فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 248

الشيخ عكرمة صبري"مفتي فلسطين"و الشيخ رائد صلاح"شيخ الأقصى"على مائدة رمضان

أجرى الحوار: خالد الزغاري فلسطين

قرب باب خيمة الاعتصام التي نصبت قبالة مكاتب باراك جلست مع فضيلة الشيخ عكرمة صبري رئيس الهيئة الإسلامية العليا والمفتي العام للقدس والديار الفلسطينية، وفضيلة الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية داخل فلسطين المحتلة عام 1948م ورئيس بلدية أم الفحم الذي أصبح يعرف شيخ الأقصى لأنه من أكبر الناس همًّا بالمسجد الأقصى المبارك.

اجتمعت بهما للحديث حول شهر رمضان المبارك، وكان الشيخ رائد صلاح وبصفته رئيسًا لبلدية أم الفحم يعتصم داخل خيمة الاعتصام التي أقيمت احتجاجًا على سياسة التمييز التي تنتهجها حكومة أيهود باراك تجاه السلطات المحلية العربية ومجالسها البلدية، والشيخ رائد دائمًا من أول المبادرين للاعتصام والتضامن لأجل قضية بلاده التي هي قضية المسلمين عامة، حتى إنه تم الاعتداء عليه خلال مظاهرة احتجاج قرب الخيمة قبل أسبوع من إجراء الحوار معه.

لم يعد رمضان متسقًا مع إيقاع حياتنا المعاصرة، فما رأيكم في تغييره؟

الشيخ عكرمة: لا بد من التأكيد على أن شهر رمضان هو شهر عبادة من أوله لآخره، فهو عبادة في الصوم وفي أداء الصلوات من الفرائض والنوافل والتراويح وقيام الليل، وهو عبادة في إخراج الزكاة وصدقة الفطر، ويتميز هذا الشهر بأن عبادته متصلة بالله سبحانه وتعالى وهي خالية من الرياء والمباهاة، لأن الإنسان الصائم لا يعرف في صومه إلا الله سبحانه وتعالى لذا أعد الله سبحانه وتعالى للصائم ثوابًا عظيمًا لا يعرف مقداره أحد من البشر، وإنه مما يلاحظ في أيامنا هذه خروج بعض الناس عن روح رمضان، وذلك بالإكثار من أنواع الأطعمة والبذخ وكذلك بإقامة السهرات، فكأن رمضان قائم على الغنى والرقص، وهذه المظاهر السلبية قد تكررت في السنوات الأخيرة، ونحن نؤكد على العنصر الروحي لشهر رمضان بحيث يقوم المسلم بأعمال وتصرفات تنسجم مع بركة هذا الشهر وأهميته.

ويضيف الشيخ رائد: لا بد من إحياء الدين الذي سيعيدنا بشكل تلقائي إلى إحياء رمضان الكريم، وإحياء رسالة هذا الشهر الفضيل، شهر الصبر والنصر وشهر التكافل بين أبناء الأمة الإسلامية الذي كان يأتي على الأمة ليؤكد لهم كل عام أنهم جسد واحد إذا اشتكى منه عضو يجب أن تتداعى له كل الأعضاء بالسهر والحمى.

كنتم وأنتم صغار تستقبلون رمضان بطقوس خاصة، الآن اختفت هذه الطقوس في استقبال رمضان وفي لياليه وفي الاحتفال بالعيد، وحلت مكانها برامج تليفزيونية وألعاب بلاستيكية، فهل يمكن أن نستعيد ما تاه فيه أضواء المدينة؟‍

الشيخ رائد: بطبيعة الحال لقد فقدنا خيرًا عظيمًا عندما غابت تلك العادات الطيبة والبريئة التي كنا نستقبل فيها رمضان، ولكننا رغم ذلك لم نصل إلى طريق مسدود يمنعنا من العودة إلى تلك الأجواء بنفس العادات مما يؤدي إلى نفس النتيجة المباركة، خاصة وأننا نحيى في ظروف مميزة تمر على القدس والأقصى، ويحتاج منا ذلك أن نشعر كل الأمة الإسلامية في كل العالم في كل ظرف ومناسبة أن القدس الشريف في خطر وأن الأقصى المبارك في خطر، وأنهما ليسا ملكًا للمسلمين الفلسطينيين، وإنما هما قلعة التوحيد ومعقل الإيمان لكل المسلمين في كل العالم، ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا، ولذلك أتمنى على نفسي وعلى المسلمين في بيت المقدس وأكنافه أن نعود إلى تلك الأجواء التي تحفظ الفطرة السليمة.

ويلتقط الحوار الشيخ عكرمة فيقول: الطقوس التي كانت سابقًا هي مظهر من مظاهر البهجة والفرح لاستقبال رمضان، وإن سبب اختفائها يعود إلى الظروف السياسية والأمنية التي مرت بها بلادنا فلسطين، فالمسحراتي يخاف من الخروج ليلًا، وكذلك الأطفال الذين كانوا ينشدون في الأزقة والطرقات قد اختفوا بسبب فرض منع التجول والقمع من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وهناك سبب آخر وهو انتشار أجهزة التلفاز والمحطات الفضائية في البيوت، فالمرء يرغب في مشاهدة البرامج التلفازية بدلًا من خروجه إلى الأزقة والشوارع، أما إمكانية استعادة الطقوس السابقة فتأخذ وقتًا طويلًا، وأتصور أننا لن نستطيع استعادتها في القدس إلا بعد انتهاء الاحتلال الإسرائيلي.

على مر التاريخ الإسلامي كان يأتي الخير منهمرًا في رمضان، يتحقق النصر المأمول، ويفرج الهم، هل أصابك شيء من هذه النفحات في تاريخك الشخصي؟ الشيخ رائد: لا شك في ذلك، فهناك المواقف المحرجة التي عشتها كمسلم يصارع فتنًا تحيط به من كل جانب، أو كملتزم في الحركة الإسلامية يعيش ومن حوله المؤامرات المتواصلة على الإسلام والمسلمين وعلى العرب والفلسطينيين، ففي خلال هذه الأجواء كنا نستبشر بالفرج واليسر بعد امتحانات صعبة ما كان لها أن تنفرج علينا لولا لطف الله تعالى في أجواء هذا الشهر الفضيل وفي رحاب المسجد الأقصى المبارك، وهذا الأمر أكد لي بالدليل القطعي التاريخي وبالدليل القطعي المعاصر أن من أخلص للمسجد الأقصى المبارك فإن اللهتعالى يكرمه بالفتوحات الربانية واللطائف الرحمانية التي تحفظه وتحرسه وتسدد خطاه من حيث لا يحتسب.

ويعقب الشيخ عكرمة في أسىً ظاهر: نعم لقد أكرمنا الله هنا بالكثير من فضله، ولكن مع الأسف نحن ندرس في التاريخ عن الانتصارات التي تحققت في مراحل من الزمن بدءًا بمعركة بدر وانتهاءً بعين جالوت، لا شك نحن نتغنى بأمجاد الماضي، لكن هذه الأمجاد لم تتكرر في عهدنا، فإننا ما زلنا نجتر مأساة مجزرة الخليل التي حصلت في منتصف شهر رمضان عام 1994م ـ 1414هـ.

الإيمان عادة يزيد وينقص، إلا أنه في رمضان من المفروض أنه يزيد ويزيد فقط، هل هذا ممكن؟ وكيف تحققه بنفسك؟

الشيخ عكرمة: ما من شك أن الإيمان يزيد وينقص، والأحرى بالمسلم أن يزيد إيمانه في شهر رمضان المبارك، ويمكن تحقيق ذلك بالصوم أولًا وبتلاوة القرآن الكريم وأداء صلاة التراويح ثانيًا، بالإضافة إلى الصلوات المفروضة والابتعاد عن الغيبة والنميمة والخوض في أعراض الناس وتجنب الجدل والخصومة.

نحن نؤكد دائما يقول الشيخ رائد مكملا الحوار أن الله تعالى أعلم بمن اتقى وهو الذي يزكي من يشاء ويكرم من يشاء، ونبقى على رجاء أن تسعنا هذه الرحمة الربانية التي وسعت كل شيء، خصوصًا في شهر رمضان المبارك الذي تصفد فيه الشياطين فتخنس وتلجم وتختفي وساوسها ودسائسها الباعثة للشر والفجور، وخصوصًا ونحن نعيش في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس الذي بارك الله فيه وحوله والذي منحة الرسول عليه الصلاة والسلام من الله شهادة دائمة إلى قيام الساعة عندما قال لنا وهو الذي لا ينطق عن الهوى:"لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله"، قالوا: وأين هم يا رسول الله؟ قال:"في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس".

لذلك فسنبقى على أمل أن تعمنا اللطائف الرحمانية في شهر الكرم، وفي هذه البقعة المباركة حصن الظاهرين على الحق إلى قيام الساعة.

