للدكتور/ محمد البهي رحمه الله
(المدير العام للثقافة الإسلامية)
ربما يُقَال أيضًا: وكثيرًا ما قيل إن الإسلام دين صالح للبدائيين من الناس؛ هو يُعينهم على الانتقال من حالهم إلى مستوًى أفضل؛ ولذا صلح لقبائل الصحراء، ولكن المجتمع المتحضر ليس في حاجة إليه!
أي مجتمع متحضر؟ مجتمعنا المعاصر مثلًا! . إنه مجتمع الحضارة المادية الصناعية؛ مجتمع العلم الطبيعي والرياضي. والحضارة المادية الصناعية تعين على تبليغ الإنسان مستوًى رفيعًا في المعيشة؛ ولكنها لا تستطيع أن تبلغه مستوًى إنسانيًّا رفيعًا؛ لأنها لا تمارس مهمتها في القيم، وإنما تباشرها في المادة والآلة. والعلم الطبيعي الرياضي يلعب دوره في الكشف عن القوى الكونية، ولكنه لا يعالج القيم الإنسانية، بل ربما حمل الناس على الإغراء بالقوة المادية، والسخرية بالقيم المعنوية.
ليس هناك تلازم بين مستوى الحضارة المادية والمستوى الفاضل للإنسانية، ولا بين العلم الطبيعي الرياضي من جانب والقيم الإنسانية من جانب آخر، إن الذي يبلغ إلى المستوى الفاضل في الإنسانية وإدراك القيم الإنسانية هو التوجيه. والذي يُوصِّل إلى القيمة العليا وهي الله الدين. والإسلام دين،"وتوجيه"معًا.
قد يرتفع المجتمع الإنساني في الحضارة المادية، ومع ذلك ينخفض في المستوى الإنساني. وقد يتقدم العلم في مجال الطبيعة والرياضة، ومع ذلك يتأخر وضع العلماء ووضع مجتمعهم في القيم الإنسانية.
فإذا طغت الأنانية والفردية، ووهنت روابط المجتمع، وضعف الإيمان بالله أو انعدم؛ فلا توجد خصائص المستوى الإنساني الرفيع. وإذا دفعت الحضارة المادية الصناعية إلى الاحتكاك والاصطدام؛ أي إذا دفعت إلى الاعتداء على البشرية؛ انعدم المستوى الفاضل للإنسانية بين أصحاب هذه الحضارة.
وإذا استخدم الإنسان العلم الطبيعي والرياضي للقلق، والاضطراب، والإبادة، أو الترشيد، فأصحابه ليسوا ذوي مستوى فاضل في الإنسانية.
إن الإنسانية غير الآلة؛ الإنسانية حرة لها مشيئة، والآلة عديمة المشيئة والاختيار. فلا يكفي أن تُدَار الآلة بل لا بد لها من قيادة. وقيادتها في الإنسان. وقيادة الإنسان لنفسه وللآلة معًا قيادةً صالحةً يوم يُدرِك القِيم؛ يوم يدرك الخير والشر، ويوم يدرك الأخوة والتعاون، ويوم يدرك الله.
إن التقوى، وهي تقوى الله، وهي البر، والتعاطف، والصبر، والمثابرة، غير العلم الطبيعي والرياضي. والعلم الطبيعي والرياضي لا ينفع إلا إذا صحبته التقوى.
الإسلام توجيه نحو المستوى الفاضل للإنسانية. هو توجيه نحو هذا المستوى أينما وُجِد الإنسان، في بادية أو في مدينة؛ في مجتمع عديم الحضارة المادية، أو في آخر له حضارة صناعية.
المجتمع الإسلامي كما وصفه الله ـ تعالى ـ في الآية التالية: رسالة التزكية والطهر من طغيان الحيوانية، ورسالة الحكمة المُمثَّلة في إدراك القيم والمُثُل، ورسالة الانتقال من الانحراف إلى الاستقامة في السلوك الإنساني. سواء لمن جاء القرآن لهم وقت مجيئه، أو لمن كان معهم بغير لغة العرب، أو لمن يجيئون بعدهم من جميع الأجناس في الأجيال القادمة، في أي مكان وأي زمان.
"هُوَ الذي بَعَثَ في الأُمِّيينَ رسولًا منهم يتْلُو عليهم آياتِهِ ويُزكِّيهِمْ ويُعلِّمهُمُ الكتابَ والحكمةَ وإن كانوا منْ قبلُ لفي ضلالٍ مُبينٍ * وآخَرينَ منهم لَمَّا يَلحَقُوا بهم وهو العزيزُ الحكيمُ". صدق الله العظيم.
النظام التربوي لا يكفي:
ولكن ربما يُقَال: إن نظام التربية قد يقوم بهذه الرسالة التي يؤديها النظام الإسلامي نحو تبليغ الإنسان إلى المستوى الفاضل في الإنسانية، إنه قد يوجه الإنسان إلى القيم الرفيعة؟
أي قيمة رفيعة؟. أَإِلى المشيئة والاختيار، أو إلى المجتمع، أو إلى وحدة الألوهية؟. إن كان هذا النظام يبلغ إلى ذلك فهو الإسلام أخذ اسم نظام التربية. وإن أوصل إلى القيم، عدا الألوهية ووحدة الله فيها فهو لم يُوصِّل الإنسان إلى منتهى القيم! ولذا يقصر عن أن يوصل إلى المستوى الفاضل الكامل في الإنسانية.
على أن الإسلام ليس نظامًا توجيهيًّا فحسب. بل هو دين يدفع عن طريق الإيمان بالله أولًا، وعن طريق الخشية منه ثانيًا. تتكون الخشية من الله، فيتكون الضمير، فيندفع الإنسان دفعًا ذاتيًا إلى إدراك القيم وتمثلها في نفسه، ثم يعمل طبقًا لما تمثَّلَه في نفسه منها؛ فيكون عمله عملًا صالحًا.
هنا في الدين، قد عمر قلب الإنسان أولًا بالإيمان، ثم أدرك عقله القيم ثانيًا."واتَّقُوا اللهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللهُ".
أما توجيه التربية فهو توجيه للإدراك والعقل أولًا، وقلما يتكون إيمان يسكن القلب ويعمره.
ــــــــــــــــــــ