فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 248

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين .

أما بعد:

هاهو النصف الأول من رمضان رحل أو أوشك على الرحيل، وثمة حديث يخالج النفس في ثنايا هذا الوداع، تُرى ماذا حفظ لنا؟ وماذا حفظ علينا؟

إن ثمة تساؤلات عريضة تبعثها النفس في غمار هذا الوداع.

أول هذه التساؤلات كم تبلغ مساحة هذا الدين من اهتماماتنا؟ هل نعيش له؟ أم نعيش لأنفسنا وذواتنا ؟ كم نجهد من أجله؟ كم يبلغ من مساحة همومنا؟ إن العيش في حد ذاته يشترك فيه الإنسان مع غيره من المخلوقات، ولا ينشأ الفرق إلا عندما تسمو الهمم، وتكبر الأهداف.

وعلى أعتاب العشر الثانية آمل ألا يكون نصيبي ونصيبك قول الله عز وجل: (( رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوالِفِ ) ) (التوبة:87) .

فالسابقون مضوا، والسير حفظت لنا قول بكر بن عبد الله المزني:"من سره ينظر إلى أعلم رجل أدركناه في زمانه فلينظر إلى الحسن فما أدركنا أعلم منه، ومن سره أن ينظر إلى أورع رجل أدركناه في زمانه فلينظر إلى ابن سيرين إنه ليدع بعض الحلال تأثمًا، ومن سره أن ينظر إلى أعبد رجل أدركناه فلينظر إلى ثابت البناني فما أدركنا أعبد منه، ومن سره أن ينظر إلى أحفظ رجل أدركناه في زمانه وأجدر أن يؤدي الحديث كما سمع فلينظر إلى قتادة."

وليت شعري أن نكون وإياك أحد هؤلاء.

سؤال آخر يتردد: حرارة الفرحة التي عشناها في مقدم رمضان تسائلنا: هل لا زالت قلوبنا تجل الشهر؟ وتدرك ربيع أيامه، أم أن عواطفنا عادت كأول وهلة باردة في زمن الخيرات، ضعيفة في أوقات الطاعات؟

ورحم الله سلفنا الصالح فلكأنما تقص سيرهم علينا عالمًا من الخيال حينما تقول: قال الأوزاعي: كانت لسعيد بن المسيب فضيلة لا نعلمها كانت لأحد من التابعين، لم تفته الصلاة في جماعة أربعين سنة، عشرين منها لم ينظر إلى أفقية الناس.

وكانت امرأة مسروق تقول: والله ماكان مسروق يصبح ليلة من الليالي إلا وساقاه منتفختان من طول القيام، وكنت أجلس خلفه فأبكي رحمة له إذا طال عليه الليل وتعب صلى جالسًا ولا يترك الصلاة، وكان إذا فرغ من صلاته يزحف كما يزحف البعير من الضعف.

قال أبو مسلم: لو رأيت الجنة عيانًا أو النار عيانًا ما كان عندي مستزاد، ولو قيل لي إن جهنم تسعّر ما استطعت أن أزيد في عملي. وكان يقول: أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يسبقونا عليه، والله لأزاحمنهم عليه حتى يعلموا أنهم خلّفوا بعدهم رجالًا.

وفي ظل هذه الأخبار تُرى كم من صلاة في الجماعة ضاعت؟ وكم نافلة في صراع الأعمال تاهت؟ تُرى كم من لحوم إخواننا هتكناها بأنيابنا؟ تُرى كم هي الخيانة التي عاثتها أعيننا في رحاب المحرمات.

كم خطت أقدامنا من خطو آثم؟ كم، وكم، من عالم الحرمات هتّكت فيه الأسوار بيننا وبين الخالق؟ والمعصية أيًا كانت، حتى لو عاقرناها في ليالي رمضان فلا تبقى خندقًا تحاصركم، وهي كما قال بعض العلماء: أي خلال المعصية لا تزهدك فيها: الوقت الذي تقطعه من نفيس عمرك حين تواقعها، وليس يضيع سدى، بل يصبح شؤمًا عليك؟ أم الأخدود الذي تحفره في قلبك وعقلك ثم تحشوه برذائل الاعتياد والإلف السيء والإدمان الخبيث، والذكريات الغابرة التي يحليها لك الشيطان ليدعوك إلى مثلها، ويشوقك إليها؟ أم استثقال الطاعة والعبادة والملل منها وفقد لذتها وغبطتها، أم إعراض الله عنك وتخليته بينك وبين نفسك حتى وقعت فيما وقعت، أم الوسم الذي تميزك به حين جعلتك في عداد الأشرار والفجار والعصاة، أم الخوف من تحول قلبك عن الإسلام حين تجد حشرجة الموت وكرباته وغصصه، فيا ويلك إن مت على غير ملة الإسلام!.

سؤال ثالث: يتردد معاشر الدعاة والمصلحين والمربين، عُدّوا لي بارك الله فيكم في شهر رمضان فقط: ماذا قدمتم لمجتمعاتكم من خير؟ دينكم الذي تتعبدون به هل نجحتم في طريقة عرضه ؟ فالبائع ينجح بقدر ما يحسن في طريقة العرض، وأنتم أولى هؤلاء بحسن الطريقة، ونوعية التقديم . مجتمعاتكم بكل من فيها ماذا قدمتم لها ؟ مسجد الحي، وجيران البيت، وأقارب الأسرة، وميدان المدرسة أولى الناس بمعروفك فأين هم من مساحة اهتماماتك ؟ أسئلة تتردد على الشفاه ، أوليس رمضان فرصة سانحة للإجابة عنها؟ أملي أن يكون ذلك. وكل ما أرجوه أن لا تخرج نفسك أخي الفاضل من قطار الدعاة والمصلحين والمربين أيًا كنت، وفي ظل أي ظروف تعيش، فالمسؤولية فردية.

وعندما نحسن فن التهرب من المسؤولية نكون أحوج ما نكون إلى من يأخذ بأيدينا، ويحاول إخراجنا من التيه الكبير.

يقول أبا إسحاق الفزاري: ما رأيت مثل الأوزاعي والثوري، فأما الأوزاعي فكان رجل عامة، وأما الثوري فكان رجل خاصة، ولو خيّرت لهذه الأمة لا خترت لها الأوزاعي.

سؤال رابع يتردد: هل مازلنا نمارس نوعًا من الجهالة في معاملة ربنا؟ إن خلوات الليل أيًا كانت في نظرك إنا هي في منظورها الصحيح هتك للستر الذي بينك وبين الله تعالى، ونسيان لمعاني الربوبية التي اتصف بها ربك، ومكابرة من مخلوق ضعيف لا يملك شيئًا أمام جبروت الرب، وسلطان الخالق، وقهر الواحد الأحد.

هذه هي النظرة الصحيحة لها، ومن يسلي نفسه بغير هذا فليصحح النظرة، وليفكّر في عظمة من عصى، أشار إلى ذلك ابن القيّم في كتابه الداء والدواء فقال:"فهاهنا أصل عظيم يكشف سر المسألة، وهو أن أعظم الذنوب عند الله تعالى إساءة الظن به؛ فإن المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدّس، وظن به ما يناقض أسماءه وصفاته."

وقال في موضع آخر: وكذلك لم يقدره حق قدره من هان عليه أمره فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه فضيّعه، وذكره فأهمله وغفل قلبه عنه، وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه، وطاعة المخلوق أهمّ عنده من طاعته؛ فلله الفضلة في قلبه وعمله، وسواه المقدّم في ذلك؛ لأنه المهم عنده، يستخف بنظر الله إليه وإطلاعه عليه، وهو في قبضته وناصيته بيده، ويعظّم نظر المخلوق إليه وإطلاعه عليه بكل قلبه وجوارحه، يستحي من الناس ولا يستحي من الله تعالى، ويخشى الناس ولا يخشى الله تعالى، يُعامل الخلق بأفضل ما يقدر عليه، وإن عامل الله عامله بأهون ما عنده وأحقره"فهل قدر الله حق قدره من هذا وصفه؟! وإلا ستكون النتائج وخيمة وسيئة، وفرص التوبة لا تتكرر، وقد يحول الله تعالى بينك وبين التوبة جزاء التسويف والتأخير، وما يدريك فمن جعلته أصغر الناظرين إليك قد يرصد لك في وقت غفلة، ويرديك في وقت جذوة، والمعصية لا تأتي إلا إذا اجتمع جهل وكبر وعناد، وهذه لو تأمل العاصي واحدة منها لوجد أنها أهلكت أمما غابرة، وجنودًا غفيرة، فالله الله في زمن المهلة، فلا شهر أعظم من هذا! ولا وقت أنفس من هذا الوقت! والهالك لن يهلك إلا عن بينه، وحينئذ لا تأسف عليه."

