وأحب أن أقول هنا كلمة منصفة: إن بعض الرجال يسرفون إسرافًا شديدًا في الغيرة على جنس النساء، والتضييق عليهن، فلا يؤيدون فكرة ذهاب المرأة إلى المسجد بحال، برغم الحواجز الخشبية العالية التي تفصل بين الرجال والنساء، والتي لم يكن لها وجود في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، والتي تمنع النساء من معرفة تحركات الإمام إلا بالصوت والسماع، ولا غرو أن ترى بعض هؤلاء الرجال يسمحون لأنفسهم في المسجد بالكلام والأحاديث، ولا يسمح أحدهم لامرأة أن تهمس في أذن جارتها بكلمة ولو في شأن ديني، وهذا مبعثه التزمت وعدم الإنصاف، والغيرة المذمومة التي جاء بها الحديث: (إن من الغيرة ما يبغضه الله ورسوله) ، وهي الغيرة في غير ريبة.
لقد فتحت الحياة الحديثة الأبواب للمرأة. فخرجت من بيتها إلى المدرسة والجامعة والسوق وغيرها، وبقيت محرومة من خير البقاع وأفضل الأماكن وهو المسجد. وإني أنادي بلا تحرج،: أن أفسحوا للنساء في بيوت الله، ليشهدن الخير، ويسمعن الموعظة ويتفقهن في الدين، ولا بأس أن يكون من وراء ذلك ترويح عنهن في غير معصية ولا ريبة، ما دمن يخرجن محتشمات متوقرات بعيدات عن مظاهر التبرج الممقوت. والحمد لله رب العالمين
س: ما حكم الإسراع في صلاة التراويح ؟
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
ج: ثبت في الصحيحين عن رسو ل الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه) . فالله سبحانه وتعالى شرع في رمضان في نهاره الصيام، وشرع عل لسان رسوله في ليله القيام، وجعل هذا القيام سببًا للتطهر من الذنوب والخطايا.. ولكن القيام الذي تغفر به الذنوب، وتغسل فيه الأدناس، هو الذي يؤديه المسلم كاملا بشروطه وأركانه وآدابه وحدوده. وقد علمنا أن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة كقراءة الفاتحة، وكالركوع وكالسجود.. فإن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أساء بعض الناس الصلاة أمامه ولم يؤد لها حقها من الاطمئنان، قال له: (ارجع فصل، فإنك لم تصل) . ثم علمه كيف تكون الصلاة المقبولة فقال له: (اركع حتى تطمئن راكعًا، واعتدل حتى تطمئن قائمًا، واسجد حتى تطمئن ساجدًا، واجلس بين السجدتين حتى تطمئن جالسًا وهكذا ( [رواه الشيخان وأصحاب السنن من حديث أبي هريرة] فالطمأنينة في جميع هذه الأركان شرط لا بد منه، وحد الطمأنينة المشروطة قد اختلف فيه العلماء. فمنهم من جعل أدناه أن يكون مقدار تسبيحة كأن يقول: سبحان ربي الأعلى مثلا. وبعضهم كالإمام شيخ الإسلام ابن تيمية اشترط أن يكون مقدار الطمأنينة في الركوع والسجود نحو ثلاث تسبيحات، فقد جاء في السنة أن التسبيح ثلاث، وذلك أدناه، فلا بد أن تطمئن بمقدار ثلاث تسبيحات.. ويقول الله عز وجل: ]قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون [ [المؤمنون: 1،2] .
والخشوع نوعان: خشوع بدن، وخشوع قلب.
فخشوع البدن: أن يطمئن البدن ولا يعبث ولا يلتفت المرء تلفت الثعلب. ولا ينقر الركعات والسجدات نقر الديكة وإنما يؤديها بأركانها وحدودها كما شرعها الله عز وجل..
لابد إذن من خشوع البدن.. ولا بد من خشوع القلب ...
وخشوع القلب معناه استحضار عظمة الله عز وجل، وذلك بالتأمل في معاني الآيات التي تتلى، وبتذكر الآخرة، وبتذكر أن المصلي بين يدي الله عز وجل.. وأن الله تعالى يقول في الحديث القدسي (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين . قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم. قال الله عز وجل: أثنى عليًّ عبدي. وإذا قال: مالك يوم الدين. قال الله تعالى: مجدني عبدي. وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين ، قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي، وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم . قال الله تعالى: هذا لعبدي. و لعبدي ما سأل) [رواه مسلم] . فالله سبحانه وتعالى ليس بمعزل عن المصلي، ولكنه يجيبه فلا بد أن يتجاوب المسلم المصلي مع الله عز وجل، وأن يستحضر قلبه في كل حركة من حركات الصلاة، وفي كل وقت من أوقاتها، وفي كل ركن من أركانها، فالذين يصلون وكل همهم أن يفرغوا من الصلاة، وأن يتخلصوا منها، وأن يلقوها كأنها عبء فوق ظهورهم، فإنها ليست هذه هي الصلاة المطلوبة وكثير من الناس يصلون في رمضان العشرين والثلاث والعشرين ركعة في دقائق معدودات، كل همه أن يخطف الصلاة خطفًا، وأن ينتهي منها في أسرع وقت ممكن ... لا يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها.. فهذه كما ورد في الحديث: (تعرج إلى السماء وهي سوداء مظلمة تقول لصاحبها: ضيعك الله كما ضيعتني) . والصلاة الخاشعة المطمئنة تعرج إلى السماء بيضاء ناصعة تقول لصاحبها: حفظك الله كما حفظتني.
ونصيحتي لكثير من الأئمة والمصلين الذين يصلون هذا العدد بغير إتقان ولا خشوع ولا حضور قلب ولا سكون بدن، أن يصلوا ثماني ركعات مطمئنة خاشعة متقنة خير من هذه العشرين، فليست العبرة بالكمِّ والكثرة، ولكن العبرة بالكيف والنوع ... العبرة في الصلاة نفسها.. هل هي صلاة الخاشعين ؟ أم هي صلاة الخاطفين ؟
نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المؤمنين الخاشعين
هل يقبل الصيام من تارك الصلاة ؟ أم أن العبادات كلها مقرونة بعضها ببعض بحيث لا يقبل شيء منها إذا ترك الآخر؟
يجيب فضيلة الدكتور القرضاوي:
المسلم مطالب أن يؤدي العبادات كلها: يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويحج البيت متى استطاع إليه سبيلا. فمن ترك واحدة من هذه الفرائض بغير عذر يعتد الله به، فلعلماء الإسلام فيه آراء شتى، فمنهم من يذهب إلى كفره بترك أي واحدة منها. ومنهم من يكفر تارك الصلاة ومانع الزكاة. ومنهم من يكفر تارك الصلاة فحسب، لمنزلتها في دين الله ولما ورد أن (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة) رواه مسلم.
ومن ذهب إلى تكفير تارك الصلاة عمدًا، فلا يظن أن يقبل صومه، إذ الكافر لا تقبل له عبادة أصلًا. ومنهم من يبقي عليه إيمانه وإسلامه ما دام مصدقًا بالله ورسوله وما جاء به غير جاحد ولا مرتاب. ويكتفي هذا الفريق من العلماء بوصفه بالفسوق عن أمر الله.
ولعل هذا الرأي والله أعلم هو أعدل الأقوال وأقربها. وعلى هذا فإذا قصر لكسل أو هوى في بعض الفرائض غير منكر ولا مستهزئ وأدى البعض الآخر، كان ناقص الإسلام، ضعيف الإيمان، ويخشى على إيمانه إذا استمر على الترك. ولكن الله تعالى لا يضيع أجر عمل أحسنه. بل له عند الله بقدر عمله: له مثوبة ما أدى. وعليه وزر ما فرط ]وكل صغير وكبير مستطر [ {القمر:53} ] فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره[ {الزلزلة: 7،8}
ما هي المسافة التي يجوز للمسافر إذا قطعها أن يفطر هل هي حقًا 81 كيلو مترًا ؟ وهل يجوز له ألا يفطر إذا لم يواجه مشقة في سفره ؟
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
ج: أما المسافر فله أن يفطر بنص القرآن الكريم: ] فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر [ والمسافة قد اختلف فيها الفقهاء ولكن هذه المسافة التي يسأل عنها السائل وهو أكثر من 80 كيلو مترًا أعتقد أن الجميع يوافقون عليها وقد قدرت المسافة لقصر الصلاة ولإباحة الفطر عند أكثر المذاهب بنحو 84 كيلو مترًا وهذه التقديرات تقريبية ... ولم يجيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه تقدير بالمتر ولا بالكيلو متر، فهذه المسافة كافية، وإن كان بعض العلماء لا يشترط مسافة أصلا، فإن كل سفر يسمى سفرًا لغة وعرفًا يجيز فيه قصر الصلاة، كما يجيز فيه للمسافر أن يفطر.. هذا ما قرره القرآن الكريم وما قررته السنة، وهو مخير في ذلك، فقد كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يسافرون مع النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب المفطر على الصائم، ولم يعب الصائم على المفطر. ولكن المسافر الذي يشق عليه الصوم مشقة شديدة يكره له أن يصوم، بل ربما حرم عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم في رجل ظلل عليه من شدة مشقة الصوم عليه، فسأل عنه فقالوا: صائم. فقال صلى الله عليه وسلم: (ليس من البر الصيام في السفر) [رواه البخاري] وذلك فيمن اشتدت المشقة عليه، ومن لم يشق عليه فهو بالخيار كما قلنا، يصوم أو يفطر، ولكن ما أفضلهما ؟
اختلف العلماء، بعضهم فضل الصيام، وبعضهم فضل الفطر، وقال عمر ابن عبد العزيز: أيسرهما أفضلهما. فبعض الناس يكون أيسر عليه أن يصوم مع الصائمين، لئلا يقضي بعد ذلك أيامًا والناس مفطرون، فهذا نقول له: صم. وبعض الناس يرى أن الفطر عليه أيسر في رمضان، ليقضي أمورًا، ويقضي حاجات ويتحرك بسهولة، في قضاء ما شرع الله له وما أباح له فهذا نقول له: افطر واقض عدة من أيام أخر. فأيسرهما على صاحبه فهو أفضل. وروى أبو داود عن حمزة ابن عامر الأسلمي قال: قلت يا رسول الله إني صاحب ظهر (أي صاحب ركوبة) أعالجه وأسافر عليه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر وأنا أجد القوة، وأنا شاب، وأجدني أن أصوم يا رسول الله أهون عليَّ من أن أؤخر فيكون دينًا علي، أفأصوم يا رسول الله ؟ أعظم لأجري ؟ أم أفطر ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي ذلك شئت يا حمزة) . أي اختر ما يتيسر لك.
وفي رواية النسائي عنه: أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أجد قوة على الصيام في السفر، فهل عليَّ جناح ؟ قال: (هي رخصة الله لك، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه) . هذا هو شرع الله في المسافر. وليس من الضرورة ولا من الشرط في هذه الرخصة أن تكون المشقة شديدة أن تتحقق المشقة، بل السفر نفسه مبيح للفطر، لم يعلق الله الرخصة على المشقة، وإنما علقها على السفر. فان المشقة لو علق بها الحكم لاختلف الناس فيها اختلافًا شديدًا، فالمتزمت يعاني أصعب المشقات، ومع هذا يقول: ليست هذه مشقة فيكلف نفسه ما يرهقها، وما يعنتها، والله لا يريد إعنات عباده. والمترخص يعتبر أدنى جهد مشقة عليه.
لهذا علق الله حكم الإفطار في السفر، على السفر نفسه، فلو سافر الإنسان في طائرة أو في قطار أو في سيارة، فله أن يفطر، فإن المسألة أن عليه الدين، عليه أن يقضي عدة من أيام أخر، لا يسقط عنه الصوم سقوطًا أبديًا، إنما هو سقوط مؤجل، سقوط إلى بدل آخر، إلى القضاء، فهو مخير في هذه الحالة ولو لم يجلب السفر له المشقة. والذي جرب الأسفار يعلم أن السفر في نفسه قطعة من العذاب، سواء أسافرَ الإنسان على الدابة أم سافر على الطائرة، فمجرد ابتعاد الإنسان عن محل استقراره، ومجرد بعده عن أهله، يشعر شعورًا نفسيًا بأنه غير طبيعي، وغير مطمئن في حياته، وغير مستقر. لهذه المعاني النفسية، فوق المعاني البدنية شرع الله الفطر، ولغيرها من الحكم مما نعلم ومما لا نعلم، وحسبنا أن نقف عند النص ولا نتفلسف ولا نضيع أو نهدر أو نبطل رخصة رخصها الله لعباده] يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر[ والله أعلم
هل الأفضل للمرأة في شهر رمضان المبارك أن تصلي التراويح في البيت أم في المسجد؟
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
ج: صلاة التراويح بالنسبة للمرأة وللرجل جميعًا، يجوز أن تؤدى في البيت ويجوز أن تؤدى في المسجد، إلا أن صلاة المرأة في بيتها بصفة عامة أفضل. ولكن إذا كانت المرأة تستفيد في المسجد درسًا علميًا أو تسمع موعظة تنتفع بها في دينها، تكون صلاتها في المسجد افضل لها. فإن طلب العلم والتفقه في الدين فرض عليها.
والحقيقة أني أرى النساء في هذه الأيام محرومات من التوجيهات الدينية النافعة، والدروس العلمية التي تفقهها في دينها، وتعرفها حق ربها وواجب طاعته وعبادته والاستقامة على نهجه، كما تعرفها حق زوجها، وحق أولادها، فلا الزوج يعلمها ذلك، ولا هي تسعى إلى دروس العلم.
فإذا كان رمضان، وأمكن أن تستفيد مما يلقى فيه من دروس ومواعظ، فالأفضل لها أن تذهب إلى المسجد، وإلا فلها أن تصلي في البيت، وإذا رغبت على أي حال أن تصلي في المسجد، فليس لزوجها أن يمنعها، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) [رواه مسلم] بشرط أن تلتزم المرأة الأدب الإسلامي في ملابسها وفي مشيتها، ولا تتبرج بزينة، ولا تذهب متبخترة كأنها تعرض نفسها.. لا ينبغي هذا، وإنما ليكن ذهابها خالصًا لله، لا للفرجة ولا للمباهاة، وهذا ما ينبغي أن تحرص عليه المرأة المسلمة
هل يجوز قضاء ما يفطر المسلم من رمضان في شهر شعبان ؟
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
ما فات من رمضان من أيام على المسلم أو على المسلمة فعليه أن يقضيه عند الاستطاعة حينما تتاح له الفرصة، طيلة أشهر العام، قبل رمضان التالي، ومعنى هذا أن أمام المسلم أحد عشر شهرًا يستطيع أن يقضي فيها ما فاته من رمضان، سواء كان أفطر لعذر مرض أو سفر أو لعذر حيض أو لغير ذلك من أعذار.
هناك نوع من السعة في الشرع، لقضاء ما فات من رمضان. يستطيع أن يقضي في شوال أي بعد رمضان مباشرة، وما بعد شوال. ولا شك أن المبادرة أفضل، مسارعة في الخيرات، كما قال تعالى: ]فاستبقوا الخيرات[ ولأن إنسانًا لا يضمن أجله، ولهذا يكون الأحوط لنفسه، والأضمن لآخرته أن يعجل بإبراء ذمته بقضاء ما فاته.
فإذا أجله لعذر ما، كشدة الحر، أو لضعف وعجز في صحته، أو طرأت عليه مشاغل لم يتمكن معها من الصوم قضاء ما فاته، يستطيع أن يقضي إلى رمضان الآتي.
فإذا جاء شعبان ولم يقض ما فاته، فإن عليه أن يقضي في شعبان، لأنه الفرصة الأخيرة وقد كانت تفعل ذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقد كانت كثيرًا ما يفوتها بعض أيام من رمضان، فتقضيها في شعبان.. وذلك لا حرج فيه، وإن كان هناك اشتباه لدى بعض الناس في هذا الأمر، فهذا لا أساس له من الشرع.. إذ كل الشهور يمكن أن تكون محلا لقضاء ما فات من رمضان.
ولكن هب أن إنسانًا كان مريضًا في شهر رمضان الماضي، وحتى الآن، وقد وافاه رمضان التالي وهو على حاله من المرض، لا يستطيع قضاء ما فاته إلا بمشقة شديدة وحرج وإعنات. مثل هذا يبقى ما فاته من صيام رمضان دَينًا مؤجلا عليه إلى ما بعد رمضان، حين يستعيد صحته ومقدرته على الصيام، ولا حرج عليه في ذلك، فالله تعالى ختم آية الصوم بقوله: ]يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [ [البقرة: 185]
أفيدونا عن السحور .. هل هو شرط في صحة الصوم ، أم أنه ليس كذلك ؟؟
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
السحور ليس شرطًا في الصيام، وإنما هو سنة، عن النبي صلي الله عليه وسلم فعلها وأمر بها، وقال: ( تسحروا، فإن في السحور بركة ) [متفق عليه من حديث أنس] . فيسن السحور ويسن تأخيره، لأنه مما يقوي المسلم على الصيام ، ويخفف عنه مشقة الصوم ؛ لأنه يقلل مدة الجوع والعطش ، وقد جاء هذا الدين بالميسرات ، التي تيسر على الناس عباداتهم ، وترغبهم فيها ، ومن ذلك تعجيل الفطور وتأخير السحور ، فيسن للمسلم الصائم أن يقوم إلى السحور ويتسحر ولو بالقليل ولو بتمرة أو شربة ماء، عملا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي السحور فائدة أخرى روحية ، وهي التنبه والاستيقاظ قبل الفجر ، ساعة السحور التي يتجلى الله فيها لعباده ، فيجيب من دعا ، ويغفر لم استغفر ، ويتقبل ممن عمل صالحًا . وما أعظم الفرق بين من يقضي هذا الوقت ذاكرًا تاليًا ، من يمر عليه راقدًا نائما
هل يجوز للشيخ كبير السن أن يفطر في رمضان وماذا يجب عليه عند ذلك ؟ وهل يصح للمرأة الحامل أن تفطر في رمضان خوفًا على الجنين أن يموت ؟ وماذا يجب عليها ؟ وهل يجوز استعمال الطيب في شهر رمضان ؟
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
أما السؤال الأول فأجيب عنه بأنه يجوز لمثل هذا الشيخ الكبير الذي يجهده الصوم ويشق عليه مشقة شديدة، ومثله المرأة العجوز طبعًا، يجوز لهما أن يفطرا في رمضان، ومثلهما كل مريض لا يرجى شفاؤه من مرضه.
المريض مرضًا مزمنًا، قرر الأطباء أنه مستعص على العلاج، أو أنه مزمن معه، يجوز له أن يفطر، وهؤلاء إذا أفطروا عليهم فدية طعام مسكين عن كل يوم، رخصة من الله وتيسيرًا. وقال تعالى: ]يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [ {البقرة:185} ] وما جعل عليكم في الدين من حرج [ {الحج:78} وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (رخص للشيخ الكبير أن يفطر، ويطعم عن كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليه) [رواه الدارقطني والحاكم وصححاه] ، وروى البخاري عنه قريبًا من هذا: أن في الشيخ الكبير ونحوه نزل قوله تعالى: ]وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرًا فهو خير له[ {البقرة:184} أي من زاد عن طعام المسكين فهو أفضل وأبقى له عند الله. فالشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمريض الذي لا يرجى برؤه من مرضه، كل هؤلاء لهم أن يفطروا ويتصدقوا عن كل يوم طعام مسكين ...
وأما السؤال الثاني: هل يصح للمرأة الحامل أن تفطر في رمضان إذا خافت على جنينها أن يموت ؟ فنعم..لها أن تفطر.. بل إذا تأكد هذا الخوف أو قرره لها طبيب مسلم ثقة في طبه ودينه، يجب عليها أن تفطر حتى لا يموت الطفل، وقد قال تعالى: ] ولا تقتلوا أولادكم[ {الأنعام:151} ، {والإسراء:31} وهذه نفس محترمة، لا يجوز لرجل ولا لامرأة أن يفرط فيها ويؤدي بها إلى الموت. والله تعالى لم يعنت عباده أبدًا، وقد جاء عن ابن عباس أيضًا أن الحامل والمرضع ممن جاء فيهم )وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين).
وإذا كانت الحامل والمرضع تخافان على أنفسهما فأكثر العلماء على أن لهما الفطر وعليهما القضاء فحسب.. وهما في هذه الحالة بمنزلة المريض. أما إذا خافت الحامل أو خافت المرضع على الجنين أو على الولد، نفس هذه الحالة اختلف العلماء بعد أن أجازوا لها الفطر بالإجماع، هل عليها القضاء أم عليها الإطعام تطعم عن كل يوم مسكينًا، أم عليها القضاء والإطعام معًا، اختلفوا في ذلك، فابن عمر وابن عباس يجيزان لها الإطعام وأكثر العلماء أن عليها القضاء، والبعض جعل عليها القضاء والإطعام، وقد يبدو لي أن الإطعام وحده جائز دون القضاء، بالنسبة لامرأة يتوالى عليها الحمل والإرضاع، بحيث لا تجد فرصة للقضاء، فهي في سنة حامل، وفي سنة مرضع، وفي السنة التي بعدها حامل.. وهكذا.. يتوالى عليها الحمل والإرضاع بحيث لا تجد الفرصة للقضاء، فإذا كلفناها قضاء كل الأيام التي أفطرتها للحمل أو للإرضاع معناها أنه يجب عليها أن تصوم عدة سنوات متصلة بعد ذلك، وفي هذا عسر، والله لا يريد بعباده العسر. هذا بالنسبة للسؤال الثاني. وأما السؤال الثالث عن استعمال الطيب في شهر رمضان فهو جائز ولم يقل أحد بحرمة استعمال الطيب في رمضان ولا بأنه مفسد للصوم، والله أعلم.
لقد أجريت لي عدة عمليات، ومنعني الطبيب من الصيام، وصمت بعد العمليات بسنتين وتعبت من ذلك الصيام، وأنا رجل عاقل، فهل يصح لي أن أتصدق بدل الصيام؟ وهل يصح لي أن أعطي نقودًا لبعض الضعفاء والمحتاجين نظير إفطاري في نهار رمضان؟
أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض، لقوله تعالى: ] شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر، يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر[ {البقرة:185} فبالنص والإجماع يجوز الفطر للمريض، ولكن ما المرض المبيح للفطر، إنه المرض الذي يزيده الصوم، أو يؤخر الشفاء على صاحبه، أو يجعله يتجشم مشقة شديدة، بحيث لا يستطيع أن يقوم بعمله الذي يتعيش منه ويرتزق منه، فمثل هذا المرض هو الذي يبيح الفطر، فيل للإمام أحمد: متى يفطر المريض ؟ قال: إذا لم يستطع. قيل له: مثل الحمى ؟ قال: وأي مرض أشد من الحمى ؟ وذلك، أن الأمراض تختلف، فمنها مالا أثر للصوم فيه، كوجع الضرس وجرح الإصبع والدمل الصغير وما شابهها، ومنها ما يكون الصوم علاجًا له، كمعظم أمراض البطن، من التخمة، والإسهال، وغيرها فلا يجوز الفطر لهذه الأمراض، لأن الصوم لا يضر صاحبها بل ينفعه، ولكن المبيح للفطر ما يخاف منه الضرر. والسليم الذي يخشى المرض بالصيام، يباح له الفطر أيضًا كالمريض الذي يخاف زيادة المرض بالصيام. وذلك كله يعرف بأحد أمرين:
إما بالتجربة الشخصية. وإما بإخبار طبيب مسلم موثوق به، في فنه وطبه، وموثوق به في دينه وأمانته، فإذا أخبره طبيب مسلم بأن الصوم يضره، فله أن يفطر، وإذا أبيح الفطر للمريض ولكنه تحمل وصام مع هذا فقد فعل مكروهًا في الدين لما فيه من الإضرار بنفسه، وتركه تخفيف ربه وقبول رخصته، وإن كان الصوم صحيحًا في نفسه، فإن تحقق ضرره بالصيام وأصر عليه فقد ارتكب محرمًا، فإن الله غني عن تعذيبه نفسه. قال تعالى: ] ولا تقتلوا أنفسكم. إن الله كان بكم رحيمًا[ {النساء:29} .
بقي شيء من سؤال السائل وهو: هل يجوز له أن يتصدق بدل الأيام التي أفطرها وهو مريض ؟ فنقول له: المرض نوعان: مرض مؤقت يرجى الشفاء منه وهذا لا يجوز فيه فدية ولا صدقة، بل لابد من قضائه كما قال تعالى: ] فعدة من أيام أخر[ فإذا أفطر شهرًا فعليه شهر وإذا أفطر يومًا فعليه يوم، فإذا أفطر أيامًا فعليه أن يقضي مثلها حين يأتيه الله بالصحة وتتاح له فرصة القضاء.. هذا هو المرض المؤقت.
أما المرض المزمن فحكم صاحبه كحكم الشيخ الكبير والمرأة العجوز إذا كان المرض لا يرجى أن يزول عنه. ويعرف ذلك بالتجربة أو بإخبار الأطباء فعليه الفدية: إطعام مسكين. وعند بعض الأئمة كأبي حنيفة يجوز له أن يدفع القيمة نقودًا إلى من يرى من الضعفاء والفقراء والمحتاجين
هل يصح للمريض أن يأخذ حقنًا في شهر رمضان أو حقنًا شرجية، وهل يصح للمريض وهو صائم وآذانه تؤلمه أن يضع فيها الدواء، وهل يصح للمرأة أن تكحل عينيها في شهر رمضان صباحًا ؟
يجيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
نقول لكل من يستفسر عن أخذ الحقن أو الإبر في شهر رمضان بأن الإبر أنواع فمنها ما يؤخذ كدواء وعلاج، سواء كان في الوريد أو في العضل أو تحت الجلد، فهذه لا مجال للخلاف فيها، فهي لا تصل إلى المعدة، ولا تغذي، فهي لذلك لا تفطر الصائم ولا مجال للكلام هنا.