانه مائة رحمة، أنزل لنا في هذه الدنيا رحمة واحدة، فبها يتراحم الخلق كلهم، صغيرهم وكبيرهم، مؤمنهم وكافرهم، ناطقهم وأعجمهم، حتى إن الدابة لترفع رجلها ليرضع منها وليدها ثم يذهب بهذه الرحمة، فإذا كان يوم القيامة رفع الله هذه الرحمة إلى تسع وتسعين رحمة، حتى إن إبليس ليتطاول في ذلك اليوم، ويظن أن رحمة الله ستشمله.
فيا من رحمتك وسعت كل شيء ارحمنا برحمتك.
يا كثير العفو عمن كثر الذنب لديه جاءك المذنب يرجو الصفح عن جرمٍ لديه
أنا ضيف وجزاء الضيف إحسان إليه
يروى أن رجلًا من بني إسرائيل أطاع الله أربعين سنة، ثم عصى الله أربعين سنة، فلما نظر في المرآة رأى الشيب في لحيته فقال: يا رب، أطعتك أربعين سنة، وعصيتك أربعين سنة، فهل تقبلني؟ فقيل له: أطعت ربك فقبلك، وعصيته فأمهلك، وإن عدت إليه قبلك.
إن الملوك إذا شابت عبيدهم ... ... في رقهم عتقوهم عتق أبرار
وأنت يا خالقي أولى بذا كرمًا ... ... قد شبت في الرق فأعتقني من النار
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لّلْعَبِيدِ [فصلت:46] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، واستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
إن الحمد لله. .
أما بعد:
فمن أعظم أسباب التوبة - عباد الله - تذكر الموت والقدوم إلى الله والوقوف بين يديه سبحانه وتعالى.
ذكر ابن قدامة في كتاب التوابين أن امرأة بغيا زانية كانت بارعة الجمال ولا تمكن من نفسها إلا بمائة دينار، رآها عابد ما عصى الله، فلما رآها أعجبته وفتنت قلبه وسلبت لبه، فذهب وعمل وكدَّ حتى جمع المائة الدينار، ثم جاء إليها في بيتها وقال لها: لقد أعجبتيني فاشتغلت واجتهدت في العمل حتى جمعت لك المائة الدينار، وها أنا ذا جئت بها، فقالت له: ادخل، وأخذت منه المائة الدينار، فدخل إلى غرفتها وكان لها سرير من ذهب، فجلست على سريرها ثم قالت له: هلم إليّ، فتذكر ذاك العابد مقامه بين يدي الله وقدومه إلى الله فأخذته رعدة ورعشة، وقال لها: اتركيني لأخرج ولك المائة الدينار، فقالت له البغي: عجبًا لك زعمت أنك تكد وتكدح لتجمع هذه المائة الدينار، فلما قدرت عليّ فعلت ما فعلت!! قال: فعلته والله خوفًا من الله ومن مقامي بين يديه، فرق قلب تلك المرأة وخافت وارتعدت وتذكرت القدوم على الله، فقالت له: لا أدعك حتى آخذ عليك عهدًا أن تتزوجني، فأعطاها العهد، وأعطاها مكانه وهو يريد الخلاص منها، فخرج من عندها نادمًا على ما فعل، وهو لم يقارف الفاحشة، وتابت تلك المرأة وكان سببًا في توبتها، ولا زال في نفس تلك المرأة أن تتزوج بمن كان سببًا في توبتها، فذهبت وبحثت عن مكان ذلك الرجل، فلما وصلت إلى بيته طرقت عليه الباب وفتح لها الباب ذلك الرجل، فلما رآها تذكر ذلك اليوم الذي كاد أن يقدم فيه على عمل الفاحشة بهذه المرأة، وتذكر موقفه أمام الله وقدومه على الله فشهق شهقة عظيمة ومات، فحزنت عليه هذه المرأة التائبة حزنًا عظيمًا، وقالت: أما هذا فقد فاتني، فهل له من قريب أتزوجه؟ فقالوا لها: له أخ فقير تقي، فقالت: أتزوجه إن رضي حبًا لأخيه، فتزوجته فكان من نسله ونسلها سبعة من الصالحين العابدين الزاهدين.