سؤال خامس يتردد: القلوب المتنافرة أما آن لها أن تتصافح؟ هل لازالت معاندة للفطرة السوية، هل لازال الكبر يوقد ضرامها؟ ويشعل فتيلها؟ أما نجح رمضان في أن يعيد البسمة لشفاه طال انغلاقها؟ إن هذه القلوب يُخشى عليها إن لم تفلح المواعظ في ليها للحق، فإن لفح جهنم هو القادر على أن يكسر مكابرتها، ويلوي عناقها، ويرغم أنف باطلها.

لهؤلاء أن يسمعوا هذه النصوص وأن يضعوا أنفسهم في الترتيب اللائق بها عند ذلك: فهذا رسول الهدى صلى الله عليه وسلم سئل من أفضل الناس؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (( كل مخموم القلب صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد ) )أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني.

لقد وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبًا قبل موته فقال: (( ألا فمن كنت جلدت له ظهرًا فليستقد، ومن كنت أخذت له مالًا فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت شتمت له عرضًا فهذا عرضي فليستقد ) ).

ورحم الله أبا دجانة، رئي وجهه يتهلل عند موته فسئل عن ذلك فقال: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، والأخرى فكان قلبي للمسلمين سليمًا.

ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية، كتب رسالة في سجن القلعة بعد أن كثُر الحديث عمن كان السبب في سجنه فقال: فتعلمون رضي الله عنكم أني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين، فضلًا عن أصحابنا بشيء أصلًا، لا باطنًا ولا ظاهرًا، ولا عندي عتب على أحد منهم ولا لوم أصلًا، بل هم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف ما كان، كل بحسبه، ولا يخلو الرجل إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا أو مخطئًا أو مذنبًا، فالأول مأجور مشكور، والثاني مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه مغفور له، والثالث: فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين. فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل كقول القائل: فلان قصّر، فلان ما عمل، فلان أُذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية.. فإني لا أسامح من آذاهم في هذا الباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.. فلا أحب أن ينتصر من أحد بسبب كذبه علىّ أو ظلمه وعدوانه فإني قد أحللت كل مسلم.. والذين كذبوا وظلموا فهم في حل من جهتي.."اهـ رحمه الله."

وكانت النتائج أن قال ابن مخلوف وهو من أشد الناس عداوة لشيخ الإسلام ابن تيمية، بل إنه أفتى بقتله، كان يقول: ما رأينا مثل ابن تيمية، حرّضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا.

ألا فما أحرى القلوب القاسية بفهم هذه الرسالة وإن لم تنتفع فيها ففي وعيد النبي المبلغ عن ربه خير واعظ حين قال: (( هجر المسلم كسفك دمه ) )، وحين قال: (( تُعرض الأعمال على الله كل إثنين وخميس إلا المتخاصمين فيقول الله: أنظروا هذين حتى يصطلحا ) ).

وإن لم يُفلح رمضان في إزالة صلابة هذه القلوب فوعيد الله تعالى غير بعيد حين قال تعالى: (( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ *أَوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) ) (محمد:22، 23) .

وقوم ولجت بيوتهم اللعنة أين يجدون طعم الراحة؟ وأين يتلذذون بطيب الرقاد؟

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.

وبعد:

فإن رمضان شهر البر والصلة والصدقة، والأنفس الأبية هل التي تعطف على الفقراء، وتبذل لهم شيئًا من المعروف، فإن من معاني الصيام تذكر حالة البائسين والمعوزين والعطف عليهم ومواساتهم بالمال والإحسان، إن القلوب التي لا يشعرها رمضان بحال إخوانها الفقراء قلوب يصدق فيها وصف المنفلوطي حين قال في كتابه النظرات: فتشت عن الفضيلة في قصور الأغنياء فرأيت الغني إما شحيحًا أو متلافًا، أما الأول يعني الشحيح فلو كان جارًا لبيت فاطمة رضي الله عنها وسمع في جوف الليل أنينها، وأنين ولديها من الجوع ما مد أصبعيه إلى أذنيه ثقة منه أن قلبه المتحجّر لا تنفذه أشعة الرحمة، ولا تمر بين طياته نسمات الإحسان.

