هذا، واعلموا - رحمكم الله - أن من خير أعمالكم وأزكاها عند مليككم كثرة صلاتكم وسلامكم على الرحمة المهداة والنعمة المسداة، نبيكم محمد بن عبد الله كما أمركم بذلك ربكم جل في علاه فقال تعالى قولًا كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله...
(1) أخرجه أبو نعيم في الحلية (1/75) من غير ذكر الآية.
(2) أخرجه أبو نعيم في الحلية (2/377) .
(3) أخرجه ابن المبارك في الزهد (ص19 ، رقم 78) بنحوه.
(4) قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو صاعًا من أقط أو صاعًا من زبيب. أخرجه البخاري في: الزكاة ، باب: صدقة الفطر صاعًا من طعام (1506) ، ومسلم في: الزكاة ، باب: زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير (985) .
(5) قال ابن عمر رضي الله عنهما: فرض النبي صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر أو قال رمضان على الذكر والأنثى والحر والمملوك صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير... الحديث. أخرجه البخاري في: الزكاة ، باب: صدقة الفطر على الحر والمملوك (1511) .
ــــــــــــــ
هاني سليم
غزة
مسجد السدرة
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-مذبحة إسرائيلية في فلسطين وأخرى في أفغانستان. 2- خذلان المسلمين لإخوانهم في أرض الجهاد. 3- موقف رسول الله من قريش حين غدرت بحليفه بني خزاعة. 4- أبو سفيان يحاول تجديد الصلح. 5- فتح مكة في رمضان. 6- فتح عمورية في رمضان. 7- دعوة لنصرة المظلومين في أرض فلسطين. 8- الخير واعد في أمة الإسلام. 9- العزة مرهونة بالاستمساك بالكتاب والسنة.
الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا أيها الإخوة، نحن في شهر رمضان، في شهر أحبة الله ورسوله والمؤمنون، في شهر الجهاد والتضحية والفداء، في شهر التوبة والمغفرة، في شهر الصدقة والزكاة، شهر لو عرف المسلمون ما فيه من خير لتمنوا أن يكون العام كله رمضان، شهر عزيز على قلوبنا، ونحن في هذا الشهر العظيم لا بد أن يصدق المسلمون ما جاء في كتاب الله كاملا دون نقصان، الله عز وجل يقول:"إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم أن الله يحب المتقين"، شهر الجهاد والاستشهاد، شهر ذبح فيه بالأمس في مذبحة خطيرة والعالم كله ينظر إلى هذه الأرض كيف يذبح الأطفال على يد أعداء الله سبحانه وتعالى، خمسة أطفال يذبحون بقذيفة واحدة غير الذين أصيبوا، فمن لهم إخوة الإيمان؟! فمن لنا غير الله عز وجل؟! متى تفيق الأمة؟! متى تستيقظ الأمة من سباتها العميق والمسلمون يحتفلون في هذه الأيام بشهر كله ذكريات؟!
شهر رمضان فيه ذكريات عزيزة على قلوب الأمة الإسلامية، فتحت فيه عمورية، شهر الجهاد، شهر يتسابق فيه المسلمون إلى الموت في سبيل الله عز وجل، شتان بين من كان يشحذ سلاحه يريد أن يلاقي الله عز وجل وهو عنه راض وبين من يرفع سلاحه على المجاهدين في سبيل الله حتى في شهر رمضان، ماذا نقول لله عز وجل؟! ماذا يقول حكام المسلمين لله عز وجل يوم القيامة؟! ماذا يقول المسلمون لله تعالى يوم القيامة؟! ماذا تقولون والمسلمون يذبحون هنا على يد الصهيونية العالمية، وهناك إخواننا يذبحون في أفغانستان مذابح شتى في كل مكان والمسلمون يغطون في نوم عميق، لقد حالف رسول الله بني خزاعة أي دخلت بنو خزاعة في حلف مع رسول الله ، ودخلت بنو بكر في حلف قريش، هذا ما صالح عليه رسول الله يوم الحديبية، وكان هناك ثأر عظيم بين بني بكر وبني خزاعة، فليعلم العالم كيف كان يحترم رسول الله الحلف، أتدرون ما المقصود بالحلف؟ المقصود بالحلف ـ إخوة الإيمان ـ هو الدفاع المشترك، لقد خذلت الباكستان طالبان، وكانا على حلف مع بعضهما، فلنعلم كيف كان رسول الله يحافظ على الحلف، وكان الحلف مع بني خزاعة، ذهبت بنو بكر بمساعدة قريش، أمدت قريش بني بكر بالسلاح والعتاد والرجال لقتال بني خزاعة الذين كانوا على حلف مع رسول الله فأصابوا منهم مقتلا عظيما، وذهب عمرو بن سالم الخزاعي ليخبر رسول الله في المدينة المنورة ما حدث لقومه، فماذا قال له رسول الله عندها، قال له: (( نصرت يا عمرو، نصرت يا عمرو ) )، لم يتخل رسول الله عن حلفه، وأخذ يكون الجيش لأن قريشا قد نقضت العهد، فلتسمع الحكومات عندما ينقض العهد ماذا كان يفعل رسول الله، ما زال العرب متمسكين بالسلام المزعوم، واسمع رسول الله يقول لعمرو: (( نصرت يا عمرو ) )، فقامت قريش من سباتها العميق، فأرسلت أبا سفيان ليذكر المسلمين بالعهد، هل نسي المسلمون العهد؟ لا، إنما يريدون أن يستمعوا خاطر رسول الله أيُقتل الأبرياء ويقف محمد مكتوف الأيدي؟! لا، إنما أرسلت أبا سفيان ليفاوض رسول الله، وصل المدينة فاستحى أن يقابل رسول الله، نقضوا العهد، كيف يقابل رسول الله ، لا بد له من واسطة، فذهب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، فرفض الخروج معه، فذهب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له: والله لو لم يكن معنا إلا الذر لجاهدناكم به، أتعلمون ما معنى الذر؟ النمل، لو لم يكن مع المسلمين إلا النمل لقاتل المسلمون قريشا، لأنهم نقضوا العهد مع رسول الله ، فتعب أبو سفيان، فطرق باب ابنته أم حبيبة رضي الله عنها وأرضاها وهي أم المؤمنين زوجة رسول الله ، ففتحت له الباب، ثم أراد أن يجلس على فراش الرسول، فترفع أم حبيبة الفراش من تحت أبيها، فيقول لها: لماذا تفعلين هذا؟ فتقول: ما ينبغي لمثلك أن يجلس على فراش رسول الله ، إنك نجس، هذه المفاصلة يفاصل المسلمون ولا يداهنون ولا يكذبون، إنما يقفون موقف المفاصلة، فعاد أبو سفيان بخفي حنين ولم ير وجها طلقا ينظر في وجهه، فعاد بخفي حنين، وماذا فعل رسول الله ؟ أخذ يكوِّن الجيش، ورفع يديه إلى السماء، وكان ذلك في شهر رمضان ويقول: (( اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في ديارها ) )، كان يستعين بالدعاء لقضاء حوائجه، ويأتي الإمام يخطب الجمعة فتجد في المسجد ثلاثة صفوف والباقي في البيت، فماذا تفعلون؟ إذا أردنا نصرا وتمكينا لا بد أن نكون صادقين مع الله عز وجل، وأن نملأ بيوت الله، نملأها بالطاعة لله عز وجل: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ ءامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ وَأَقَامَ الصلاةَ وَءاتَى الزكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة:18] ، فبدأ الرسول بتكوين الجيش، وطلب النصرة، ممن؟ من الله، طلب النصرة من الله، (( اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في ديارها ) )، فكون جيشا قوامه عشرة آلاف مقاتل، لماذا؟ لكي تنصر الفئة المستضعفة التي قتل رجالها ونساؤها، فأين حكام الأمة من أطفال يقتلون ويذبحون في نهار شهر رمضان؟! أين هم؟! إنهم يلهون ويعبثون ولا يعلمون شيئا عن حال أمتنا إخوة الإيمان، فانطلق الرسول حتى يفتح مكة، ففتح الله عز وجل على يديه دون قتال، لقد ضعفت قريش أمام رسول الله ، فعندما حط رسول الله في مر الظهران على بعد ثلاث كيلومتر تقريبا من مكة، فعسكر هناك، ووقع أبو سفيان في الأسر، فرأى قوة المسلمين، ثم تركه رسول الله، فماذا يقول لقومه؟ لقد جاءكم محمد بجيش لا قبل لكم به، فوقع الرعب في قلوبهم، ورفعوا الرايات البيضاء عالية مستسلمين أمام قوة المسلمين، صدقوا الله فصدقهم الله، عندما نصدق الله عز وجل يصدقنا الله عز وجل، وعندما نتخلى عن الله يتخلى الله عنا.
إخوة الإيمان، لا بد أن تستيقظ الأمة وإلا فإن بوش كما نرى كل يوم يهدد دولةً، وصدق القائل: أكلت يوم أكل الثور الأبيض، لو هبت الأمة ـ إخوة الإيمان ـ قاطبة فهل تستطيع أمريكا أو غير أمريكا أو أي قوة على وجه الأرض أن تقف أمام قوة المسلمين؟ ألا والله ـ إخوة الإيمان ـ فعندما ضعفت الأمة واستكانت وأرادت الدنيا وطلقت الأخرى فنرى بأن أعداء الله تمكنوا من رقابهم، ولذلك لا بد أن تستيقظ الأمة.
فتح مكة في جيوش وعرة، وفتح عمورية كان كذلك في شهر رمضان، نعم كانت في شهر رمضان، أنا لا أدري أما يقرأ حكام الأمة تاريخنا؟! أما يقرؤون كتاب الله عز وجل؟! ومن أصدق قيلا: الله أم نحن؟ الله هو أصدق من أي إنسان على ظهر الأرض، فلا بد أن نصدق الله ونكذب ما يقول البشر إذا خالف كلام الله عز وجل، فتح عمورية كان بسبب امرأة مسلمة لطمت على خدها كفا واحدا قالت: وامعتصماه أين عمورية؟ عمورية في تركيا إخواني في الله، وأين المعتصم؟ كان في بلاد العراق حيث الخلافة الإسلامية، لم يسمع المعتصم نداء هذه المرأة المكلومة، لم تذبح، لم يفتح بطنها، لم تمسك من شعرها وتسحب على الأرض، لم يقتل أطفالها أمامها إنما لطمت كفا واحدا قالت: وامعتصماه، فكون جيشا جرارا فقال المستشارون له: لا تتحرك، نصحوه بعدم التحرك لأن عوامل الجيش لا تسمح، فرفض وتحرك بجيش الإسلام، ونحن في شهر رمضان في هذه الذكرى التي ذبح فيها كذلك بالأمس خمسة من أطفال المسلمين أبرياء، ذهبوا إلى مدارسهم فما عادوا إلا لحما، فما عادوا إلا مقطعين، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل في كل من ظلمنا وكل من تآمر على شعبنا، تحرك المعتصم بالجيش وحاصر عمورية، وأحرق عمورية بمن فيها، وفتح عمورية، وهزم الروم، امرأة لطمت على خدها كفا فانتصر المعتصم، فرحم الله أبا تمام وهو ينشد في قصيدته الموزونة:
السيف أصدق إنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
السيف أصدق إنباء من الكتب، السيف أفضل من تلك المباحثات، ها نحن طوال الفترات في مباحثات، فماذا صنعنا؟ ما هي المكتسبات التي اكتسبناها؟ إخوة الإيمان، ارجعوا إلى تاريخكم، ارجعوا إلى ماضيكم، هذا التاريخ العظيم الذي يحدثنا عن بطولات أمتنا، وكيف وقف الصحابة رضي الله عنهم صفا واحدا، وكيف كانت قيادة الأمة، كان الواحد منهم لا يذوق طعم النوم، لا يذوق النوم ـ إخوة الإيمان ـ وهو يبحث عن حال الأمة، لن يستقيم حال الأمة ـ إخوة الإيمان ـ إلا بالرجوع إلى كتاب الله عز وجل وإلى سنة رسول الله .
شهر رمضان هو شهر التضحيات والبطولات، هو شهر الشهداء، قضيتان اثنتان أراحنا الله منهما وهما إخوة الإيمان: الرزق والأجل، قضيتان أراحنا الله منهما: لا تموت نفس إلا بعد أن تستوفي رزقها وأجلها، فلماذا الخوف؟ لم الخوف؟ لا بد أن نعلم بأن الأجل محدود، والرزق محدود، فلا بد أن تستيقظ الأمة من سباتها، وأن تتحد تحت راية واحدة ألا وهي راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، هذه الراية لها النصر والتمكين، وبغيرها نرى بأن الناس يتسكعون بين اليمين والشمال.
راية ـ أيها الإخوة ـ ما زال فيها الخير، وسيبقى فيها الخير إن شاء الله، ولكن لا بد من العودة الصحيحة إلى كتاب الله عز وجل وإلى سنة رسول الله ، ففيهما العزة والتمكين.
إخوة الإيمان، هذه الأمة أمة خير، لا تقنطوا من رحمة الله، لا تيأسوا من رحمة الله، فمهما أصاب هذه الأمة فإنها ستستقيم، ولكننا ننحرف نحن الشعوب وما في القلوب حتى تبقى الهمم عالية وحتى نكون دائما مستيقظين، وهذا ما لا يريده أعداء الله.
أيها الإخوة، أعداؤنا يخافون إذا تحرك المارد الإسلامي، إذا تحرك الإسلام ـ إخوة الإيمان ـ تحرك الأعداء جميعا من كل حدب وصوب، أفغانستان المسلمة المسكينة، أفغانستان ليس لها حول ولا قوة، تدك بقنابل زنة القنبلة خمسة عشر طنا، ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل، الله سبحانه وتعالى ذكر لنا في القرآن الكريم أقواما طغوا وبغوا وتعالوا وتجبروا فما المصير إخوة الإيمان؟ الزوال الزوال، وأقول لكم: إن النصر آتٍ إن شاء الله، وسوف تزول أمريكا بإذن الله عز وجل، وأقول ـ إخوة الإيمان ـ بأن حضارتهم بإذن الله عز وجل إلى زوال، ولكن تمسكوا بكتاب الله عز وجل ففيه نصركم وعزتكم، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين ناصر المؤمنين ومؤيد الموحدين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا وقائدنا وعظيمنا وحبيبنا محمد رسول الله يقول في حديث ما معناه:"تركت فيكم ما إن تمسكتم بها لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي"كتاب الله وسنة رسول الله فيها عزكم وفيها نصركم ويغيرهما لا تقوم للأمة قائمة إذا تخلت عن كتاب الله وعن سنة رسوله.
إخوة الإيمان، نحن في شهر التوبة، شهر فتحنا فيه صفحة جديدة مع الله عز وجل، نطلب منه المغفرة، نطلب منه الرحمة، ولكن ما زال الناس يقصرون، وأهمس في آذانكم بأنه لا بد أن نملأ بيوت الله وأن نأتي مبكرًا إلى بيوت الله بدلًا من أن نبقى في البيوت نعافس الأبناء والنساء، فلنجلس في بيوت الله نقرأ آية نتدبر فيها معنى، نسبح الله، بدلًا من أن يعكر صفوك أحد من الأبناء، هذه البيوت لا بد أن نعمرها كما ذكر الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ ءامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ وَأَقَامَ الصلاةَ وَءاتَى الزكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة:18] .
إخوة الإيمان، هذا الشهر شهر الدعاء فاستغلوا هذه الأوقات في الدعاء لله عز وجل، تطلبون منه النصر والتمكين، تطلبون منه أن ينزل عليكم الرحمات لأن الأمر قد ضاق ـ إخوة الإيمان ـ قد ضاقت الأرض بنا وضاقت الأرزاق بنا، فلا بد أن نتوجه إلى الله عز وجل في هذا الشهر الفضيل الكريم، اللهم إني بلغت، اللهم فاشهد.
إن في يوم الجمعة ساعة يستجاب فيها الدعاء فأسأل الله عز وجل أن تكون هذه الساعة.
اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
ـــــــــــــــ
يوسف بن عبد الوهاب أبو سنينه
القدس
المسجد الأقصى
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-كلمة في وداع رمضان. 2- دعوة للاستقامة على الطاعة بعد رمضان. 3- صيام ستة أيام في شوال. 4- الصيام لظمأ يوم القيامة. 5- صلة الرحم في العيد. 6- مظاهر مؤلمة في مجتمعاتنا للغش والخداع.
الخطبة الأولى
أما بعد: فاتقوا الله يا عباد الله، وتوبوا إليه واستغفروه من تقصيركم، وأنيبوا إليه، وإياكم والمجاهرة في الأعياد بقبيح الإثم والفساد، واحذروا طاعة الشيطان، فإنها مقرونة بغضب الرحمن، ويحذركم الله نفسه.
اللهم لا تدع لنا في هذا اليوم العظيم ذنبًا إلا غفرته، ولا كربًا إلا فرجته، ولا عيبًا إلا سترته، ولا دَينًا إلا أديته، ولا مريضًا إلا وشافيته، ولا ميتًا إلا رحمته، ولا غائبًا إلا إلى أهله رددته.
اللهم استر العورات وآمن الروعات وأحسن الختام يا رب العالمين.
ويا شهر رمضان غير مودع ودعناك، وغير مقلي فارقناك، كان نهارك صدقة وصيامًا، وليلك قراءة وقيامًا، فعليك منا تحية وسلامًا، يا شهر الصيام أتراك تعود بعدها علينا أو تدركنا المنون فلا تؤول إلينا، مصابيحنا فيك مشهورة، ومساجدنا فيك معمورة، فالآن تنطفئ المصابيح، وتنقطع التراويح.
عباد الله، من كان منع نفسه في شهر الصيام من الحرام فليمنعها فيما بعده من الشهور والأعوام، فإن إلهكم واحد، وهو مطلع عليكم وشاهد.
واعلموا أن يوم العيد يوم سعيد، يسعد فيه أناس ويشقى فيه عبيد، فطوبى لعبد قبلت فيه أعماله، والويل لمن عمله عليه مردود، وباب التوبة عنه مسدود، وهو يوم يهنئ فيه المقبول ويعزى فيه المطرود، فيا أيها المقبول هنيئًا لك بثواب الله عز وجل وغفرانه، وتعسًا لك يا مطرود بإصرارك على عصيانه، لقد عظمت مصيبتك، فأين دمعتك وتوبتك، فلأي يوم أخرت توبتك؟ ولأي عام ادخرت عدتك؟ أإلى عام قابل أو حول زائل؟ كلا فما إليك مدةُ الأعمار ولا معرفة المقدار، فكم من أعد طيبًا لعيد، جُعل في تلحيده، وثيابًا لتزيينه صارت لتكفينه، ومتأهبا لفطره صار مرتهلًا في قبلاه.
فاحمدوا الله على بلوغ ختام الشهر الفضيل، وسلوه قبول الصيام والقيام والصدقات، لله در أقوام تركوا الدنيا فأصابوا، وسمعوا منادي الحق يدعو فأجابوا، وقصدوا باب مولاهم فما ردوا وما خابوا.
فبادروا بالتوبة إلى الله عز وجل من جميع الذنوب والآثام، واعلموا أن الله تبارك وتعالى قد خلقنا لعبادته فقال جل من قائل: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون كان السلف رضي الله عنهم يرون أن من مات عقب عمل صالح كصيام أو حج أو عمرة يرجى له أن يدخل الجنة، وكانوا مع اجتهادهم في الصحة في الأعمال الصالحة يجددون التوبة والاستغفار عند الموت وفي كل وقت.
وتذكروا يا عباد الله أن يومكم هذا أعظم الله قدره، وأفاض عليكم فيه من النعم ما يوجب شكره، جعله عيدًا لما أديتم قبله من فريضة الصيام، وأباح لكم ما مُنعتم في صيامكم من شراب وطعام، فاحمدوا الله على إتمام الصيام، وسلوه التوفيق والقبول للتمسك بالدين وشرائع الإسلام.
وتذكروا واعتبروا يا عباد الله بمن كان معكم في مثل هذه الأيام من الأقارب والأهل والأحباب والجيران والأصدقاء والخلان، كيف جرعتهم المنية كؤوس الحِمام، وأودعتهم بطون القبور، لا يقدرون على زيادة حسنة، ولا ينتفعون في مضي يوم ولا سنة، تجردوا من هذه الحياة، والتحقوا التراب، وسكنوا بعد القصور العالية القبور الواهية البنيان، فلو رأيتم تحت التراب أحوالهم لرأيتم أمورًا هائلة وأعناقًا من الأبدان زائلة، وعيونًا على الخدود سائلة، ونحن إلى ما صاروا إليه صائرون، وعلى ما قدتم من العمل قادمون، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
عباد الله، عندما ينقضي رمضان كان للرسول صلى الله عليه وسلم ستة أيام يصومها في شوال، ولا يشترط في صيامها أن تكون بعد رمضان مباشرة، بل إنها جائزة طوال شهر شوال، ولا يشترط أن تصومها متتابعة، وإنما يجوز أن تفرقها تيسيرًا من الله الواحد العلام، وقد يسأل سائل ويقول: ما فضل هذه الأيام؟ وما فضل صيامها؟ يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (( من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله ) ) (1) [1] .
وبيان ذلك أن صيام يوم واحد من رمضان يعدل عشرة أيام، فصيام رمضان بثلاثمائة يوم، وصيام يوم واحد من شوال يعدل عشرة أيام كذلك، فصيام الستة بستين يومًا، فإذا ما صمت رمضان والأيام الستة من شوال، فكأنك صمت ثلاثمائة وستين يومًا، كأنك صمت السنة كلها، فإذا لقيت الله تبارك وتعالى على ذلك أعطاك ثواب من صام العمر كله.
سيدي يا رسول الله، يا خير من صام وأفطر وهلل وكبر وبشر وأنذر، وبدين الحنيف أمر، أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فما ولى ولا كلَّ ولا أدبر، هو صاحب الجبين الأقمر والوجه الأزهر، صلى الله عليه وسلم.
عباد الله، ومن كان من النساء عليه قضاء، فالواجب في الأصل أن تقدم المرأة المسلمة القضاء على صيام الأيام الستة من شوال، وكذلك من كان مريضًا فليقدم الأيام الأخر على صيام الأيام الستة، لأن القضاء مقدم على النافلة.
وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم أيامًا أخر يصومها في غير رمضان، صيام ثلاثة أيام من كل شهر مع رمضان، يقيك الله تبارك وتعالى من شر الظمأ يوم القيامة.
أتدرون يا عباد الله ما يوم الظمأ؟ إنه يوم يقول الله تبارك وتعالى فيه كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا [المعارج:4، 5] ، في ذلك اليوم يشتد الظمأ بالعباد وتدنو الشمس من الرؤوس، وليس هناك من يسقي الماء إلا رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول عليه الصلاة والسلام: (( حوضي على مقدار مسيرة شهر، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وريحه أطيب من ريح المسك، وطعمه أحلى من العسل، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا ) ) (2) [2] اللهم إنا نسألك أن تسقينا من حوض نبيك شربة من يده الشريفة لا نظمأ بعدها أبدًا يا رب العالمين.
عباد الله ومن الواجب عليكم في هذه الأيام السعيدة صلة الأرحام، فينبغي على العاقل أن يبادر إلى صلة الرحم، وأن يدفع ما عنده من البغضاء بالإحسان والإغضاء، فصل رحمك أيها المسلم ليرضى مولاك، وخالف بذلك نفسك وهواك، واصبر على أذاهم، فإنه بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم أوصاك، وبالغ بالإحسان إلى من أساء إليك منهم، تحمد بذلك عقباك، وحسِّن أخلاقك معهم تنل راحتك ويطيب مثواك.
وتذكروا أيها المؤمنون أن الرحمة لا تتنزل على قوم فيهم قاطع رحم، وأن قطيعة الأرحام من الفساد عند الله تبارك وتعالى، اسمعوا قول الباري جل في علاه فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ [محمد:22] ، ومعنى هذه الآية الكريمة: فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وتقطيع الأرحام.
اللهم اجعلنا وإياكم ممن يصلون أرحامهم.
عباد الله، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (( البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، فكن ما شئت كما تدين تدان ) ) (3) [3] . ويقول عليه الصلاة والسلام: (( كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون ) ) (4) [4] .
ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فيا فوز المستغفرين استغفروا الله.
الخطبة الثانية
الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مصرف الأمور كما يشاء ويختار، نحمده على كل حال، ونعوذ بالله من حال أهل النار، ونشهد أن لا إله إلا الله عالم الغيب والشهادة، وكل شيء عنده بمقدار، ونشهد أن سيدنا ومولانا محمدًا عبده ورسوله الذي رفع عنا ببعثته الأغلال والآصار، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الأبرار ما تعاقب الليل والنهار.
أما بعد: