فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 292

الاصطدام ليس من الحديث بل من العقل، فكل المهتمين بالعلوم الحديثة يحترمون عقولهم احتراما عظيما. ومن احترام العقل أن نقارن العلم بالجهل. العلم يتكون من أكداس المعرفة التي تراكمت لدى الإنسانية جمعاء بتضافر جهودها جيلا بعد جيل لسبر أغوار المجهول. أما الجهل فهو كل ما نجهله، أي ما لم يدخل بعد في نطاق العلم. وبالنظرة المتعقلة تجد أن العلم لم يكتمل بعد. وإلا لتوقف تقدم الإنسانية. وأن الجهل لا حدود له. والدليل على ذلك تقدم العلم وتوالي الاكتشافات يوما بعد يوم من غير أن يظهر للجهل نهاية. إن العالم العاقل المنصف يدرك أن العلم ضخم ولكن حجم الجهل أضخم. ولذلك لا يجب أن يغرقنا العلم الذي بين أيدينا في الغرور بأنفسنا. ولا يجب أن يعمينا علمنا عن الجهل الذي نسبح فيه. فإننا إذا قلنا أن علم اليوم هو كل شيء، وإنه آخر ما يمكن الوصول إليه أدى ذلك بنا إلى الغرور بأنفسنا، وإلى التوقف عن التقدم، وإلى البلبلة في التفكير. وكل هذا يفسد حكمنا على الأشياء، ويعمينا عن الحق حتى لو كان أمام عيوننا. ويجعلنا نرى الحق خطأ، والخطأ حقا، فتكون النتيجة أننا نقابل أمورا تصطدم بعقولنا اصطداما.. وما كان لها أن تصطدم لو استعملنا عقولنا استعمالا فطريا سليما يحدوه التواضع والإحساس بضخامة الجهل أكثر من التأثر ببريق العلم والزهو به.

3.ليس صحيحا أنه لم يرد في الطب شيء عن علاج الأمراض بالذباب، فعندي من المراجع القديمة ما يوصف وصفات طبية لأمراض مختلفة باستعمال الذباب. أما في العصر الحديث فجميع الجراحين الذي عاشوا في السنوات التي سبقت اكتشاف مركبات السلفا -أي في السنوات العشر الثالثة من القرن الحالي- رأوا بأعينهم علاج الكسور المضاعفة والقرحات المزمنة بالذباب. وكان الذباب يربى لذلك خصيصا. وكان هذا العلاج مبنيا على اكتشاف فيروس البكتريوفاج القاتل للجراثيم. على أساس أن الذباب يحمل في آن واحد الجراثيم التي تسبب المرض، وكذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت