"واعلم أن المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه، جهاد بالنهار على الصيام وجهاد بالليل على القيام، فمن جمع بين هذين الجهادين ووفى بحقوقهما وصبر عليهما وُفي أجره بغير حساب" [لطائف المعارف:360] .
ومن صور اختصاص شهر رمضان بالقرآن الكريم صلاة التراويح، فهذه الصلاة أكثر ما فيها قراءة القرآن، وكأنها شرعت ليسمع الناس كتاب الله مجودًا مرتلًا، ولذلك استحب للإمام أن يختم فيها ختمة كاملة.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره [لطائف المعارف:356] . ومما يؤيد ذلك ما رواه الإمام أحمد عن حذيفة قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة من رمضان فقام يصلي، فلما كبر قال: الله أكبر، ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة ثم قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران، لا يمر بآية تخويف إلا وقف عندها ثم ركع يقول: (( سبحان ربي العظيم ) )مثل ما كان قائمًا ثم رفع رأسه فقال: (( سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ) )مثل ما كان قائمًا ثم سجد يقول: (( سبحان ربي الأعلى ) )مثل ما كان قائمًا ثم رفع رأسه فقال: (( رب اغفر لي ) )مثل ما كان قائمًا ثم سجد يقول: (( سبحان ربي الأعلى ) )مثل ما كان قائمًا ثم رفع رأسه فقام، فما صلى إلا ركعتين حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة [أحمد، مسند باقي مسند الأنصار رقم:22309] .
وكان عمر قد أمر أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما بالناس في شهر رمضان فكان القارئ يقرأ بالمائتين في ركعة حتى كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر، وفي رواية أنهم كانوا يربطون الحبال بين السواري ثم يتعلقون بها [لطائف المعارف:356] . وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال وبعضهم في كل سبع منهم قتادة، وبعضهم في كل عشرة منهم أبو رجاء العطاردي. [لطائف المعارف:358] .
كل هذا التطويل والقيام من أجل تلاوة القرآن وتعطير ليالي شهر القرآن بآيات القرآن.
وإذا كان هذا شأن القرآن في رمضان فما أجدر العبد المؤمن أن يقبل عليه، ويديم النظر فيه، وإني أقترح على الأخ المؤمن الصادق أن يجعل له مع القرآن في هذا الشهر ثلاثة مسارات:
المسار الأول: مسار الإكثار من التلاوة وتكرار الختمات، فيجعل الإنسان لنفسه جدولًا ينضبط به، بحيث يتمكن من ختم القرآن مرات عديدة ينال خيراتها وينعم ببركاتها.
المسار الثاني: مسار التأمل والتدبر، فيستفتح الإنسان في هذا الشهر الكريم ختمة طويلة المدى يأخذ منها في اليوم صفحة أو نحوها مع مراجعة تفسيرها وتأمل معانيها، والتبصر في دلالاتها واستخراج أوامرها ونواهيها ثم العزم على تطبيق ذلك ومحاسبة النفس عليه، ولا مانع أن تطول مدة هذه الختمة إلى سنة أو نحوها شريطة أن ينتظم القارئ فيها ويكثر التأمل ويأخذ نفسه بالعمل، ولعل في هذا بعض من معنى قول الصحابي الجليل: (كنا نتعلم العشر آيات فلا نجاوزهن حتى نعلم ما فيهن من العلم والعمل) .
المسار الثالث: مسار الحفظ والمراجعة، فيجعل لنفسه مقدارا يوميًا من الحفظ ومثله من المراجعة، وإن كان قد حفظ ونسي فهي فرصة عظمى لتثبيت الحفظ واسترجاع ما ذهب، ولست بحاجة إلى التذكير بجلالة منزلة الحافظ لكتاب الله ورفيع مكانته، وحسبه أنه قد استدرج النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى له.
أخي الكريم ... ها قد عرفت من فضل القرآن ما قد عرفت، وعلمت من ارتباط هذا الشهر الكريم بالقرآن العظيم ما قد علمت، فلم يبق إلا أن تشمر عن ساعد الجد، وتأخذ نفسك بالعزم، وتدرع الصبر، وتكون مع القرآن كما قال القائل:
أسرى مع القرآن في أفق ... ... فذ تبارك ذلك الأفق
وسرى به في رحلة عجب ... ... من واحة الإيمان تنطلق
وارتاد منه عوالمًا ملئت ... ... سحرًا به الأرواح تنعتق
يامن يريد العيش في دعة ... ... نبع السعادة منه ينبثق
"عباد الله هذا شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وفي بقيته للعابدين مستمتع، وهذا كتاب الله يتلى فيه بين أظهركم ويسمع، وهو القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعًا يتصدع، ومع هذا فلا قلب يخشع ولاعين تدمع ولا صيام يصان عن الحرام فينفع ولا قيام استقام فيرجى في صاحبه أن يشفع". [لطائف المعارف:364ا/365] .
فهل للنفس إقبال؟ وهل للقلب اشتياق؟ وهل نملأ شهر القرآن بتلاوة القرآن؟
ـــــــــــــــ
عادل بن أحمد باناعمة
جدة
محمد الفاتح
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-صورة مخزية لاستعداد الناس لرمضان. 2- صور من صنيع السلف في رمضان. 3- رمضان شهر المواساة.
الخطبة الأولى
عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فقد أمرنا الله بذلك في قوله: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102] . يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] . يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] .
وبعد:
معذرة يا شهر الخير والعزة والبركة والانتصارات!!!
معذرة إليك إذا لم تجد عندنا ما كنت تأمل وترجو ...
لقد كنت تشرق على أمة الإسلام وهي عزيزة لم تقف على الأبواب، ولم تستعطف الأعداء ولم تخضع للكافرين.
كنت تشرق عليها وإن في كل أرض منها أذانا يعلو، ومنائر ترتفع، وشعائر يعالن بها الناس.
كنت تشرق عليها وإنها لسيدة العالم، وقائدة الدنيا.
واليوم على ماذا تشرق؟؟
على جرح فلسطين الدامي؟ أم على آلام أفغانستان؟ أم على مذبحة الإسلام في البوسنة والهرسك؟ أم على فجيعة الشاشان؟ أم على مصيبة كشمير؟
معذرة يا رمضان لقد أطرقت رؤوسنا خجلا، وعدت إلينا وقد غرقنا في ذلنا ..
رمضان عدت وهذه أوطاننا ... عم الفساد بها وزاد وطالا
ضاعت مقاييس الفضيلة بيننا ... وتبدلت أحوالنا أوحالا
وما فتئ الزمان يدور حتى ... مضى بالمجد قوم آخرونا
وأصبح لا يرى في الركب قومي ... وقد كانوا أئمته سنينا
وآلمني وآلم كل حر ... سؤال الدهر أين المسلمونا؟
كنت تأتي قوما أعدوا العدة لاستقبالك، وفهموا سرك، وعرفوا مغزاك، فهم ينتظرونك ويترقبونك، ويتهيأون لك بالصلاة والصيام والتهيئة العبادية، كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يدركوا فضيلتك، ثم يدعونه باقي العام أن يتقبل، كانوا يقولون: اللهم سلمنا إلى رمضان، وسلم لنا رمضان، وتسلمه منا.
لقد علم هؤلاء أنك جئت لتعلمهم كيف يترفعون عن المظاهر الحيوانية التي غاية أكلها الأكل والشرب وإشباع الغريزة، وعلموا أنك جئت لتعلمهم كيف يخرجون من شهواتهم النفسانية.
هذا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يؤتى له بإفطاره وقد كان صائما وفيه نوعان من الطعام، فيبكي! فيسأله أهله: ما يبكيك؟ فيقول: تذكرت مصعب بن عمير مات يوم مات ولم نجد ما نكفنه به إلا بردة إذا غطينا رأسه بدت قدماه، وإذا غطينا قدميه بدا رأسه، ونحن اليوم نأكل من هذه الأنواع، وأخشى أن تكون طيباتنا عجلت لنا!!!
واليوم يا رمضان إلى من تأتي؟
إلى قوم ما عرفوا عنك إلا أنك شهر الجوع في النهار والشبع في الليل؟ إلى قوم ما عرفوا عنك إلا أنك شهر التنويع في الأطعمة والإكثار منها؟ إلى قوم لم يكن زادهم لاستقبالك إلا طعاما وشرابا؟ وكأنك يا رمضان جئت تعلمهم فنون الطبخ، وطرائق الأكل !!!
كنت تطل على قوم أسهر لك ليلهم، وأظمأوا نهارهم، وأدركوا أنك موسم لا يعوض فبذلوا الغالي والنفيس.
سمعوا قول الله: أَيَّامًا مَّعْدُوداتٍ [البقرة:184] . فأرادوا ألا تضيع منهم.
كنت تنظر إليهم، وهم بين باك غلبته عبرته، وقائم غفل عن دنياه، وساجد ترك الدنيا وراء ظهره، وداع علق كل أمله في الله.
ـ سجد مرة بن شراحيل لله حتى أكل التراب جبهته. [نزهة:335] .
ـ كان صفوان بن سليم يقوم من الليل حتى ترم قدماه وتظهر فيها عروق خضر. [نزهة:498] .
ـ وصلى عبد الله بن الزبير في الحرم وإن حجارة المنجنيق لتتساقط بين يديه وخلفه م يشعر بها!
ـ وبكى عمر رضي الله عنه حتى صار في خديه خطان أسودان من أثر الدمع!
ـ وسمع عبد الله بن الفضيل قوله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذّبَ بِئَايَاتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام:27] . فبكى حتى غشي عليه، ثم حمل ميتا!
لقد صدق فيهم قول الله تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [السجدة:16-17] .
واليوم على من تطل يا رمضان؟
هل تطل إلا على مساكين ليس في ليلهم إلا اللهو واللعب.
هل تطل إلا على حمقى تركوا الصلاة وانشغلوا بهذه القنوات الفضائية؟
هل تطل إلا على كسالى غاية جهد أحدهم أن يصلي مع الإمام ثمان ركعات ثم ينصرف معجبا مزهوا وكأنه قضى حق العبادة، وفرغ من واجب الله عليه؟
هل تطل إلا على قساة القلوب، الذين يتولج القرآن سمعهم بكرة وعشية فلا تهتز له قلوبهم ولا تدمع له أعينهم؟
سامحنا يا رمضان ... لقد قست قلوبنا! تحجرت أفئدتنا! قحطت أعيننا! لم نعد نحس بحلاوة الطاعة، ولا بجمال العبادة، ولا بأنس المناجاة!!!
لقد كنت تفد إلى قوم تآخوا على غير أرحام بينهم، عرفوا قيمة الإخاء فلزموه، وفهموا قدره فقاموا بحقوقه وواجباته، وعرفوا قوله صلى الله عليه وسلم: (( المسلم أخو المسلم ) )فكانوا بحق إخوة وأحبابا.
كانوا جسدا واحدا، يرحم الكبير الصغير، ويحترم الصغير الكبير، يعيشون بالود، ويتعاملون بالحب، حياتهم صفاء، وعيشهم وفاق، لا تباغض، ولا تحاسد، ولا حقد.
يألم أحدهم لألم أخيه، ويأسى لأساه، يقضي حوائجه، ويسد خلته، ويتلمس مصالح ليقضيها.
جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنه وهو معتكف يسأله قضاء حاجة له، فقام ابن عباس ليخرج معه، فقالوا له: إنك معتكف! فقال: لأن أسعى في قضاء حاجة أخي أحب إلى من اعتكاف شهرين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واليوم يا رمضان ... هل تفد إلا على قوم استبدلوا العداوة بالإخاء، والخصومة بالصفاء، ورضوا بالتباغض والشحناء؟! وكأنه لم ينته إليهم قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( ترفع الأعمال إلى الله كل اثنين وخميس فيغفر لمن شاء إلا رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء فيقول: انظروا هذين حتى يصطلحا ) ).
هل تفد إلا على قوم ضمر فيهم حس الأخوة الإيمانية، والرابطة الربانية، فهم لا يشعرون بمصاب إخوانهم في شرق الأرض وغربها، ولا يهتزون للأعراض المنتهكة والأراضي المغتصبة، والحقوق المهدرة، وكأنهم لم يسمعوا قوله صلى الله عليه وسلم: (( من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ) ).
هل تفد إلا على مجتمع لا يكاد يعرف فيه الجار جاره، والقريب قريبه؟
معذرة يا رمضان ...
هذه جراحنا ... هذا واقعنا الذي نعيشه.
هكذا تبدلت الدنيا، وتغير الناس، واستحال الزمن زمنا آخر.
هكذا نحن ...
فهل نجد في أيامك هذه المباركات ما يغير الحال؟
وهل تكون لنا محطة نخرج منها بوجه غير الوجه الذي دخلنا به؟
نرجو ذلك ...
ـــــــــــــــ
أمين بن نور الدين بتقة
بوزريعة
عثمان بن عفان
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-حسرة في وداع رمضان. 2- تجديد ليلة القدر. 3- فضل ليلة القدر. 4- فضل الاستغفار والدعوة له في نهاية الشهر. 5- شهر عتق الرقاب. 6- حذار من الغرور. 7- بعض أحكام زكاة الفطر.
الخطبة الأولى
أما بعد:
أيها المؤمنون، هذا هو رمضان ولى وانصرم، كأنما هو طيف عابر، مر ولم نشعر فيه بمضي الزمان ولا بكرِّ الليالى والأيام. هكذا العمر يمر بنا ونحن لا نشعر, يكون بعضنا غارقًا في شهواته حتى يغزو الشيب مفرقيه، نذير أجل محتوم قد يحل بساحته, قد يحل الأجل والغافل لم يستعدَّ بعد للرحيل, فإذا حانت ساعة الميعاد, فلات حين مناص, يحمل الغافل على الأعواد، ويُدَس بين الألحاد، والذنب كثير، والعمل قليل، وحينئذ لا ينفعه أن يعض على أصبع الندم، ولا أن يهتف وينادي: يا ليتنى أردّ فأعمل غير الذي كنت أعمل, فالعمر فرصة لا تمنح للإنسان إلا مرة واحدة, فإذا ما ذهبت هذه الفرصة وولت فهيهات أن تعود.
وبقيت مظان ليلة القدر، وأصح الأقوال أنها في العشر الأواخر، بل في الوتر من العشر الأواخر, كما صح عنه صلى الله عليه وسلم: (( تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان ) ) (1) [1] , وأصح أقوال أهل العلم والإيمان أنها تتنقل في الوتر من العشر، فسنة تكون ليلة إحدى وعشرين، وسنة تكون في غيرها من ليالي الوتر, كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أريت ليلة القدر فنسيتها, وأراني صبيحتها أسجد في ماء وطين ) )، يقول الصحابي راوي الحديث: (فمطرنا ليلة إحدى وعشرين فخر المسجد، فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الصبح فسجد في ماء وطين) (2) [2] . وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( تحرّوا ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين ) ) (3) [3] , وصح عنه صلى الله عليه وسلم: (( التمسوا ليلة القدر ليلة سبع وعشرين ) ) (4) [4] , وقوله: (( تحروا ليلة القدر، فمن كان متحريها فليتحرَّها في ليلة سبع وعشرين ) ) (5) [5] ، وقد قال أبي بن كعب رضي الله عنه: (والله الذي لا إله غيره إني لأعلم أي ليلة هي, هي الليلة التي جمع فيها النبي صلى الله عليه وسلم أهله والناس أجمعين فصلى بهم حتى الصبح، ليلة سبع وعشرين) (6) [6] , ففي تلك السنة كانت ليلة القدر ليلة سبع وعشرين، وصح عنه صلى الله عليه وسلم: (( التمسوا ليلة القدر آخر ليلة من ليالي رمضان ) ) (7) [7] , أي ليلة تسع وعشرين.
فكل تلك الروايات الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم تدل بوضوح أنها لا تلزم ليلة السبع والعشرين في كل السنين، بل ربما كانت في سنة في ليلة إحدى وعشرين، وفي سنة أخرى في ليلة ثلاث وعشرين، وهكذا إلى تسع وعشرين.
ولما كان دخول شهر رمضان يختلف فيه الناس، فرب ليالٍ نعدها أوتارًا هي في واقع الأمر شفع ليست بوتر, وإذا كان الأمر كذلك فإن العبد المسدد لا يقصر نشاطه على الأوتار من العشر، بل يجتهد في العشر كلها مقتديًا في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21] .
وليلة القدر سميت بذلك لشرفها وعلو قدرها، فعبادة فيها تعدل عبادة في ثلاثة وثمانين سنة, وسميت بذلك أيضا لأنها تقدَّر فيها مقادير العام الذي يليها، فيفصل من اللوح المحفوظ إلى كل ملك ما وكِّل إليه القيام به في كل عام, فملك الموت يعلم الأرواح التي يقبضها في كل عام, وهكذا يفرق في هذه الليلة من اللوح المحفوظ كل أمر محكم، فيعلم به من سينفذه من العباد المكرمين، الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون, قال الله سبحانه: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:4] .
وسماها الله جل وعلا مباركة كما قال سبحانه: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ [الدخان:3] . ومن بركاتها أن الملائكة تتنزل فيها من السماء, كما قال سبحانه: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا [القدر:4] ، والروح هو جبريل عليه السلام، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى ) ) (8) [8] ، ومن بركاتها ما صح عنه صلى الله عليه وسلم: (( من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ) (9) [9] .
فيا من فرط استدرك.
ماذا نصنع حتى نتدارك ما فات؟ ورمضان قد تهيّأ للرحيل فلم يبق منه إلا ليال.
علينا - يا عباد الله - أن نعترف بذنوبنا، وأن نتوب التوبة الصادقة النصوح، وأن نتوجه إلى الله تعالى بالدعاء بالمغفرة والعتق من النار.
فاغفر لنا يا ربّنا وأعتقنا من النار، ألم تقل يا ربّنا: قُلْ ياعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] ؟! ألم تقل يا ربنا: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ [الرعد:6] ؟!
وأما من استغفر بلسانه وقلبهُ على المعصية معقود، وهو عازم بعد الشهر إلى المعاصي أن يعود، فصومه عليه مردود، وباب القبول عنه مسدود، كيف لا؟ وقد قابل نداء الله: قُلْ ياعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ بالإعراض والصدود.
أيها المسلمون، إن الاستغفار هو ختام الأعمال كلّها، فيختم به في الصلاة كما في صحيح مسلم أن رسول الله كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر الله ثلاثا (10) [10] . ويُختم به في الحج، قال الله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [البقرة:199] . بعد هذه الشعيرة العظيمة وهي الوقوف بعرفة والحج عرفة، ينطلق الحاج إلى مزدلفة وهو يستغفر الله تعالى. ويختم به قيام الليل، يمدح الله تعالى عباده المتقين ويصفهم فيقول: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا ءامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ [آل عمران:16، 17] ، وقال تعالى كذلك في وصفهم: وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:18] ، قال الحسن رحمه الله:"قاموا الليل إلى وقت السحر، ثم جلسوا يستغفرون" (11) [11] ، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يصلي من الليل ثم يقول: (يا نافع هل جاء السحر؟) فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح (12) [12] . ويختم به كذلك في المجالس، فإن كانت ذكرًا كان كالطابع لها، وإن كانت لغوا كان كفّارة لها. وكذلك ينبغي أن يختم صيام رمضان بالاستغفار، فمن أحب منكم أن يحطّ الله عنه الأوزار، ويعتقه من النار، فليكثر من الاستغفار، بالليل والنهار، لا سيما في وقت الأسحار.
ومما يستحسن ختم هذا الشهر به أيضًا عتق الرقاب، فقد كان أبو قلابة يعتق في آخر الشهر جارية حسناء مزينة يرجو بعتقها العتق من النار. وعتق الرقاب يوجب العتق من النار كما دل على ذلك الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن سعيد بن مرجانة صاحب علي بن الحسن قال: قال أبو هريرة: قال النبي: (( أيما رجل أعتق امرأ مسلما استنقذ الله بكل عضو منه عضوا منه من النار ) )، قال سعيد من مرجانة: فانطلقت به إلى علي بن الحسين، فعمد علي بن الحسين رضي الله عنهما إلى عبد له قد أعطاه به عبد الله بن جعفر عشرة آلاف درهم أو ألف دينار فأعتقه (13) [13] .
ومن فاته عتق الرقاق لانعدامها فليكثر من شهادة التوحيد، فإنها تقوم مقام عتق الرقاب، قال: (( من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرار كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل ) ) [أخرجه البخاري] (14) [14] ، وقال: (( من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل ممّا جاء به إلا أحدٌ عمِل أكثر من ذلك ) ) [متفق عليه من حديث أبي هريرة] (15) [15] .
واعلموا عباد الله أن الجمع بين شهادة التوحيد والاستغفار من أعظم أسباب المغفرة والنجاة من النار، وكشف الكربات، وقضاء الحاجات. لهذا جمع الله تعالى بينهما في قوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ اله إِلاَ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِك [محمد:19] ، وفي قوله: لاَّ اله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين [الأنبياء:87] .
فأكثر ـ أخي المسلم ـ من طاعة الله لا سيما من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وأكثر من الاستغفار وغيرها من الأذكار والأعمال الصالحة قبل فوات هذه الفرصة العظيمة، فإنه إن لم يُغفر لك في هذا الشهر فمتى سيغفر لك؟!
قال قتادة رحمه الله:"كان يقال: من لم يغفر له في رمضان فلن يغفر له فيما بقي".
فيا من جد، واصل ولا تغتر، حذار من الاغترار بما صنعت، وكن كمن قال الله جل وعلا فيهم: كَانُواْ قَلِيلًا مّن الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17، 18] ، ما استغفروا إلا لاستشعارهم تقصيرَهم في جنب الله، رغم قيامهم أكثر الليل, وكن كمن قال الله جل وعلا فيهم: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبّهِمْ راجِعُونَ [المؤمنون:60] . وتذكر أن ما أنت فيه إنما هو بفضل الله وتوفيقه لك, فالذي أعطاك ووفقك هو الذي حرم غيرك ومنعه، فقل كما قال الصالحون: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَانَا لِهَاذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43] . واعتبر بما قاله الله لعبده ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا [الأنبياء:86، 87] ، حتى عدها بعض السلف أعظم تهديد في كتاب الله.
فكن خافض الجناح، مجتهدًا في الطاعة، خائفًا من عدم القبول، فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:99] ، وإِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27] . ولا تدري أتكون منهم أم لا؟