أجرى الحوار/ علاء الفقي
أوصى الدكتور أحمد صدقي الدجاني المفكر العربي الفلسطيني المعروف الشباب باستلهام روح رمضان، ومتابعة كل مجالات المعرفة من علوم وفنون وآداب وقيم روحية، وأن يعوُّدوا أنفسهم على الحرية مع حسن الاختيار والتفرقة بين الغث والسمين.
وتحدّث عن ذكريات طفولته في مدينة يافا في الأربعينيات من هذا القرن وكيف كان يستقبل أهل فلسطين الشهر الكريم، وترحاله إلى بلاد كثيرة، وتعرّفه على مظاهر الاحتفال فيها.. ويقول الدكتور الدجاني: إن هناك أربعة مسارات في حياته في كل منها محاولات للإنجاز وهي: الأسرة، والتأليف، والعمل الفكري، ثم العمل العام.
ذكريات رمضان:
ماذا عن رمضان وذكرياته في حياتكم ... طفلًا وشابًا وشيخًا؟!
يا لها من ذكريات رائعة ترافق المرء عبر رحلة حياته ضمن الأجل المكتوب، تبدأ بأيام هذا الشهر المبارك في بلدة جميلة اسمها يافا، يتفتح الطفل فيرى الأهل جميعًا يقبلون بفرح على الشهر، ويستزيد بخاصة من جدته، وكانت من أهل العلم فيجلس في حجرها، ويستمع عن رمضان وعن أحداث جرت في الشهر المبارك مقترنة بسيرة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم. وكنت أخرج قبل غروب كل يوم إلى شاطئ البحر لأرى قرص الشمس وهو يغيب تدريجيًا، حتى إذا اكتمل المغيب كانت الفرحة! فرحة الصائم حين يفطر. فنعود لنجتمع حول الإفطار ويجري الحديث حلوًا، ثم كان يُسمح لي بعد ذلك أن أخرج مع إخوتي قبيل صلاة العشاء حيث نغني الأغاني الشعبية التي كانت سائدة حينذاك في فلسطين، وكانت في إحدى مطالعها تتحدث بلازمة"يا حليّه..."من الحلوى، وتحكي كيف رحنا، وكيف جئنا، وتحكي عن الجيران..
ويفرح الأطفال حينما يمرون على الجيران الذين عادة ما يقدمون لهم الحلوى كنوع من التكافل الاجتماعي..
اقترن رمضان في فترة الطفولة وما بعدها بالأحداث التي كانت تشهدها فلسطين.. فمع الفرحة الشديدة كان هناك القلق الدائم، وكنا نستمد من روح رمضان زادًا يمكننا من الاستجابة لتحديات تلك الأحداث الجسام.
* في بلاد الشام:
وأذكر حين حلّت نكبة 1948 بشعبنا وأمتنا وأخذتني إلى بلاد الشام، وهناك أذكر في رمضان كنت فتى جاوز الثانية عشرة، واستمرت هذه المرحلة حتى الثانية والعشرين. وأخذ شهر رمضان منها أبعادًا جديدة؛ حيث بدأت أتردد على طلب العلم أولًا في اللاذقية ثم حلب ثم دمشق.. ودومًا كانت الفرحة عظيمة بالشهر الكريم، وكان الشعور عظيمًا ببركته على صعيد الإنجاز، فالعمل مستمر، ولكنه يتضاعف ببركة هذا الشهر.
* في ليبيا:
وهنا الذكريات تكتمل بصلاة التراويح التي أقبلت عليها، وكنت أستمتع بزميل لي يقرأ القرآن ويتلو منه جزءًا كل يوم، وكان الإقبال على الجلسات العلمية مستمرًا.
* في القدس:
كان ذلك قبل نكسة 1967 ولمدة عامين.. ويا لروعة الذهاب إلى المسجد الأقصى والصلاة فيه أثناء النهار وبعد الغروب في العشاء والتراويح. حيث تتجلى معان كثيرة مقترنة بروعة المكان وتستحضر جلال الزمان.
* في موسكو:
ثم تأتي مرحلة تالية يأخذني العمل العام فيها في خضمه فكنت أراجع ما كتبته في أوراقي، وكنت في السبعينيات والثمانينيات دائم الترحال مع الحرص على التقليل منه إذا أقبل رمضان، وإن كان لا بد من السفر في هذا الشهر فكنت أسعد بالتعرف على عادات الشعوب والأقوام..
فما زلت أذكر كم تأثرت في عام 1974 والشيوعية رامية بظلالها الثقيلة على بلادنا الإسلامية في وسط آسيا حين ذهبت إلى الاتحاد السوفيتي السابق ضمن وفد برلماني، وكان الشهر رمضان، وكنت ملتزمًا بالصوم ولله الحمد، في ظل ضيافة لا تلتفت إلى هذه المعاني.
وأذكر أننا كنا في سمرقند والتقينا بشباب يحمل الأسماء الإسلامية، ولكن مع التحوير فهذا أحمدوف وذاك نوروف ..
وتوجهنا مساء يوم إلى قرية فإذا بي أرى رجالًا صائمين تأثرت بهم كثيرًا، ودمعت العين لهم وهي ترى فيما ترى المستقبل وتردد بأن كلمة الله هي العليا ...
* ذكريات شيخ:
كانت تلك الأيام التي قضيتها في أسفاري تختلف عن مرحلة الشيخوخة. التي لها نظام يناسبها مثل كل مرحلة في العمر، حيث أنام الآن مبكرًا وأصحو مبكرًا قبل الفجر بساعة أو اثنتين، ويكون وقت السحر للتلاوة، وبعد أن يستريح المرء بركعتين يطيب لي أن أقرأ في السيرة وبين يدي كتاب:"حدائق الأنوار"للشيباني أطلع عليه للمرة الأولى بعزم، وسأتابع بإذن الله مؤلفات السيرة النبوية؛ حيث حرصت على تكوين ركن في المكتبة لكتب السيرة، وأعزم على قراءتها بإذن الله في هذه المرحلة حيث تتناسب مع ظروفها.
وإذا ما تمت صلاة الفجر أخلد إلى النوم، وهذا طارئ حديث مؤخرًا، وكان علاجًا لعارض صحي أصابني بسبب اضطراري، حيث كنت خلال السنوات الماضية أتابع العمل منذ الصحو في السحر إلى ما بعد الظهر، وقد يمتد إلى العصر، الأمر الذي أخل إخلالًا شديدًا ونبه إلى ضرورة اعتماد الميزان، واستذكار آيات سورة الرحمن، فكل شىء بحسبان.
والنوم يكون لساعة أو اثنتين وهو يفيدني كثيرًا ولله الحمد، وأسمع بعدها أخبار عالمنا لساعة كاملة، ولا أسمع غير ذلك طيلة النهار.
الغث والسمين في رمضان
حلّت برامج التلفاز والألعاب المختلفة مكان المظاهر الروحية البسيطة التي كان يستقبل بها المسلمون رمضان والعيد. فهل يمكن استعادة ما تاه منها في أضواء المدينة؟!
هذا يذكرني بتوجيهات رسول الله صلى الله عليه وسلم من مثل قوله:"المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم"..
أما عن جهاز التلفزة الذي أصبح في كل بيت فللمرء أن يختبر نفسه في التعامل معه، وأذكر أن كثيرًا من البرامج هي من المنغصات في رمضان، وأكتفي برؤية دقائق معدودة ليس من أجلي فحسب، بل من أجل أولادي الذين أربي فيهم النزعة النقدية..
ولكنني أسجّل أنني في السنوات الماضية سمعت من أصدقاء كيف تابعوا مسلسلات قيمة في الساعات المتأخرة من الليل..
أخت كريمة قالت لي: إنها لم تفارق حلقة واحدة من مسلسل"عمر بن عبد العزيز"وفي سنة تالية تابعت مسلسل"هارون الرشيد".
وهذا العام لفتني مسلسل"أم كلثوم"، وخاصة في حلقاته الأولى الذي يتناول الأجواء التي سادت في مطلع القرن والخاصة الإنشاد الديني ويا لروعته، وهو جانب من الفن عنيت به في السنوات الأخيرة من العمر، ولا زلت أحرص على سماع فرقة الإنشاد الديني وخير للمرء أن يتعايش مع متغيرات الحياة حتى لا تخل ببرنامجه الرمضاني، وهذا أمر بالنسبة لجيل الشيوخ سهل، لكنني أتوجه بحديثي إلى جيل الشباب، لأنه ينطوي على طبيعة تنجذب إلى الزخرف، كما أن من طبيعته حب الانطلاق والحركة..
وأقول: إن في حياتنا العصرية الغث والسمين، ولكن الإنسان قادر على أن يختار، لأنه فاعل في هذه الحياة..وأطمح من الشباب أن يتابعوا ثورة الاتصال في كل مجالات المعرفة من علوم وفنون وآداب وقيم روحية، وأن يختاروا ما يناسبهم.
فإذا ما رأى الغث يبادر فيقول: هذا غث. ويطفئ الجهاز، وكذلك عند الطعام تأتي لحظة شعور بالشبع الأول إذا توقف عندها الصائم استلهم روح الشهر، وإذا تجاوزها أكل ضعف ما يحتاج إليه، ويصاب بالتخمة.
من نفحات رمضان
ارتبط رمضان ، أيامه ولياليه بالخير والفرج، فهل تحقق من ذلك شىء في حياتكم وهل هناك موقف تذكرونه دائمًا؟
حينما أتأمل رحلة الحياة وأستذكر فصولًا منها أجد قلبي يردد قبل لساني قول الله تعالى:"وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا". فنعم الله كثيرة على مدار العام، وفي رمضان أكرمنا الله بالبركات المضاعفة المقترنة بالطاعات، فمع الصوم يكون الدعاء في الصلاة أكثر حميمية للصائم، وأذكر أنني كانت لي حاجة، ووجدت لساني يردد في رمضان في الصلاة:
يا رب.. نعمك لا تعد، وقد غمرتنا بها، وهناك نعمة أسألك أن تستكملها وأنت أدرى بها، وأحمد الله أنه قد استجاب دعائي وكانت الفرحة مضاعفة.
هل لنا أن نعرف تلك الحاجة التي دعوت بها ؟
إن من أعظم نعم الله علينا هي أن خلق لنا من أنفسنا أزواجًا لنسكن إليها، وهذه النعمة جعلتني أنا وزوجتي نتطلع إلى يوم الفرحة لكل واحد من أولادنا.. وتتالت الأفراح منذ عام 1986 حين كان زواج ابنتي الأولى ثم ابني في 1992 ثم جاء الدور على الابنة الثالثة، ولكن النصيب كما يقول أهلنا جعلها تؤخر قرار الاستجابة لكل الدقات التي طرقت الباب، وألحّت علينا أن نفرح بالابن الرابع، وتم ذلك في 1996، وجاء أول عام 1998، واستشعرت بقرب الفرحة، فكان الدعاء لها بأن يأتي من ينشرح له صدر ابنتنا، وقد جاء، واستجاب الله دعائي وهانحن في انتظار حفيدنا الثامن بمشيئة الله.
هل لديكم أمنية تحبون أن تتحقق خلال الشهر الكريم ودعاء يحملها ترفعون به أيديكم إلى الله تعالى؟
تلح عليّ هذا العام أمنية عامة من وحي عكوفي على بحث أفكر فيه منذ أيام يتناول تقويم قرن مضى وأبعاد الأزمة التي تعيشها أمتنا في هذه المرحلة، ومعروف عني انتمائي لمدرسة التفاؤل الفاعل، بخلاف التفاؤل المتواكل، كما أرفض التشاؤم اليائس، وقد تشتد الأزمة كثيرًا فيضيق المرء وتبلغ القلوب الحناجر. وهنا يأتي دور الفعل الإنساني العاقل مقرونًا بالدعاء:"اللهم اكشف الغمة عنا، وخذ بأيدينا إلى الحكمة والرشاد".
وأنا أحاول فيما أكتب أن أجتهد لتوضيح سبيل الحكمة والرشاد، وكلما اتسع الخرق على الراقع لجأت إلى خالق الكون أسأله كشف الغمة.
وأقول هذا لأن ما يسمّى بعملية التسوية التي بدأت في 1991 هي في سنتها الأخيرة وقوى الطغيان التي وراءها يرمون بكل ثقلهم لإملاء إرادتهم علينا، وهناك إحساس بالمرارة عندما نشاهد صورًا من هذا الإملاء، حتى إن من هو في موقع السلطان لم يستطع أن يستجمع قواه لرفض الإملاء، ولذلك نضع نصب أعيننا قوله تعالى: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ، وهذا يجعلني أدعو الله، وأتمنى أن تنجح أمتنا في التعامل مع الواقع الجديد قدر المستطاع ليرتد على العدو.
مستقبل القدس
هل لنا أن نتفاءل بشأن القدس وأن الأمة لن تفرط فيها؟
إن أمتنا لن تتنازل عن القدس، وهي في رباط إلى يوم الدين، وأيًا كان الإملاء الذي يفرضه الأعداء علينا فإن شعار الاعتصام بالمقاومة سوف يبرز قويًا، وستربي أمتنا جيلًا جديدًا على ضرورة استعادة المقدسات وتحريرها من الدنس الصهيوني.
وهذا هو سبيلها، فالقدس على مر التاريخ سلبت منا ثلاث مرات، وعادت بعد كل مرة وستبقى نصب العين مقترنة بكونها مكان المسجد الأقصى الذي اختاره الله تعالى مسجدًا منذ أقدم العصور، كما ستظل مقترنة بروعة الصورة التي حدثت يوم الإسراء والمعراج.
أمنية خاصة ودعاء
لي أمنية شخصية أقولها في كلمتين:"حسن الخاتمة"وأدعو ربي قائلًا: اللهم إني أسألك حسن الخاتمة.
تعريف بالدكتور أحمد صدقي الدجاني
هو أحمد صدقي الدجاني من مواليد يافا بفلسطين عام 1355هـ الموافق 1936م، يجمع في حياته بين العمل الفكري الذي يعطيه أولوية في هذه المرحلة، كواحد من أهل القلم، وبين العمل العام الذي ينشغل بقضايا الأمة، ويكون الإسهام فيه من خلال محافل وطنية وإقليمية ودولية، فضلًا عن التأليف والمحاضرة.. وأخيرًا.. هو واحد من أسرة مع الزوجة الكريمة والأولاد"مزنة، والطيب، ومهدى، وبسمة"والأحفاد، وهو في انتظار حفيده الثامن وهو بصدد إصدار كتابه الـ"51"، ويرتبه هذه الأيام، وهو بعنوان:"عرب ومسلمون وعولمة". وهو واحد في سلسلة كتب تناولت منذ السبعينيات قضايا عالمنا وأمتنا برؤية مؤمنة. وهناك مع هذه السلسلة أخرى تختص بالصراع العربي الصهيوني، وآخرها صدور كتاب"أزمة الحل العنصري في فلسطين"الذي تلا كتاب"لا للحل العنصري في فلسطين". وسيدفع للمطبعة قريبا بإذن الله بكتاب يتناول التطورات الأخيرة في الصراع، ويرد على الزعم اليهودي بشأن القدس
ــــــــــــــــــــ