محمد بن صالح العثيمين
عنيزة
الجامع الكبير
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
-الأمر بتقوى الله وشكره على مواسم الطاعات واغتنامها - من فضائل شهر رمضان - استقبال رمضان وحكم صيام يوم الشك - وجوب صوم رمضان , ومن يُرخّص لهم في الفطر وأحكام ذلك - الحث على قيام شهر رمضان وآداب ذلك - أنواع المفطرات وحكم من فعل شيئًا منها ناسيًا - بعض المباحات للصائم - وجوب حفظ الصوم من النواقص والنواقض
الخطبة الأولى
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم به عليكم من مواسم الخيرات وما حباكم به من الفضائل والكرامات، وعظموا تلك المواسم وأقدروها قدرها بفعل الطاعات والقربات واجتناب المعاصي والموبقات، فإن تلك المواسم ما جعلت إلا لتكفير سيئاتكم وزيادة حسناتكم ورفعة درجاتكم.
عباد الله: لقد استقبلتم شهرا كريما وموسما رابحا عظيما لمن وفقه الله فيه للعمل الصالح، استقبلتم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، شهرا تضاعف فيه الحسنات وتعظم فيه السيئات، أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، جعل الله صيام نهاره فريضة من أركان إسلامكم، وقيام ليله تطوعا لتكميل فرائضكم، من صامه إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قامه إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن أتى فيه بعمرة كان كمن أتى بحجة، فيه تفتح أبواب الجنة، وتكثر الطاعات من أهل الإيمان، وتغلق أبواب النار، فتقل المعاصي من أهل الإيمان وتغل الشياطين، فلا يخلصون إلى أهل الإيمان بمثل ما يخلصون إليهم في غيره.
أيها الناس: صوموا لرؤية هلال رمضان ولا تقدموا عليه بصوم يوم أو يومين لأن النبي نهى عن ذلك إلا من كان عليه قضاء من رمضان الماضي فليقضه أو كان على عادة بصوم فليصمه، مثل من له عادة بصوم يوم الاثنين أو الخميس فصادف قبل الشهر بيوم أو بيومين، أو كان له عادة بصيام أيام البيض ففاتته فليس عليه بأس بصيامها قبل رمضان بيوم أو يومين.
ولا تصوموا يوم الشك وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا كان في ليلته ما يمنع رؤية الهلال من غيم أو فتر أو نحوهما، ففي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي قال: (( لا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ) )ومن حديث أبي هريرة عن النبي: (( فإن غبى عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ) )وقال عمار بن ياسر: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم .
ومن رأى الهلال يقينا فليخبر به ولاة الأمور ولا يكتمه. وإذا أعلن في إذاعتكم ثبوت دخول رمضان فصوموا وإذا أعلن فيها ثبوت دخول شوال فأفطروا لأن إعلان ولاة الأمور ذلك حكم به.
جاء أعرابي إلى النبي فأخبره أنه رأى الهلال فقال: (( أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. فقال النبي: فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدا ) ).
صوم رمضان أحد أركان الإسلام فرضه الله على عباده فمن أنكر فريضته فهو كافر، لأنه مكذب لله ورسوله وإجماع المسلمين قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون [البقرة:183] . وقال تعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه [البقرة:185] .
فالصوم واجب على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم ذكرا كان أم أنثى ليست حائضا ولا نفساء، فلا يجب الصوم على كافر، فلو أسلم في أثناء رمضان لم يلزمه قضاء ما مضى منه، ولو أسلم في أثناء يوم من رمضان أمسك بقية اليوم ولم يلزمه قضاؤه.
ولا يجب الصوم على صغير لم يبلغ، لكن إن كان لا يشق عليه أُمر به ليعتاده فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يصوِّمون أولادهم، حتى إن الصبي ليبكي من الجوع فيعطونه لعبة يتلهى بها إلى الغروب.
ويحصل بلوغ الصغير إن كان ذكرا بواحد من أمور ثلاثة: أن يتم له خمس عشرة سنة أو تنبت عانته أو ينزل منيا باحتلام أو غيره، وتزيد الأنثى بأمر رابع وهو الحيض.
فمتى حصل للصغير واحد من هذه الأمور فقد بلغ ولزمته فرائض الله وغيرها من أحكام التكليف إذا كان عاقلا.
ولا يجب الصوم على من لا عقل له كالمجنون والمعتوه ونحوها فالكبير والمهذري لا يلزمه الصوم ولا الإطعام عنه ولا الطهارة ولا الصلاة لأنه فاقد التمييز فهو بمنزلة الطفل قبل تمييزه، ولا يجب الصوم على من يعجز عنه عجزا دائما كالكبير والمريض مرضا لا يرجى برؤه، ولكن يطعم بدلا عن الصيام عن كل يوم مسكينا بعدد أيام الشهر، لكل مسكين ربع صاع نبوي من البر أي أن الصاع يكفي لأربعة فقراء عن أربعة أيام، والأحسن أن يجعل مع الطعام شيئا يأدمه من لحم أو دهن.
وأما المريض بمرض يرجى برؤه فإن كان الصوم لا يشق عليه ولا يضره وجب عليه أن يصوم لأنه لا عذر له، وإن كان الصوم يشق عليه ولا يضره فإنه يفطر، ويكره له أن يصوم وإن كان الصوم يضره فإنه يحرم عليه أن يصوم، ومتى برئ من مرضه قضى ما أفطر، فإن مات قبل برئه فلا شيء عليه.
والمرأة الحامل التي يشق عليها الصوم لضعفها أو ثقل حملها يجوز لها أن تفطر ثم تقضي إن تيسر لها القضاء قبل وضع الحمل أو بعده إذا طهرت من النفاس، والمرضع التي يشق عليها الصوم من أجل الرضاع أو ينقص لبنها من الصوم نقصا يخل بتغذية الولد تفطر ثم تقضي في أيام لا مشقة فيها ولا نقص.
والمسافر إن قصد بسفره التحيل على الفطر فالفطر حرام عليه، ويجب عليه الصوم.
وإن لم يقصد بسفره التحيل على الفطر مخير بين أن يصوم وبين أن يفطر ويقضي عدد الأيام التي أفطر، والأفضل له فعل الأسهل عليه.
فإن تساوى عنده الصوم و الفطر فالصوم أفضل لأنه فعل النبي ولأنه أسرع في إبراء ذمته وأخف من القضاء غالبا، وإن كان الصوم يشق عليه بسبب السفر كره له أن يصوم، وإن عظمت المشقة به حرم أن يصوم لأن النبي خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر،فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب والناس ينظرون إليه،فقيل له بعد ذلك إن بعض الناس قد صام فقال: (( أولئك العصاة. أولئك العصاة ) ).
ولا فرق في المسافر بين أن يكون سفره عارضا لحاجة أو مستمرا في غالب الأحيان مثل أصحاب السيارات الأجرة (التكاسي) أو غيره من السيارات الكبيرة، فإنهم متى خرجوا من بلدهم فهم مسافرون يجوز لهم ما يجوز للمسافرين الآخرين من الفطر في رمضان وقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين والجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء عند الحاجة، والفطر لهم أفضل من الصيام إذا كان الفطر أسهل لهم ويقضونه في أيام الشتاء لأن أصحاب هذه السيارات لهم بلد ينتمون إليها وأهل فيها يأوون إليهم، فمتى كانوا في بلدهم فهم مقيمون وإذا خرجوا منها فهم مسافرون، لهم ما للمسافرين وعليهم ما على المسافرين، ومن سافر في أثناء اليوم في رمضان وهو صائم، فالأفضل أن يتم صوم يومه، فإن كان فيه مشقة فليفطر ثم يقضيه، ولا يتقيد السفر بزمن، فمن خرج من بلده مسافرا فهو على سفر حتى يرجع إلى بلده ولو أقام مدة طويلة في البلد التي سافر إليها إلا أن يقصد بتطويل مدة الإقامة التحيل للفطر، فإنه يحرم عليه الفطر ويلزمه الصوم لأن فرائض الله تعالى لا تسقط بالتحيل عليها.
ولا يجب الصوم على الحائض والنفساء، ولا يصح منهما إلا إن تطهرا قبل الفجر ولو بلحظة، فيجب عليهما الصيام، ويصح منهما وإن لم تغتسلا إلا بعد طلوع الفجر، ويلزمهما قضاء ما أفطرتا من الأيام.
أيها المسلمون لقد رغّب النبي في قيام هذا الشهر وقال: (( من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) )، وإن صلاة التراويح من قيام رمضان، فأقيموها وأحسنوها وقوموا مع إمامكم حتى ينصرف، فإن من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة تامة وإن كان نائما على فراشه.
وإن على الأئمة أن يتقوا الله عز وجل في هذه التراويح فيراعوا من خلفهم ويحسنوا الصلاة لهم فيقيمونها بتأن وطمأنينة ولا يسرعوا فيها فيحرموا أنفسهم ومن وراءهم الخير، أو ينقروها نقر الغراب لا يطمئنون في ركوعها وسجودها وقعودها والقيام بعد الركوع فيها.
وعلى الأئمة أن لا يكون همّ الواحد منهم أن يخرج قبل الناس أو أن يكثر عدد التسليمات دون إحسان الصلاة فإن الله تعالى يقول: ليبلوكم أيكم أحسن عملًا [الملك:2] . لم يقل أيكم أسرع نهاية أو أكثر عملا.
وقد كان نبيكم وهو أحرص الناس على الخير والأسوة الحسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة لا في رمضان ولا في غيره، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قام بأصحابه في رمضان ثم ترك ذلك خشية أن تفرض على الناس فيعجزوا عنها .
وصح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه أمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما في الناس بإحدى عشرة ركعة فهذا العدد الذي قام به النبي وواظب عليه واتبعه فيه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب هو أفضل عدد تصلى به التراويح، ولو زاد الإنسان رغبة في الزيادة لا رغبة عن السنة بعد أن تبينت له لم ينكر عليه لورود ذلك عن بعض السلف، وإنما ينكر الإسراع الفاحش الذي فعله بعض الأئمة فيفوت الخير عليه وعلى من خلفه.
وفقني الله وإياكم لاغتنام الأوقات بالطاعات، وحمانا من فعل المنكر والسيئات، وهدانا صراطه المستقيم، وجنبنا صراط الجحيم، وجعلنا ممن يصوم رمضان ويقومه إيمانا بالله واحتسابا لثواب الله إنه جواد كريم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب.
ـــــــــــــــ
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
سبب الغزوة - مشاهد من الإعداد للغزوة - هزيمة قريش - دروس: 1- رمضان والجهاد 2- النصر بيد الله 3- خطأ المعايير المادية 4- أهمية الشورى 5- أهمية الدعاء
الخطبة الأولى
أما بعد قال الله عز وجل ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون [آل عمران:123] .
في شهر رمضان المبارك من السنة الثانية من الهجرة وقعت أولى الغزوات النبوية الكبرى , غزوة بدر الكبرى وكان سببها أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم علم بقافلة تجارية كبيرة لقريش عائدة من الشام إلى مكة يقودها أبو سفيان, فأمر أصحابه بالخروج للاستيلاء عليها وقال لهم: لعل الله يمكنكموها , فقد كانت قريش إذ ذاك حربا على رسول الله وحربا على المسلمين وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من أصحابه, خرجوا لا يريدون الحرب ولا يظنون أن سيكون قتال ولكن أبا سفيان أفلت ونجى بالقافلة أما قريش فلما أتاها الصارخ خرجت بأشرافها عن بكرة أبيهم في نحو ألف رجل معهم مائة فرس وسبعمائة بعير , خرجوا كبرا ورءاء الناس ويصدون عن سبيل الله معهم القيان يغنين بهجاء المسلمين , فلما علم أبو سفيان بخروج قريش أرسل إليهم يخبرهم بنجاته وإفلات القافلة ويشير عليهم بالرجوع وعدم الحرب , فأبوا وقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نبلغ بدرا فنقيم فيه ثلاثا ننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر فتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا .
أما سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما علم صلى الله عليه وسلم بأمر قريش جمع من كان معه من أصحابه استشارهم , فقام المقداد بن عمرو رضي الله عنه وهو من المهاجرين فقال: يا رسول الله امض إلى ما أمرك الله فو الله لن نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى"اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون"ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك. فأثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: أشيروا علي أيها الناس . فقام سعد بن معاذ من الأنصار وهو سيد الأوس فقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله . فقال: أجل . فقال سعد: كأنك يا رسول الله خشيت أن تكون الأنصار ترى أنه ليس من حقها أن تنصرك إلا في ديارهم وأنا أقول عن الأنصار وأجيب عنهم فاظعن متى شئت وصل حبل من شئت واقطع حبل من شئت وخذ من أموالنا ما شئت وأعطنا منها ما شئت والذي تأخذه منا كان أحب إلينا مما تتركه وما أمرت فيه بأمر فأمرنا فيه تبع لأمرك فسر بنا فو الله لو سرت بنا إلى برك الغماد لنسيرن معك ولو استعرضت هذا البحر فخضته لنخوضنه معك , والله لا نكره أن تلقى بنا عدونا غدا فإننا صبر في الحرب صدق عند اللقاء ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك.
فسر النبي صلى الله عليه وسلم مما سمع من كلام المهاجرين والأنصار وقال لأصحابه: سيروا وأبشروا فو الله لكأني أنظر إلى مصارع القوم .
و سار النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه حتى نزل بأدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة . فقال الحباب بن المنذر رضي الله عنه يا رسول الله: أرأيت هذا المنزل أهو منزل أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر أم هو الرأي والحرب والمكيدة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل هو الحرب والرأي والمكيدة .
فقال الحباب: فليس هذا بمنزل فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ونغور ما وراءه من الآبار , فاستحسن النبي صلى الله عليه وسلم رأي الحباب ومضى بأصحابه حتى نزل بالعدوة الدنيا مما يلي المدينة وجيش قريش بالعدوة القصوى مما يلي مكة , وأنزل الله مطرا كان شديدا ووحلا زلقا على المشركين وكان طلا خفيفا على المسلمين , طهرهم به ووطأ لهم الأرض وثبت به الأقدام وبنى المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشا على تل مشرف على موضع المعركة .
ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسوى صفوف أصحابه ومشى في أرض المعركة يشير إلى مصارع القوم إلى المواضع التي سيقتل فيها زعماء المشركين يقول هذا مصرع فلان إن شاء الله فو الله ما جاوز أحد منهم الموضع الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم, قتلوا في تلك المواضع التي عينها النبي صلى الله عليه وسلم .
والتقى الفريقان وقام النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي ربه يدعو ويلح في الدعاء ويتضرع بين يدي ربه ويستغيث به , يقول اللهم أنجز لي ما وعدتني , اللهم هذه قريش قد أتت بخيلها وخيلائها تصد عن دينك وتحارب رسولك ,ثم يقول عن أصحابه: اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض .
واستجابة من الرب سبحانه وتعالى لاستغاثة نبيه واستغاثة الصحابة أنزل عليهم نصره , أنزل الملائكة فهزموا عدوهم , هزمت قريش وولوا الدبر , قتل من المشركين سبعون وأسر سبعون وجمع من القتلى أربعة وعشرون من صناديد المشركين فألقي بهم في قليب من قلبان بدر , منهم أبو جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وغيرهم من رؤوس الكفر وصناديد المشركين .
وبعد ثلاث ليال أقامها النبي صلى الله عليه وسلم ببدر , انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند انصرافه وقف علي القليب ونادى أولئك الصناديد بأسمائهم وأسماء آبائهم , يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا .
فقال له عمر الفاروق: أتنادي أجسادًا قد بليت يا رسول الله . فقال: والله ما أنتم بأسمع لكلامي منهم ,ذلك أن الله عز وجل أسمعهم نداء نبيه في تلك اللحظة (1) [1] .
وفي هذين الفريقين فريق الإيمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وفريق الكفر والشرك قريش وصناديدها أنزل الله تبارك وتعالى قوله: هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم [الحج:19] .
اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب رسولك وحب من يحب رسولك وحب عمل يقربنا إليك.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العلمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين .
أما بعد فما أكثر الدروس وما أعظمها في هذه الغزوة النبوية الكبرى غزوة بدر الكبرى:
أولا: هذه الغزوة وقعت في شهر رمضان, هذا الشهر الكريم شهر العمل وشهر الصبر والجهاد في سبيل الله , تتضاعف فيه همة المؤمن ويقرب من ربه الكريم الرحيم وتفتح فيه أبواب الجنان فهو أثمن وأنفس فرصة للمؤمن لكي يضاعف فيها نشاطه وعمله في سبيل الله عز وجل وأكثر المعارك الإسلامية الكبرى في تاريخ المسلمين وقعت في هذا الشهر الكريم.
ثانيا: هذه الغزوة تبين بجلاء ما يعرفه كل مؤمن أن النصر كله بيد الله يؤتيه من يشاء , فالصحابة رضوان الله عليهم لما خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يريدون الحرب وما ظنوا أن سيكون قتال ولذلك لم يتهيؤوا للحرب والقتال ولم يعدوا ما يكفي من العدة ومع ذلك أظفرهم الله ونصرهم على عدوهم لما صدقوا ما عاهدوا الله عليه وامتثلوا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم, فببركة إيمانهم وبصدقهم مع الله وطاعتهم لرسوله نصرهم الله وأظفرهم وأظهرهم على عدوهم .
ثالثا: حينما تكون المعركة بين الإيمان والكفر فإن النتائج لا تقاس بالمقاييس البشرية التي تبنى عادة علي الأسباب المادية وحدها , فإن الله عز وجل يؤيد جند الإيمان , يؤيد المؤمنين على الكافرين وإن كان الميزان المادي بينهم وبين عدوهم ليس متكافئا فإن الله سبحانه وتعالى الرحيم بعباده المؤمنين يعوض ما عساه نقص من استعداداتهم بما شاء من جنوده وما يعلم جنود ربك إلا هو .
فالصحابة رضوان الله عليهم في بدر كان عدوهم أكثر منهم عددا وأقوى عدة , كان جيش المشركين ثلاثة أضعاف جيش المؤمنين ولكنهم لما لجأوا إلى ربهم واستغاثوا به نصرهم الله عز وجل علي عدوهم رغم هذا الفارق المادي الكبير في العدد والعدة .
رابعا: لم يكن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوانى عن مشاورة أصحابه في جلائل الأمور وخاصة في المواقف الخطيرة كغزوة بدر وغزوة أحد وغزوة الخندق كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ بمبدأ المشاورة امتثالا لأمر ربه عز وجل ولذلك كانت بركات هذا المبدأ تنزل عليه وعلى أصحابه نجاحا وفلاحا وفوزا في الأمور ونصرا وظفرا في المعارك .
خامسا: الأمر كله لله المُلك ملكه والخلق عبيده , فالخلق مفتقرون كلهم إلى الخالق وهذه هي حقيقة العبودية وهي حقيقة عرفها المؤمن وامتثل لها وعاندها الكافر وتمرد عليها وهذا هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف العظيم يعلمنا هذا الدرس الجليل مهما كانت الأحوال فان إظهار الافتقار إلى الرب عز وجل والتضرع بين يديه والتذلل له سبحانه وإظهار الضعف بين يديه والحاجة إليه والاستغاثة به , هذه كلها أمور مطلوبة من المؤمن مهما كانت الأحوال فالنبي صلى الله عليه وسلم مع يقينه بالنصر حتى إنه حدد المواضع التي سيقتل فيها زعماء المشركين ومع ذلك يقف بين يدي ربه يدعو ويلح في الدعاء والتضرع والاستغاثة وببركة هذه الاستغاثة من النبي صلى الله عليه وسلم وببركة استغاثة الصحابة الكرام استجاب لهم الرب فنصرهم وأيدهم على الرغم من ذلتهم والمقصود بالذلة ضعف القوة وقلة العدد, يقول تعالى: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين [الأنفال:9] .
أما بعد فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .
وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
يا بن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله بها عليه عشرا ) ) (2) [1] اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق و ذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين .
(1) صحيح البخاري (1370، 3976، 4026) ، صحيح مسلم (2873، 2875) عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
(2) صحيح مسلم (408) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
ــــــــــــــــ
عبد الحميد بن جعفر داغستاني
مكة المكرمة
ابن حسن
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-رمضان ضيف حلّ فينبغي أن نكرمه. 2- الاستعداد لاستقبال شهر رمضان. 3- الحث على تعلم الأحكام الخاصة بالصيام. 4- العزم على ترك الخصال الذميمة في رمضان. 5- حكم صيام أواخر شعبان.
الخطبة الأولى
أما بعد: معشر المسلمين:
فإن لكل غائب طالت غيبته نوع استقبال، ولكل حبيب أوشكت رجعته اهتمامًا يتناسب مع مكانته ، ويتوافق مع منزلته في نفس من يستقبل ذلك العزيز الحبيب الغائب. فإذا جفوت حبيبك الغائب جفاك وأخفى عنك هداياه وعطاياه، وادخرها ليعطيها لغيرك ممن يحسن استقباله ويعد العدة للحفاوة به وإكرامه.