وها هو شاب في الثلاثين من عمره في أوج شبابه وشهوته وقوته لكنه يخاف الله، واسمه الربيع بن خثيم، وكان في بلده فساق وفجار يتواصون على إفساد الناس، وهم في كل مكان وزمان يصدون عن سبيل الله، أتوا بزانية وقالوا لها: هذه ألف دينار، قالت: علام؟ قالوا: على قبلة من الربيع، قالت: ولكم فوق ذلك أن يزني، فذهبت إليه وتعرضت له في ساعة خلوة، وأبدت له مفاتنها فلما رآها صرخ فيها قائلًا: يا أمة الله كيف بك لو نزل بك ملك الموت فقطع منك حبل الوتين؟ أم كيف بك يوم يسألك منكر ونكير؟ أم كيف بك يوم تقفين بين يدي الرب العظيم؟ أم كيف بك إن لم تتوبي يوم ترمين في الجحيم؟ فصرخت وولت هاربة تائبة عابدة عائدة إلى الله، قائمة لليل صائمة للنهار، حتى لقبت بعابدة الكوفة.
معاشر المسلمين:
إن من أعظم فرص الحياة أن بلغنا الله هذه الساعات التي نتهيأ فيها لاستقبال شهر رمضان، ونسأله سبحانه أن يبلغنا هذا الشهر العظيم، فكم نعرف من الأهل والإخوان والأقارب والجيران صاموا معنا في العام الماضي، وهم الآن تحت الجنادل والتراب وحدهم، أتاهم الموت، أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات وآخذ البنين والبنات، فاختطفهم من بين أيدينا، أسكتهم والله فما نطقوا، وأرداهم فما تكلموا، كأنهم والله ما ضحكوا مع من ضحك، ولا أكلوا مع من أكل، ولا شربوا مع من شرب.
كم كنت تعرف ممن صام في سلف ... من بين أهل وجيران وإخوان
أفناهم الموت واستبقاك بعدهمو ... حيًا فما أقرب القاصي من الداني
الموت - يا عباد الله - يقصم الظهور ويخرج الناس من الدور، وينزلهم من القصور ويسكنهم القبور.
الموت لا يستأذن شابًا ولا شيخًا ولا طفلًا، ولا يستأذن غنيًا ولا أميرًا ولا ملكًا ولا وزيرًا ولا سلطانًا.
أتيت القبور فناديتها ... ... أين المعظم والمحتقر
تفانوا جميعًا فما مخبرٌ ... ... وماتوا جميعًا ومات الخبر
فيا سائلي عن أناس مضوا ... ... أما لك فيما مضى معتبر
تروح وتغدوا بنات الثرى ... ... فتمحو محاسن تلك الصور
الموت يا عباد الله أسرع وأقرب إلينا من شراك النعل، وما أسرعه هذه الأيام، وما أسهله، والحياة قصيرة - والله - جد قصيرة، إذا ولد الإنسان أذن في أذنه اليمنى أذان بلا صلاة، فإذا مات الإنسان صليت عليه صلاة الجنازة بلا أذان، فكأن حياة الإنسان قصيرة قصيرة، وكأنها كالوقت الذي بين الأذان والإقامة.
أذان الطفل في الميلاد دومًا ... ... وتأخير الصلاة إلى الممات
دليلًا أنّ محياه قليلٌ ... ... كما بين الإقامة والصلاة
فهل من تائب إلى الله؟ وهل من عائد إلى رحاب الله؟ وهل من توبة صادقة؟ وهل من عودة حميدة؟
يا شيخًا كبيرًا احدودب ظهره، ودنا أجله، ماذا أعددت للقاء الله؟ وماذا بقي لك في هذه الدنيا؟ يقول سفيان الثوري:"إذا بلغ العبد ستين سنة فليشتر كفنًا وليهاجر إلى الله".
