فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 248

أجرى الحوار: سالم مشكور بيروت

العلامة السيد محمد حسن الأمين أحد رجال الدين اللبنانيين الكبار، بل هو رمز من رموز الوعي الديني في الساحة اللبنانية، له العديد من الدراسات والبحوث التي تنشرها المجلات الدورية، وهو أديب وشاعر إلى جانب كونه رجل دين بارزًا، ومستشارًا للمحكمة الشرعية العليا، له منزلة كبيرة لدى كافة أتباع المذاهب، بل والأديان التي يتألف منها المجتمع اللبناني؛ لما عرف له من وعي وانفتاح وروح حوارية، وعلم غزير.

هل يمكن القول أن واقع رمضان الحالي في البلاد الإسلامية هو الوضع المطلوب إسلاميًّا؟

هناك مفارقات كبيرة بين واقع رمضان الآن والوضع المرتجى له، أنا اعتقد أننا علينا أن ندرك معنى عبادة الصوم وغاياته والتي تتضح من خلال الحديث القدسي الذي ذكره كل الرواة على اختلاف مذاهبهم ودرجات ثقتهم والذي يقول:"كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به".

هذا الحديث القدسي يشير إلى العلاقة المباشرة بين الإنسان وخالقه في موضوع الصوم، في حين أنه يمكن للعبادات الأخرى أن يدخلها عنصر النفاق بقصد أو بغير قصد.

والصوم ألا يمكن أن يدخله هذا النفاق؟

العبادات الأخرى كالصلاة والحج والزكاة هي عبادات إيجابية، أي تتضمن الإقدام على عمل مطلوب، فقط الصوم هو عبادة امتناع بحيث لا يمكن أن يعرف هذا العبادة إلا الطرفان الأساسيان فيها أي الصائم والله تعالى.

تحدثت عن غايات فريضة الصوم، فما هي؟

عبادة الامتناع تمثل أعلى أشكال الجهاد كما نفهمه، فنحن نمارس هذا الجهاد المتقدم من خلال هذه العبادة، والذي ترتكز على قاعدته كل أشكال الجهاد الأخرى، والحقيقة أن الإسلام لم يركز كثيرًا على الشرائع والقوانين، رغم أن المعروف عنه أنه يحتوي على سنة كاملة للحياة، لكن لو تأملنا جيدًا في النص القرآني؛ لاحظنا أن التركيز على عناصر هداية وتربية الكائن البشري يحتل القسم الأكبر من الآيات القرآنية، فقد أحصى العلماء حوالي (520 آية) فقط من أصل أكثر من ستة آلاف آية قرآنية تضم التشريعات أي أن القرآن اهتم في التشريع بنسبة حوالي 10 بالمائة فقط من آياته، بينما خصص 90 بالمائة من هذه الآيات للهداية والإرشاد.

وماذا يعني هذا؟

هذا يعني أن الشريعة مهما كانت قانونًا عادلًا، لكن لا ضمان لتطبيقها إلا بنزاهة القائمين على هذا التطبيق، من هنا نلاحظ أن الإسلام اهتم في عنصر الهداية من خلال العبادات، لا بوصفها نوعًا من الاستجابة الطقسية التقليدية التي يمارسها الإنسان دون وعي لأهدافها إنما بوصفها شكلًا من أشكال التربية للإنسان على النحو الذي يتمكن فيه هذا الكائن الإنساني أن يشكل الضمانة لهذه الصيغة المعلنة في القرآن الكريم وهي خلافة الإنسان على الأرض.

على أساس الحديث القدسي المتقدم هل يمثل الصوم أعلى مستويات الهداية؟

بالضبط، فرغم أنه ليس معروفًا عن الصوم أنه أهم من الصلاة أو الحج ولكن بتأمل خاص في عبادة الصوم نتنبه إلى هذه الخصوصية الواردة في الحديث القدسي المتقدم وهي أن الإنسان يمارس من خلال الصوم أعلى أشكال العبادة المتمثلة بعبادة الامتناع أي الصوم.

والإنسان هو الكائن الوحيد المؤهل لممارسة فعل الامتناع بإرادته وخلاف مصلحته المباشرة، بل قد يكون هذا الامتناع ضد هذه المصلحة.

وما تأثير فعل الامتناع على الإنسان إيجابيًّا؟

عندما يمارس الإنسان الامتناع عن اللذات والشهوات بكل إرادته ووعيه؛ فإنه يبلغ درجة من البناء الذاتي والتهذيب مما قد لا يبلغه في العبادات الأخرى.

وهنا لا بد أن أشير إلى أن ممارسة الامتناع يمثل ذروة ممارسة الحرية الإنسانية، فكل امتناع يأتي طوعًا من الإنسان وتلبية لقناعة غير محكومة بإكراه هو شكل من أشكال الحرية الأسمى.

لكن الصوم عبادة مفروضة من الباري عز وجل.

نعم ،لكنه فرض يمكن للإنسان ألا يؤديه دون أن يتحمل نتائج معنوية أو اجتماعية سلبية بسببه، فالذي يفطر سرًّا يمكن أن يتوقى ما قد يصدر عن المجتمع من قمع وردع، لكنه يكون قد خالف قناعته الشخصية بأن الصوم هو عبادة امتناع طوعي، فعبادة الله اختيار وليست إكراه، وهي تحرر الإنسان من كل عبودية أدنى، إذن فالعبادة هي رفع لسقف الحرية فلا تصطدم بأي حاجز حتى تصل إلى الله، من هنا فعبادة الله لا تتنافى مع حرية الكائن الإنساني بل هي الوجه الآخر لحرية الإنسان.

لنأت إلى الممارسة الاجتماعية لعبادة الصوم، كيف تراها؟

للأسف، نرى في مجتمعاتنا الإسلامية غيابًا لجزء من هذه العبادة، بحيث تبدو الممارسات الحالية في جانب منها نوعًا من الفولكلور الذي يتكرس عامًا بعد عام.

مثلًا؟

ما نشهده من تحايل على الامتناع بحيث تتحول عبادة الصوم من عبادة حرمان (امتناع) إلى عبادة ترف يمثله الاهتمام المفرط في التهافت على المواد الغذائية وأشهى المآكل، وفي المآدب العامرة، بل وأكثر من ذلك هناك عملية تحايل على الزمن، كما يجري في بعض البلدان الإسلامية التي يعاد فيها تنظيم الوقت فينقلب النهار إلى ليل ينام فيه الصائمون، بينما يعملون ويخرجون ويأكلون ويمارسون شهواتهم طول الليل.

وهل في ذلك إخلال بالصوم؟

بل فيه إخلال بمقاصد عبادة الصوم، صحيح أن إمساك الإنسان عن الطعام منذ الفجر وحتى المغرب يجعله أدى هذه العبادة، لكن أين هي المقاصد السامية لهذه العبادة؟! البعض يحاول التحايل على ذلك بالتهام كميات أكبر من الطعام، أو نوم القسم الأكبر من النهار هربًا من الجوع والعطش.

لكن هذه الظواهر ليست عامة؟

صحيح، لكن لها درجة من الحضور بات يهدد بفقدان الفاعلية التي نتوخاها من عبادة الصوم لتهذيب الكائن الاجتماعي الإسلامي لترويضه وجعله أكثر قدرة على تحمل مسئولياته في مجالات الحياة وفي مجال الإخلاص لله.

ربما يكون الأخطر هو ظاهرة تفشي ممارسات خلال رمضان تكون منافية للدين تمامًا؟.

نعم، هذه ظواهر مؤسفة فما نلاحظه حاليًا في لبنان وبعض الدول الأخرى، هو عبارة عن ملاهٍ ليلية خلال شهر رمضان، تقع فيها ممارسات محرمة، إضافة إلى عملية عب الطعام بشكل غير مقبول، إضافة إلى ممارسات تستدرج الساهر الرمضاني إلى متع محرمة أساسًا سواء في رمضان أو في غيره، والمؤسف أن هذه الظاهرة تنتشر تحت اسم إحياء ليالي رمضان، أهكذا يتم إحياء ليالي رمضان؟ إن الأدبيات الدينية تتحدث عن أن ليل رمضان هو للقيام والتهجد، ونهاره للصيام، فلا يمكن للإنسان أن يصوم نهارًا ويندفع للذات ليلًا.

هل نخلص من هذا، إلى أننا بحاجة إلى نشر وعي إسلامي شعبي بمقاصد الصوم وغاياته؟.

بالضبط، نحن بحاجة إلى وعي أحكام الصوم ومقاصده، وما هذا الوضع الذي نراه إلا بسبب غياب هذا الوعي.

بل إن هذا الوعي مطلوب لكافة العبادات.

نعم أنا أشعر أن هناك خطرًا في أن تتحول العبادات الإسلامية إلى طقوس مجردة، وهناك فرق كبير بين العبادة والطقس.

وما هو؟

العبادة عنصر نابض وحيوي ومجدد للذات، أما الطقس فهو عنصر تقليد واحترام للسائد وامتناع بالشكل دون المضمون. وهناك خطورة حقيقية في أن تأخذ عبادات الإسلام شكل الطقوس نظرًا لبعدنا عن المقاصد، أنا من الداعين إلى ثورة فكرية تركز على نشر فقه المقاصد.

كيف يمكننا التوفيق بين عبارة"الصوم لي"الواردة في الحديث القدسي وبين ما تطرحونه من مقاصد الصوم الخاصة بمصلحة الإنسان؟

بقدر ما كانت العبادة متمحضة لله تعالى يكون حضور الإنسان فيها أكثر وثمرات الإنسان منها أكبر، من هنا فإن الصوم ذو وظيفة غيبية، لكنها في تجلياتها العامة وظيفة اجتماعية وسياسية واقتصادية لها علاقة بكل مجالات الحياة ومرافقها، وكل حيوية نضيفها لعبادة الصوم، من خلال استحضار مقاصده، هي بالضرورة تجديد للاجتماع الإسلامي، ولكل ما يسعى إليه من تقدم وازدهار، فليس الصوم عزلة عن الحياة؛ بل إنه الشكل الأرقى من أشكال الارتباط بالحياة، فهو الزهد الذي يجعلنا نعرف الحياة بصورة أفضل.

هناك من يتمسك بالصوم ، لكنه يمتنع عن أداء عبادات أخرى مثل الصلاة؟

أنا أعتبر مثل هذا الصوم طقسًا وفلكلورًا، فهو نظام غذاء، لكنه لا يلامس مقاصد الصوم الحقيقي الذي لا يمكن أن نتصوره بمعزل عن العبادات الأخرى التي تشكل شبكة متكاملة، صحيح مثل هذا الامتناع يسقط عن المرء واجب الصوم ، لكنه أداء شكلي للعبادة، ولا ترجى منه أية آثار إيجابية على الكيان البشري والاجتماعي

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت