سعود بن إبراهيم الشريم
مكة المكرمة
المسجد الحرام
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-انقضاء الأعمال من غير بركة. 2- رمضان شهر البطولة والأمجاد. 3- رمضان شهر القرآن ، وحال السلف فيه مع القرآن. 4- الإنفاق والإطعام في رمضان. 5- رمضان شهر القيام.
الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا أيها الناس، إن عظم رمضان وجماله، وبهاء الشهر العظيم وروعته، بدا ظاهرا جليا فيما يلتزمه المسلمون في شهرهم هذا من مظاهر الطاعة في كل اتجاهاتها، طاعة فيها كل معاني السمو الروحي، التي تكبح جماح النفس عن نزواتها، وتحد من هفواتها وشهواتها، تتغلب فيه الروح على البدن والجسد، وتكون النفس المؤمنة، أكثر استعدادا لقبول نفحات خالقها ـ جل وعلا ـ.
عباد الله، قبل ليال، انبثق في كبد السماء، هلال رمضان الوليد، انبثق ذلك الوليد؛ ليعلم المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، أن خالقهم قد آذنهم بشهر، له في مجتمعهم تأثير، وفي نفوسهم تأديب، وفي مشاعرهم إيقاظ، وكأنه لهم موسم ربيع، انبثق ذلك الوليد بعد أن ظلوا أحد عشر شهرا، وهم سائرون في مسالك الحياة، ينالون منها، وتنال منهم. انبثق ذلك الوليد، فتساءل الناس في دهشة وذهول، ما أسرع ما عادت الأيام، ورجعت الذكريات!.
إن الزمن، يجري بسرعة عجيبة، فهو دائب الحركة ليلا ونهارا، يتساءل الناس من كان بلغ العشرين من عمره، أو الثلاثين، أو أكثر أو أقل يتساءل عن تلك الأيام التي عاشها، والليالي التي قضاها، فلا ينفك يراها ماضيا تركه خلفه، لن يعود له مرة أخرى.
يشعر الناس جميعا بذلك صغيرهم وكبيرهم لا سيما عند لقاء ربهم حفاة عراة غرلا قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادّينَ [المؤمنون:112، 113] .
على هذه البسيطة، يشب الطفل، ويشيخ الشاب، ومع ذلك ينظر المرء إلى عمره، فلا يجد إلا ماضيا لا يدري ما أوله وآخره، ولكن المرء الذي لا يدري ما كان، يجب أن يعلم، أن الله سجل عليه كل ما كان هَاذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:29] .
أيها المسلمون، تعارف كثير من الناس، على أن يتخذوا من رمضان، شهرا للتراخي والكسل، والتخفف من الجد في العمل، مع أن رمضان في تاريخ الإسلام، شهر جد واجتهاد، بل هو شهر بطولات وأمجاد، بطولات وأمجاد بكل ألوانها وأنماطها، بطولة الصراع في الميدان، بين الكفر والإسلام، وبطولة اليقين والإيمان، وبطولة التأبي على الشهوات، وبطولة الترفع عن خسيس الملذات. ولرمضان من كل هذه البطولات، حظه الوافر، في الماضي والحاضر، من تاريخ الأمة الإسلامية.
رمضان شهر مبارك يلمح فيه المسلم عدة خصال، فهو شهر القرآن إنزالا ومدارسة، شهر القرآن يوم يلقى جبريل ـ عليه السلام ـ رسول الله فيدارسه القرآن، شهر القرآن، وما أدراك ما شهر القرآن؟! إن الإنسان بلا قران، كالحياة بلا ماء ولا هواء، بل إن الإفلاس، متحقق في حسه ونفسه، ذلك أن القرآن، هو الدواء والشفاء وَنُنَزّلُ مِنَ الْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا [الإسراء:82] . قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِى ءاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [فصلت:44] .
شفاء القلوب وشفاء الأبدان، فكلما ضاقت أمام المرء مسالك الحياة وشعابها، وافتقد الرائد عند الحيرة، والنور عند الظلمة، وجد القرآن خير الملجأ، لا يمل حديثه، وترداده يزداد به تجملا وبهاء، وجد في القرآن الملجأ والمعتصم إِنَّ هَاذَا الْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء:9] .
كان بعض السلف، يختم في رمضان، في كل ثلاث ليال، وبعضهم في سبع، وبعضهم في عشر. وكان للشافعي ـ رحمه الله ـ، ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة، وكذا عن أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ، وكان مالك ـ رحمه الله ـ، إذا دخل رمضان، أقبل على تلاوة القرآن، وترك قراءة الحديث، وإنما ورد النهي عن النبي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث، على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن، وهذا قول الإمام أحمد وإسحاق، وغيرهما من الأئمة.
هذا الشهر المبارك، شهر القرآن، يشد الناس إلى الدين، يذكرهم بحق الله، تشم رائحة الدين في كل مجلس تجلس فيه، تحس بإقبال الناس على كتاب الله، يقرؤونه، ويسمعونه، ويتدبرون آياته، إنه يرفع في نفوس الناس درجة الاستعداد، لتغيير ما في النفس، حتى يغير الله ما بهم إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] .
يشعرهم القرآن بضرورة هذا الدين لهم، كضرورة الماء والهواء، وإن كل أمة تهمل أمر دينها وتعطل كلمة الله في مجتمعها، فإنما تهمل أعظم طاقاتها، وتعطل أسباب فلاحها في الدنيا والآخرة، وكل أمة يفقد التدين في مجتمعها، تضطرب أمورها، ويموج بعضها في بعض، ويقلب الله عزها ذلا، وأمنها خوفا، وإحكامها فوضى.
وشهر رمضان: شهر الجود وسعة العطاء: ففي الصحيحين من حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: (( كان النبي أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله حين يلقاه جبريل، أجود بالخير من الريح المرسلة ) ) (1) [1] .
فرسول الله أجود بني آدم على الإطلاق، وكان جوده بجميع أنواع الجود، من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لله ـ تعالى ـ في إظهار دينه، وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكل طريق، من إطعام جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم.
ومن هنا نعلم أن هذا الشهر المبارك، عون للمسلم على الجود، فسكون النفس، وخفتها في المأكل والمشرب، وكثرة المدارسة للقرآن، الذي يحث على المكارم والجود، كل ذلك له تأثير في الواقع.
فالجمع بين الصيام والصدقة، موجب من موجبات الجنة قال رسول الله: (( إن في الجنة غرفا، يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها ) )قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: (( لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام ) ) [رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححه] (2) [2] .
فيا أيها الأغنياء في كل قطر، ويا أيها الأثرياء في كل مصر، إن كان الله ـ تعالى ـ قد تفضل عليكم ورزقكم من الطيبات، وأغناكم عن الحاجة، وصان وجوهكم عن مذلة السؤال، فقد وجب عليكم أن تشكروه على ما منحكم لَئِن شَكَرْتُمْ لازِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7] .
اتقوا الله في البؤساء، الذين أصابتهم الشدائد، والفقراء المحتاجين، من أرباب العيال.
فمن القسوة أن تمنعوا المعونة، وتقبضوا أيديكم شحا وبخلا، أمن الرحمة أن تكونوا في رغد من العيش، وسعة من الرزق، ومن أبقت عليهم صروف الحياة، في شدة من الضيق، وألم من الإعسار؟ أمن المروءة أن تتمتعوا بملابس الزينة، وأخوكم المسلم، يحرقه حر الصيف، ويقرصه برد الشتاء.
إن الغني الذي لا يحس بأن عليه للفقراء حقوقا وواجبات، لقاسي القلب، خال من الشفقة، بعيد من رحمة الله إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مّنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56] . (( الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) ) [أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح] (3) [3] .
إن من الأغنياء، من لا يئن لمتألم، ولا يتوجع لمستصرخ، ولا يحن لبائس، تجرد من العاطفة وحنان الإخاء، يقع أمامه من الحوادث، ما يؤلم القلب ويدمع العين، فلا يتأثر ولا يلين، بل تجده كالصخرة الصماء، وما علم أولئك أن مالك الملك، وخالق الخلق، قادر على أن ينزع عن الغني لباس الغنى، ويعطي البائس الفقير ما يرضيه من متاع الحياة قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلّ شَىْء قَدِيرٌ [آل عمران:26] .
فاتقوا الله أيها الأغنياء، واصنعوا المعروف في أهله ما استطعتم، وافعلوا الخير لعلكم تفلحون، واعلموا أن ما يضيعه البعض منكم في الكماليات لكثير، وقد ينفق في لحظة قصيرة ما يكفي البائس الفقير زمنا طويلا، فأدخلوا السرور على المساكين بالبر والإحسان، لعل الله أن يرحم الجميع، ويكشف ما بهم من ضيق وشدة، وذل وبلاء.
عباد الله، كما أن شهر رمضان، شهر جود وإنفاق، فهو كذلك شهر قيام لله ـ تبارك وتعالى ـ، قال رسول الله: (( من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ) [متفق عليه] (4) [4] .
ياأَيُّهَا الْمُزَّمّلُ % قُمِ الَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا % نّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا % أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتّلِ الْقُرْءانَ تَرْتِيلًا % إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا % إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل:1-6] .
وناشئة الليل هي أوقاته وساعاته. والمقصود، أن قيام الليل هو أشد مواطأة بين القلب واللسان، وأجمع على التلاوة من قيام النهار؛ لأنه وقت انتشار الناس، ولغط الأصوات، وأوقات المعاش.
وكان عمر بن الخطاب ، قد أمر أبي بن كعب، وتميما الداري أن يقوما بالناس في شهر رمضان، فكان القارئ يقرأ بالمائتين في ركعة، حتى كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر، وهذا كله عن رغبة منهم، وحرص وعزيمة.
ومن أم قوما يستثقلون الإطالة، فليخفف القراءة على ما يحتمله الناس، فقد قال أحمد بن حنبل رحمه الله لبعض أصحابه، وكان يصلي بهم في رمضان:"هؤلاء قوم ضعفى، اقرأ خمسا، وستا، وسبعا"يعني من الآيات.
قال رسول الله: (( من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين ) )والمعنى: يكتب له قنطار من الأجر. [رواه أبو داود بإسناد حسن] [5] .
أيها المسلمون، هذا شهر رمضان، أتى ليكون فترة تأديبية، تعلم المرء كيف يهدأ، وكيف يخفف من جماح رغباته، وإسراف شهواته، فها هي المفطرات تكون من حوله، وليس عليه من رقيب أو حسيب، سوى خالقه ومولاه، المطلع على الضمائر والسرائر، قال رسول الله: (( قال الله ـ عز وجل ـ: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ) ) [رواه البخاري] [6] .
فاتقوا الله أيها المسلمون، وأروا الله من أنفسكم في هذا الشهر المبارك، فإن لله نفحات، من حرمها حرم خيرا كثيرًا.
اللهم اجعل مواسم الخيرات لنا مربحا ومغنما، وأوقات البركات والنفحات لنا إلى رحمتك طريقا وسلما.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه البخاري ح (6) ، ومسلم ح (2308) .
[2] حسن، مسند أحمد (1/156) ، سنن الترمذي ح (2527) وقال: حديث غريب. مستدرك الحاكم (1/80 ـ 81) وقال: صحيح على شرطهما. ووافقه الذهبي.
[3] صحيح، سنن أبي داود ح (4941) ، سنن الترمذي ح (1924) .
[4] صحيح البخاري ح (37) ، صحيح مسلم ح (759) .
[5] صحيح سنن أبي داود ح (1398) .
[6] صحيح البخاري ح (5927) ، وأخرجه أيضًا مسلم ح (1151) .
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله أيها المسلمون، واعلموا كما أن لشهر رمضان حوافز ومرغبات، فإن هناك مزعجات ومنغصات، بدت جلية ظاهرة، سببها قصور بعض الناس، الذين يستثقلون هذا الشهر المبارك، ويستعظمون مشقته، فهو كالضيف الثقيل عندهم، يرتقبون خروجه بفارغ الصبر، ويتطلعون إلى انقضائه مشرئبين، اعتادوا على التوسع في الملذات والشهوات من المآكل والمشارب، يأكلون الأرطال، ويشربون الأسطال، وينامون النهار ولو طال، أغرقهم طوفان السُّعار [1] المادي، فجعلهم يطلبون ولا يعطون، ويشتهون ولا يصبرون، ويحسنون الجمع ولا يعرفون القسمة، حتى حطم فيهم روح المغالبة والمقاومة، تراهم ذئابا في الليل، جيفا في النهار، فلا عجب ألا يجد هؤلاء من اللذة والراحة، بهذا الشهر المبارك، ما يجده المؤمنون الصادقون.
ومنغص آخر من منغصات الناس في رمضان، تلكم الحركة النشطة، التي تبثها قنوات الأقمار المرئية، التي تنشر الإثم عاريا، وتحلق الدين قبل أن تحلق العفاف والحياء، جعلوا من رمضان موسم طرب وسهر، تبث فيه الأفلام الرخيصة، والدعايات المضللة، وإن كان للإسلام نصيب في تلك القنوات، فهو إسلام مشوه الصورة، ترى معه القبلات واستجداء اللحظات، صارت وباء كاملا، فاحتلت كل مكان، وجذبت إليها الرشيد والسفيه، والقويم والفاسد، وبذلك تخسر الأمة في كل لحظة مواطنا صالحا، يضل ضلالة، يغش بها ويخدع، ويسرق ويحتال، تمتعا بهذا الترف المرئي، والداء المستشري، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ومنغص ثالث من تلك المنغصات، المرأة المسلمة؛ ما دورها في رمضان؟ أيكون شغلها الشاغل، التفنن في المأكل والمشرب؟ ماذا أدت لخالقها في هذا الشهر؟ كيف يطيب لها إن تسامت إلى الخير، أن تختلي بأجنبي دون محرم؟ كيف يطيب لها أن تخرج إلى المسجد مع سائقها متعطرة متبرجة، قد اصطحبت أطفالها في سذاجة وبلادة، وكأن المصلي هي وحدها؟ آذت وآنت، فما صلت ولا صامت، تحملت الوزر من حيث أرادت الأجر، ربما اعتمرت فطافت وسعت، ثم قصرت فحلت إحرامها، خرجت إلى الأسواق كاشفة الوجه أو العينين، أثارت كوامن الشهوة بعينيها، فعلت بألباب الرجال كما تفعل الخمرة بالعقول، فهي خراجة ولاجة، زرعت بتبرجها دروب الناس ألغاما، طافت بالأسواق، وسعت بين الغادي والرائح، ثم قصرت عن طاعة الله فحلت حياءها، فقارنوا - رحمكم الله - بين هاتين العمرتين!!.
هذا وصلوا ـ رحمكم الله ـ على خير البرية وأفضل البشرية محمد بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة...
[1] السُّعار: شدة الجوع ، وحر النار (لسان العرب ، مادة سعر) .
(( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) )الأعراف-199
ـــــــــــــــ
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
"رمضان موسم عظيم -العمر كله موسم - مضاعفة الأجر في رمضان أعظم الأعمال: الصيام - القيام - القرآن - الصدقة - العمرة"
الخطبة الأولى
أما بعد فقد قال الله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون [البقرة:185] . هذا الشهر المبارك موسم عظيم للخير والبركة والعبادة والطاعة والمؤمن الصادق كل الشهور عنده مواسم للعبادة والعمر كله عنده موسم للطاعة , ولكنه في شهر رمضان تتضاعف همته للخير وينشط قلبه للعبادة أكثر ويقبل على ربه سبحانه وتعالى , وربنا الكريم من جوده وكرمه تفضل علي المؤمنين الصائمين فضاعف لهم المثوبة في هذا الموقف الكريم واجزل لهم العطاء والمكافئة على صالح الأعمال , واعلموا أيها المؤمنون الصائمون أن من أعظم الأعمال في هذا الشهر الكريم الصيام نفسه ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا ) ) (1) [1] . أي سبعين سنة , فإذا كان صيام يوم واحد يباعد العبد عن النار سبعين سنة فما بالك بصيام شهر رمضان كله , والصيام طريق إلى الجنة وباب من أبوابها فعن سهل بن سعد الساعدي رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( إن للجنة بابًا يقال له الريان يدخل منه الصائمون ولا يدخل منه أحد غيرهم ) ) (2) [2] , والصيام مثل القرآن يشفعان للعبد يوم القيامة فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام أي رب منعته الشراب والطعام في النهار فشفعني فيه ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه, قال: صلى الله عليه وسلم يشفعان أي فيشفعان ) ) (3) [3] .
و صيام شهر رمضان خصوصًا يمحو الذنوب ويكفر السيئات ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضى الله عنه قال , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ) (4) [4] , وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن ما اجتنب الكبائر ) ) (5) [5] فدل هذا الحديث على أن المراد تكفير ما سوى الكبائر من الذنوب أما الكبائر فلا يمحوها إلا التوبة الصادقة, واعلموا أن من أجل الأعمال أيضًا وأعظمها في هذا الموسم العظيم القيام أو صلاة الليل سواء كان مع الإمام في صلاة التراويح أو كان القيام في البيت منفردًا وحده في أخر الليل وهذه أفضل من تلك كما قال عمر الفاروق رضى الله عنه:"والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون", قال الله تعالى لنبيه ومصطفاه يأيها المزمل قم الليل إلا قليلًا نصفه أو انقص منه قليلًا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلًا [المزمل:1-4] , وقال سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أمرًا أو نادبًا أمته إلى قيام الليل (( يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام ) ) (6) [6] , وقال صلى الله عليه وسلم في قيام شهر رمضان على وجه الخصوص (( من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ) (7) [7] , وقال عن القيام مع الإمام في صلاة التراويح على وجه الخصوص أيضًا (( من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ) ) (8) [8] من قام مع الإمام حتى ينصرف أي ينتهي من صلاته كتب له قيام ليلة كأنما قام تلك الليلة كلها في الفضل والأجر والثواب , ولقد صلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة التراويح بأصحابه ولكنه لم يزد علي إحدى عشر ركعة وصلاها الصحابة بعده في عهد الصديق إحدى عشرة ركعة وكذلك في أول عهد الفاروق عمر ثم صلوها إحدى وعشرين وفي رواية ثلاث وعشرين فدل ذلك على أن كلًا سنة وعلى أن هذا الأمر فيه سعة.
و اعلموا أيها المؤمنون الصائمون أن من أجل الأعمال وأعظمها أيضًا في هذا الموسم الكريم قراءة كتاب الله عز وجل وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار فهذا شهر القرآن شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن , وكان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل هذا الشهر الكريم شمر وأيقظ أهله وكان يلتقي فيه بأمين وحي رب العالمين جبريل يدارسه القرآن ويعرض عليه القرآن , وقال صلى الله عليه وسلم (( من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ) ) (9) [9] , والقرآن كما سبق أن ذكرنا يشفع لصاحبه يوم القيامة في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف البقرة وآل عمران بالزهراوين وقال (( إنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان يحاجان عن صاحبهما ) ) (10) [10] أي عن الذي يحفظهما ويقرأ بهما دائمًا يأتيان يذبان عنه ويدافعان ويحاجان عنه يوم القيامة , وكذلك روي عنه صلى الله عليه وسلم أن سورة الملك: تبارك الذي بيده الملك تذب عن صاحبها في القبر من يحفظها ويقرأ بها تذب عنه وتدافع عنه عذاب القبر (11) [11] . فعليكم بهذا الكتاب العظيم اقرؤوا كتاب الله عز وجل واتلوه آناء الليل وأطراف النهار فإن من أراد أن يناجي ربه فليقرأ هذا القرآن العظيم فإنه كلام الله ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر [القمر:32-40] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صلى وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين .
أما بعد فاعلموا أن من أجل الأعمال أيضًا وأعظمها وخاصة في هذا الموسم العظيم البذل والإنفاق علي الأهل والعيال والأرحام والصدقة علي الفقراء والمساكين والمحتاجين فهذا الشهر شهر البذل والإنفاق والجود والكرم وكان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم الناس وأعظمهم جودًا وكرمًا وبذلًا وسخاءً وإنفاقًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر قط وقد أعطى رجل من أصحابه ما بين جبلين من الماشية (12) [1] وكان صلى الله عليه وسلم إذا جاء هذا الشهر الكريم يكون أعظم ما يكون جودًا وكرمًا يصير مثل الريح المرسلة كما قال عبد الله بن عباس رضى الله عنهما (13) [2] , والصدقة من أعظم أبواب البر قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (( والصدقة برهان ) ) (14) [3] أي دليل على صدق إيمان العبد لأنه بذلك يكون قد تغلب علي الطبيعة المغروسة في الإنسان وهي الشح: ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون [الحشر:9] , وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإكثار من الصدقة فقال: (( أيها الناس تصدقوا ) )وقال: (( اتقوا النار ولو بشق تمرة ) )وأمر النساء على وجه الخصوص بالإكثار من الصدقة فقال صلى الله عليه وسلم: (( تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار ) ).