هو شهر في العام اسمه رمضان، أما فعله فلا حدّ له من عمق أثره، فالبركة فيه تعم حتى في الفريضة لتكون بأجر سبعين فيما سواه، هل حلت عليك البركة؟

الشيخ عكرمة: نحن نأمل من الله سبحانه أن تحل بركة هذا الشهر على جميع الصائمين، وإنني أحس في كل رمضان أن أعمالي تكثر والتزاماتي تزداد، وهذا من بركة رمضان.

وأما الشيخ رائد فيقول: إن بداية الصراع بين الحق والباطل تبدأ بين إرادة الإنسان والهوى المغروز في داخله، فإذا انتصر في هذه المعركة فهو مؤهل أن ينتصر في غيرها، ولا شك أنها معركة داخلية في صدره فإذا انتصر في هذه المعركة الداخلية مع هوى نفسه فهو مؤهل أن ينتصر في معاركه الخارجية مع أعدائه على اختلاف عناوينهم وأحزابهم، ولا شك أن رمضان الكريم هو مدرسة لنا، وهذا هو البعد العسكري الذي يدرب الإنسان حتى يتفوق بإرادته على نفسه فيحرز نصرًا مباركًا في هذا الصراع الأبدي الذي يدور في داخله، ولعلي هنا أتذكر حديث رسول الله عليه السلام الذي يقول فيه:"الشيطان رابض على قلب ابن آدم فإذا ذكر الله خنس وإذا سكت وسوس"وحتى نصل إلى هذا الإنسان الذاكر الذي يخنس لذكره الشيطان لا بد لنا من هذه المدرسة مدرسة رمضان: شهر القرآن وشهر الذكر.

يرتبط الجهاد والإيمان برمضان أكثر مما يرتبطان بسواه، لماذا وكيف؟

الشيخ عكرمة: نلاحظ أن معظم الانتصارات والمعارك وقعت في شهر رمضان، وكان آخرها حرب رمضان في مصر، وهذا يؤكد على أن الصوم لا يضعف من الهمة ولا يضعف من الصحة بل إن إرادة الصائم تكون أقوى من إرادته في غير رمضان، وإن الذي يتصور أن شهر رمضان هو شهر كسل وخمول فإنه في الحقيقة لا يدرك معنى الصوم ولم يتذوق روحانية هذا الشهر المبارك.

ويعقب الشيخ رائد رابطًا الماضي بالمستقبل: أحب أن يكرمنا الله تعالى بإحياء رسالة رمضان التي كانت في تاريخنا فأثمرت بدرًا وفتح مكة وفتح الأندلس، أحب أن تلتقي الأمة على إحياء معاني رمضان وبشكل خاص على إحياء معنى الوحدة ظاهرًا وباطنًا في حياة الأمة الإسلامية، فرمضان الذي يوحد الأمة في ظاهر حياتها من خلال جلسة السحور ومتعة الفطور وبركات صلاة التراويح، كم أتمنى أن ينعكس ذلك على وحدة القلوب بعد أن أعطانا رمضان وحدة القوالب، ولعل ذلك سيتحقق قريبًا بإذن الله رب العالمين، حتى يصبح جرح فلسطين وجرح الشيشان وما بينهما من جراح حتى تصبح كلها جرحًا واحدًا وألمًا واحدًا يلتقي عليه حاضر الأمة الإسلامية بدون استثناء.

هل هناك شيء تحب أن يتحقق في رمضان؟

الشيخ رائد: أسال الله سبحانه وتعالى أن يكرم الأمة الإسلامية خلال رمضان المبارك بإحياء دينها وتجديد إيمانها، واستحضار قوتها واستعدادها الدائم للقاء الله تعالى، إنني أسال الله تعالى أن يكرمني وأن يكرم الأمة الإسلامية عاصيهم وطائعهم بهذا اللطف الرباني، لأن في ذلك ربح الدنيا والدين، وربح الدنيا والآخرة، وعزة الإسلام والمسلمين بإذن الله تعالى.

ويلخص الشيخ عكرمة الأمنيات قائلًا: أتمنى أن أرى وحدة المسلمين وانتهاء الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وأن يرفع عن الأمة الإسلامية الخلافات والانشقاقات وكثرة الجدل.

لو أردت أن تتكلم بلسان حال المسجد الأقصى فماذا ستقول لمسلمي العالم؟

الشيخ عكرمة: المسجد الأقصى يستنهض الهمم ويستغيث لأنه في خطر، ويطالب المسلمين أن يتوحدوا لإنقاذه من الاحتلال الإسرائيلي.

ويكمل الشيخ رائد: إن كنت قائلًا سأقول كما قال شاعرنا:

أنا ثالث الحرمين لا أبغي سوى ... أن تستحي من نكبتي يا أمتي

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت