1-3-2003 العدد 13:
"الحلقة التاسعة والعشرون"
نواصل في هذا التحذير تقديم البحوث العلمية الحديثية للقارئ الكريم حتى يقف على حقيقة هذه القصة التي اشتهرت وانتشرت على ألسنة الخطباء والوعاظ والقصاص واغتر الكثيرون بوجودها في كتب السيرة .
أولًا: القصة:
قال ابن إسحاق: فَحُدِّثْتُ عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام ، فوقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليهم ، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر ؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي ، قالت: فرفع أبو جهل لعنه الله يده ، وكان فاحشًا خبيثًا ، فلطم خدي لطمة ، فطرح منها قرطي، قالت: ثم انصرف فمكثنا ثلاث ليال وما ندري أين وجه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب ، وإن الناس ليتبعونه يسمعون صوته وما يرونه، حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه
رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر ثم تروَّحا
فأفلح من أمسي رفيق محمد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم
ومقعدها للمؤمنين بمرصد
ثانيًا: التحقيق:
القصة ليست صحيحة . رواها ابن إسحاق كما في"السيرة" (2-109) لابن هشام . حيث أوردها في"سيرة النبي" (2-109) (ح513) فذكر أن ابن إسحاق قال:"فَحُدِّثْتُ عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: لما خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ..."القصة.
قلت: فسند القصة منقطع ، يشهد لذلك صيغة الرواية في قول ابن إسحاق:"فَحُدّثتُ"التي جاءت بصيغة المبني للمجهول ، التي تدل على أن هناك سقطًا في الإسناد .
ويشهد لانقطاع السند أيضًا قول الحافظ ابن حجر في"التقريب" (2-144) :"محمد بن إسحاق بن يسار ، أبو بكر ، المطلبي ، مولاهم المدني ، نزيل العراق ، إمام المغازي صدوق يدلس".
قلت: ورواية السند بصيغة المبني للمجهول فيها إسقاط في السند ، وهذا أشد من تدليس الشيوخ ، حيث يتسبب في تضييع المروي عنه،