ويا شابًا غره شبابه وطول الأمل، ماذا أعددت للقاء الله؟ متى تستفيق إن لم تستفق اليوم؟ ومتى تتوب إن لم تتب في هذه الساعات؟ ومتى تعمل إن لم تعمل في هذه اللحظات؟
يا نفس توبي قبل أن لا تستطيعي أن تتوبي واستغفري لذنوبك الرحمن غفار الذنوب
إن المنايا كالرياح عليك دائمة الهبوب
يا من يرى مد البعوض جناحها ... ... في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويرى مناط عروقها في مخها ... ... والمخ في تلك العظام النحل
اغفر لجميع من تاب من زلاته ... ... ما كان منه في الزمان الأول
يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه، وكن كما شئت فكما تدين
ـــــــــــــــــ
إبراهيم بن محمد أحمد عبد الكريم
صنعاء
العميري
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
البشارة بشهر رمضان. 2- فضائل رمضان. 3- صفة الجنة. 4- صفة النار. 5- خصائص الصيام. 6- خيبة من أدرك رمضان ولم يغفر له. 7- الاجتهاد في رمضان.
الخطبة الأولى
أما بعد:
فأوصي نفسي المقصرة وإياكم بتقوى الله سبحانه، ثم أما بعد:
فيقول المولى سبحانه: يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] . ويقول جل وعلا: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185] .
وقال كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: (( إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين ) ). وفي الصحيحين أيضًا من حديث أبي هريرة أن النبي قال: (( من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ).
إخوة الإسلام وأحباب الحبيب المصطفى محمد:
لقد أظلنا شهر كريم وموسم عظيم، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ، شهر الخيرات والبركات، شهر المنح والهبات، شهر النفحات والنسمات، شهر محفوف بالرحمة والمغفرة والعتق من النار.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة أن النبي قال: (( أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم تعطهن أمة من الأمم قبلها ) )الخصلة الأولى: (( خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ) )والخلوف هو الرائحة الكريهة التي تنبعث من فم الصائم نتيجة خلو المعدة من الطعام، ولكن لما كانت هذه الرائحة ناتجة عن عبادة الله تعالى وطاعته كانت هذه الرائحة المستكرهة عند الناس أطيب من رائحة المسك.
الخصلة الثانية: (( وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا ) )، ملائكة الرحمن، عباد الله المكرمون الذين لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] ، يستغفرون لك - يا عبد الله - حتى تفطر، فأيُّ منزلة أعظم من هذه المنزلة؟! وأيُّ مكانة أفضل من هذه المكانة؟!!.
الخصلة الثالثة: (( ويزين الله كل يوم جنته ويقول: يوشك عبادي الصالحون أن يُلقوا عنهم المؤونة والأذى ويصيروا إليك ) )، الجنة - يا عباد الله - تتزين لعباد الله المؤمنين العاملين في كل يوم من أيام هذا الشهر، فهل من عامل كريم، وهل من مشمر لها؟!!.
الجنة - يا عباد الله - لبنة ذهب ولبنة فضة، بلاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا ييأس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، لها ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون، وموضع قدم في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحًا، ولنصيفها أي خمارها خير من الدنيا وما فيها.
وفي صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة، عن النبي قال: (( سأل موسى عليه السلام ربه ما أدنى أهل الجنة منزلة فقال الله سبحانه وتعالى: هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي رب وكيف وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلْكُ مَلِكٍ من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب، فيقول الله: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذَّت عينك، فيقول: رضيت رب، فيقول موسى عليه السلام: رب فأعلاهم منزلة، قال أولئك الذين غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر ) )، فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [السجدة:17] .
وذكر أن سفيان الثوري رحمه الله تعالى وكان من العلماء العاملين الزاهدين العابدين كان كثير الاجتهاد فقال له تلاميذه: يا إمام، هوِّن على نفسك، فقال سفيان: كيف لا أجتهد وقد بلغني أن أهل الجنة يكونون في منازلهم، فيتجلى لهم نور تضيء له الجنان الثمان، فيظنون أن ذلك نور من عند الرب سبحانه وتعالى فيخرون ساجدين، فينادون أن ارفعوا رؤوسكم ليس الذي تظنون إنما هو نور جارية تبسمت في وجه صاحبها.
فنسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يحرمنا خير ما عنده بشر ما عندنا.
منازلك الأولى وفيها المخيم
الجار أحمد والرحمن بانيها
والزعفران حشيش نابت فيها
فحيّ على جنات عدن فإنها
فاعمل لدار غدًا رضوان خازنها
قصورها ذهب والمسك طينتها
هذه الجنة يا عباد الله فكيف بالنار؟ النار يا عباد الله أوقد عليها ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة. نار الدنيا جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم.
وبينما صحابة رسول الله جلوس عنده، وإذا بهم يسمعون صوتًا منكرًا فقال لهم الرسول: (( أتدرون ما هذا؟ ) )قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: (( هذا حجر أرسله الله في جهنم منذ سبعين خريفًا - أي منذ سبعين سنة - فانتهى إلى قعرها الآن ) ). ويقول عليه الصلاة والسلام: (( لو أن قطرة من الزقوم قُطِّرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه الزقوم؟! ) ).
أهون أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا.
يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، فيصبغ في النار صبغة ثم يقال له: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب.
أنسته هذه الصبغة في نار جهنم كل نعيم مر به في حياته الدنيا، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عتقائه من النار في هذا الشهر الكريم.
الخصلة الرابعة: (( تصفد فيه مردة الشياطين، فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره ) ).
الخصلة الخامسة التي خص بها أمة محمد في هذا الشهر الكريم: (( يغفر لهم في آخر ليلة ) )، قيل: يا رسول الله، أهي ليلة القدر؟ قال: (( لا، ولكن العامل إنما يوفَّى أجره إذا قضى عمله ) ).
إخوة الإسلام:
ومن خصائص الصيام أن جعل الله سبحانه وتعالى جزاءه وأجره عليه سبحانه وتعالى، فكل عبادة من العبادات جعل الله سبحانه وتعالى أجرها محدودا كالصلاة والزكاة والحج إلا الصوم فأجره غير محدود، لأنّ الصوم يتجلى فيه الصبر، والله سبحانه وتعالى يقول: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] .
وفي الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي قال: (( قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ) ).
إخوة الإسلام، وأحباب الحبيب المصطفى محمد:
الصوم مدرسة يتربى فيها الصائم طيلة هذا الشهر الكريم، بل جعل الله سبحانه وتعالى علة الصوم تحقيق التقوى كما قال سبحانه: يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] ، فجعل الله سبحانه وتعالى علة الصوم والحكمة من فرضيته هو تحقيق هذه الكلمة العظيمة، فالصائم يجهد نفسه في نهار رمضان بالصيام وترك الأكل والشراب والجماع مما أباحه الله له، فالمحرمات من باب الأولى، كل ذلك إيمانًا بالله واحتسابًا لما عند الله من الأجر والثواب، وكذلك فإن الصائم يستشعر عظمة الخالق سبحانه وتعالى ومراقبته في كل جارحة من جوارحه، وفي كل عضو من أعضائه، فكما أنه صام عمَّا أباحه الله من طعام وشراب وجماع، فكذلك يصوم عمَّا حرَّمه الله من كذب وغيبة ونميمة ونظرة آثمة.
ولذلك يقول الله عز وجل كما في الحديث القدسي: (( الصيام جُنَّة - أي وقاية للصائم من الوقوع في أي معصية أو ذنب - الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، إني امرؤ صائم ) ).
وهكذا يا عباد الله إذا حقق الصائم هذه الكلمة الدينيّة - كلمة التقوى -، واستشعر عظمة الله ومراقبة الله، واتقى الله في كل جارحة من جوارحه، وفي كل عضو من أعضائه، فاز في الدنيا والآخرة، وفرح في الدنيا والآخرة، يقول رسول الله: (( للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه ) ).
وأما إذا لم يحقق العبد هذه الكلمة فقد أتعب نفسه، وليس له حظ من صيامه إلا الجوع والعطش، كما قال: (( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) )، ويقول: (( رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ) ).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لّلْعَبِيدِ [فصلت:46] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
أما بعد:
صعد النبي المنبر فارتقى الدرجة الأولى فقال: (( آمين ) )، ثم ارتقى الدرجة الثانية فقال: (( آمين ) )، ثم ارتقى الدرجة الثالثة فقال: (( آمين ) )، فلما نزل الرسول من المنبر قال الصحابة: يا رسول الله، لقد سمعنا منك اليوم شيئًا ما كنا نسمعه فقال: (( إن جبريل عرض لي في الدرجة الأولى فقال: بَعُدَ من أدرك رمضان فلم يغفر له، فقلت: آمين ) ).
هذه دعوة من أفضل أهل السماء جبريل عليه السلام، ويؤمِّن عليها أفضل أهل الأرض محمد .
فهل من مشمر لعمل الطاعات في هذه الشهر الكريم؟ وهل من مستثمر لهذا الموسم العظيم؟ كان رسول الله من أكثر الناس اجتهادًا في هذا الشهر العظيم، وكان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة.
وهكذا كان سلف هذه الأمة، كان السلف رحمهم الله يعتمدون على العصي من طول القيام في هذا الشهر الكريم، وكانوا إذا دخل هذا الشهر الكريم تفرغوا لقراءة القرآن وعبادة الرحمن، وكان الإمام مالك رحمه الله إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف، وكان السلف يسمون هذا الشهر شهر القطيعة من الخلق والإقبال على الخالق، فلنتسابق عباد الله إلى الخيرات ولنتنافس على الطاعات وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:27] .
يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه، وكن كما شئت فكما تدين تدان.
ــــــــــــــ
عادل بن أحمد باناعمة
جدة
محمد الفاتح
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-أصناف الناس في استقبالهم شهر رمضان. 2- استقبال النبي شهر رمضان. 3- خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان. 4- خصائص شهر رمضان. 5- فضل عبادة الصوم. 6- الاختبارات وشهر رمضان. 7- بعض أحوال المسلمين في رمضان. 8- دعوة لاغتنام شهر رمضان قبل فواته.
الخطبة الأولى
قفوا يا رجال!
وسط سواد الدخانْ
هنا بذرة الوعد تنمو، وإشراقة الفجر تبدو
ويهوي الهوانْ
وما بين حر اللهيب ونزف الحريق يكون الأمانْ!
إذا لم ترد الحقوق الخطبْ
فلن يفهم الخصم إلا كلام اللهبْ
نعم وحده كلام اللهب يفهم المعتدين.
ومع اقتراب هذا الشهر المبارك شهر الفداء والجهاد تجددت صور التضحيات والبطولة، كأنما جاء رمضان ليهز الأمة من غفوتها ويذكرها بمجدها وواجبها.
مع اقتراب هذا الشهر العظيم الذي تنزل فيه القرآن تنزلت الصواعق على رؤوس يهود تقول لهم: نحن هنا، في كل ذرة رمل، وتحت كل شجرة ليمون، وفوق كل غصن زيتون.
مع اقتراب هذا الشهر بدأ إخواننا ينشدون بأفعالهم قول من قال:
لغة الخصوم من الرجوم حروفها ... فليقرؤوا منها الغداة فصولا
لما أبوا أن يفهموا إلا بها ... رحنا نرتلها لهم ترتيلا
فلله دره من شهر مبارك ...
إيه يا شهرنا العظيم شموخا ... ... قد تنسمت من شميم الوادي
ضمنا ضمنا إليك فإنا ... ... لم نزل من بنيك والأحفاد
أطلق الروح من عقال التوابيت ... ... وزين أيامنا بالجهاد
يا أخوتاه ...
لم يعد يفصل بيننا وبين رمضان غير ساعات معدودات تمر مر البرق وتنقضي انقضاء الحلم، ويا للعجب العجاب كيف تصرم عام كامل بكل مافيه فإذا بنا مرة أخرى نستقبل هذا الشهر العظيم.
فهنيئًا لي ولكم ولأمة الإسلام هذا الموسم العظيم والشهر الكريم.
وحيهلا بأيامه المباركات وساعاته الطيبات.
أتى رمضان مزرعة العباد ... ... لتطهير القلوب من الفساد
فأد حقوقه قولًا وفعلًا ... ... وزادك فاتخذه للمعاد
فمن زرع الحبوب وما سقاها ... ... تأوه نادمًا يوم الحصاد
وأريدك أيها الأخ الحبيب أن تقف مع نفسك قليلًا.
ذلك أن الناس في استقبال هذا الشهر العظيم على ثلاثة أصناف:
فمنهم من هو إليه بالأشواق، يعد الأيام والساعات شوقًا ورغبة إلى لقاء رمضان، الشهر الذي أحبه وأنس به، ولسان حاله يقول:
مرحبًا أهلًا وسهلًا بالصيام ... يا حبيبا زارنا في كل عام
قد لقيناك بحب مفعم ... كل حب في سوى المولى حرام