يقول رحمه الله: ( لو أعطى الغني الفقير ما فضل عن حاجته من الطعام ماشكى واحد منهما سُقمًا ولا ألمًا، لقد كان جديرًا به أن يتناول من الطعام ما يشبع جوعته، ويطفئ غلته، ولكنه كان محبًا لنفسه مغاليًا بها فضم إلى مائدته ما اختلسه من صحفة الفقير فعاقبه الله على قسوته بالبطنة..إلى إن قال رحمه الله تعالى: لا أستطيع أن أتصوّر أن الإنسان إنسان حتى أراه محسنًا، لأني لا أعتمد فصلًا صحيحًا بين الإنسان والحيوان إلا الإحسان، وإني أرى الناس ثلاثة:

رجل يحسن إلى غيره ليتخذ إحسانه إليه سبيلًا إلى الإحسان إلى نفسه، وهذا هو المستبد الجبار الذي لا يفهم من الإحسان إلا أنه يستعبد الإنسان، ورجل يُحسن إلى نفسه ولا يُحسن إلى غيره، وهو الشره المتكالب الذي لو علم أن الدم السائل يستحيل إلى ذهب جامد لذبح في سبيله الناس جميعًا"."

إن المحسن منكم أيها المسلمون من يسعى في رمضان وغير رمضان لرحمة يتيم يترقرق الدمع في عينيه أن لا يجد من يواسيه فقد أبيه! أو لرحمة أسرة فقدت معيلها، وضاعت خيراتها، أو رحمة كسير ومريض أقعده المرض وأجبره على نزف دموع الفقر والحاجة، أو رحمة أخ غريب بينكم، نأت به الديار عن أهله وذويه، ولئن بت آمنًا في بيتك، معافى في بدنك، بين أهلك وأسرتك، فإنما يعيش هو وحيدًا بلا أنيس، وفقيرًا بلا معين، يتابع الإعلام فيرى صورة يهودي يهدّم بيته، ومأوى أسرته، أو يسمع صوت قنبلة أطاحت ببعض أهله أشلاء مفرقة.

فإن لم نكن هؤلاء فما أجدر وصف المنفلوطي بنا.

وأخيرًا: رحل النصف الأول ولئن كنا فرطنا فلا ينفع ذواتنا بكاء ولا عويل، وما بقي أكثر مما فات، فلنري الله من أنفسنا خيرًا، فالله الله أن يتكرر شريط التهاون، وأن تستمر دواعي الكسل، فلقيا الشهر غير مؤكدة ، ورحيل الإنسان مُنتظر، والخسارة مهما كانت بسيطة ضعيفة فهي في ميزان الرجال قبيحة كبيرة.

رحل النصف الأول وبين صفوفكم الصائم العابد، الباذل، المنفق، الجواد، نقي السريرة، طيب المعشر فهنيئًا له رحلة العشر بخيرات كهذه، ورحل النصف الأول وبين صفوفكم صائم عن الطعام والشراب، يبيت ليله يتسلى على أعراض المسلمين، وتقامر عينه شهوة محرمة يرصدها في ليل رمضان، يده امتدت إلى عامل فأكلت ماله، أو حفنة ربا فاجتالتها دون نظر إلى عاقبة أو تأمل في آخرة.

رحلت وبين صفوفكم من فاتته صلوات وجماعات، وقد آثر النوم والراحة على كسب الطاعة والعبادة، رحل النصف الأول وبين صفوفكم بخيل شحيح، أسود السريرة، سيء المعشر، دخيل النية، فأحسن الله عزاء هؤلاء جميعًا في عشرهم الأول، وجبرهم في مصيبتهم، وأحسن الله لهم استقبال البقية، وجعلهم في ما يستقبلون خيرًا مما ودعوا. والله المسؤول أن يصلح نياتنا، وأن يغفر لنا.

ألا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه في قول الله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا ) ) (الأحزاب:56) .

يقول ربنا سبحانه وتعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ) (الصف:101112) .

عباد الله ، في شهر الصيام وقعت الغزوة الكبرى التي انتصر فيها الإسلام، والتي سميت في القرآن بيوم الفرقان، والتي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن حضرها، (( لعل الله أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة ) ).

في السنة الثانية من الهجرة فرض صيام شهر رمضان، وفي أول رمضان يصام في الإسلام وقعت غزوة بدر الكبرى في يوم الجمعة السابع عشر منه. فقد شاء الله تعالى أن تقع هذه الغزوة في شهر الصبر الذي يطلب فيه من أهل الإيمان أن يغتنموه بالعبادة وكثرة الصلاة وقراءة القرآن والذكر والصدقة والإحسان، وهكذا أضاف ذاك الجيل المبارك من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كل ذلك، جهادا بالنفس والمال لإعلاء كلمة الله وقمع عصابة الشرك والطغيان.

لقد علّمهم النبي عليه الصلاة والسلام أن الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، وعلمهم أنه بالصبر يظهر الفرق بين أصحاب العزائم والهمم وأهل الجبن والضعف، وعلمهم أن العبادة لا تؤدي كما أمر الله إلا بالصبر، وأن المعاصي لا تجتنب إلا بالصبر، وأن على المؤمن أن يصبر على ما قدره الله وقضاه فلا يتسخط ولا يضجر عند نزول البلاء، وتلا عليهم قول الله تعالى: (( وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ ) ) (النحل:126) .

وقوله سبحانه: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ) (آل عمران:200) .

أي اصبروا على الطاعة ولازموها واصبروا عن الشهوات وامتنعوا عنها ورابطوا إما في الثغور في مواجهة العدو أو انتظار الصلاة في المساجد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ألا أخبركم بما يمحوا الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط ) ).

وبالصبر يتحقق النصر بإذن الله، فهاهم أهل بدر عندما وقفوا في وجه أعداء الله خاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (( ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ) ).

لقد رأى أهل بدر أن عدوهم يبلغ ثلاثة أضعاف عددهم وتتوفر معه مؤونة وسلاح وأنه جاء مستعدا متهيئا للقتال، بينما هم على العكس من ذلك، لقد كان الموقف حرجا جدا، فقريش في عز قوتها، والمسلمون في ضعف مادي شديد، ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة بدر: (( اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ) ).

فلو انهزم المسلمون في بدر لما قامت للإسلام قائمة، ولذلك بشر النبي صلى الله عليه وسلم أهل بدر بنزول ثلاثة آلاف من الملائكة، وأنهم إن صبروا على شدة الحرب وثبتوا في المعركة فإن الله تعالى يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة ، قال تعالى: (( بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ) ) (آل عمران:125) .

روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: (( هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب ) ).

وقال في رواية أخرى: (( جاء جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم، قال: من أفضل المسلمين أو كلمة بدرا من الملائكة ) ).

والنبي صلى الله عليه وسلم قاد المسلمين في غزوة بدر وشارك في القتال، عن علي قال: (لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا من العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأسا) فكان يجاهد بالدعاء والتضرع إلى الله تعالى ويقاتل ببدنه جمعا بين المقامين الشريفين.

وحقق الله تعالى لعباده المؤمنين الصابرين النصر على عدوهم رغم قلة عددهم وعددهم قال تعالى: (( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ) ) (آل عمران:123) .

بسبب قلتهم ولكن الله تعالى نصرهم لصبرهم وثباتهم والله تعالى ينصر المؤمنين الصابرين الصادقين.

عباد الله: بين الله تعالى في كتابه الحكيم أن الجهاد في سبيله هو التجارة التي تنجي من عذاب أليم، قال العلماء نزل قوله سبحانه: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) ) (الصف:10) .

في عثمان بن مظعون وذلك أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أذنت لي فطلقت خولة وترهبت واختصيت وحرمت اللحم ولا أنام بليل أبدا ولا أفطر بنهار أبدا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن من سنتي النكاح ولا رهبانية في الإسلام إنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله وخصاء أمتي الصوم ولا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ومن سنتي أنام وأقوم وأفطر وأصوم فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ).

فقال عثمان فمن والله لوددت يا نبي الله أي التجارات أحب إلى الله فأتجر فيها فنزلت الآية.

فبالجهاد في سبيل الله ينجو المؤمن من عذاب الله وبالجهاد في سبيل الله انتصر المسلمون على أعداء الله وعندما ترك المسلمون الجهاد ضاعت الأندلس وغيرها من بلاد الإسلام، وهاهي اليوم فلسطين تضيع بسبب ترك الجهاد في سبيل الله والمسجد الأقصى وفلسطين لن يعودا إلى المسلمين إلا بالجهاد في سبيل الله ، وغزوة بدر ستبقى درسا للمسلمين يتعلمون منها أن الله تعالى يؤيد المؤمنين الصابرين، ويمدهم بمدده الذي لا ينفد، فهو سبحانه وتعالى القائل: (( وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) ) (الروم:47) .

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت