الأمة متفرقة في الأصقاع والأمصار، فيها القوي والضعيف، والعالم بالمصلحة والجاهل، والعاقل وغيره، وصاحب الهوى وما إلى ذلك من الاختلافات، التي يصعب معها التمييز بين الصالح والطالح، والذي يُتوسَّم فيه حمل هذه الأمانة وغيره؛ لذا كانت المسؤولية في هذا المجال واقعةً على أعناق عقلاء الأمة وعلمائها وفضلائها، يختارون من يرونه أهلًا للقيام بهذا الواجب الشرعي الذي أوجبه الله عليهم، وهو إقامة شرع الله في أرضه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع أنحاء المعمورة.
من هنا تأتي أهمية من تختاره الأمة لتُسلِّمه زمامها وقيادتها ليسير بها إلى أداء ما أوجبه الله عليها والقيام بأعباء الخلافة الآدمية على الأرض، وتأتي كذلك أهمية عقلاء الأمة أهلِ الحل والعقد الذين تثق فيهم وتُسلمهم مسؤوليتها وتُحملهم الأمانة ليختاروا لهم من يقودهم بكتاب الله إلى ما يرضي الله"."
فمن أهم الأمور الموكولة لهم: اختيار إمام المسلمين بحيث يتصفحون أحوال من يمكن أن يصلح لهذا المكان ويجتهدون في ذلك، فمن رأوه يصلح في ذلك بايعوه على كتاب الله وسنة رسوله ولزوم طاعته في غير معصية، وهم يقومون بهذا نيابة عن سائر الأمة ولا يمثلون أنفسهم فقط؛ ولهذا يجب على سائر أفراد الأمة الانقياد للإمام لدى مبايعة أهل الحل والعقد له، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء:59] .
احفظوا هذه الكلمات: الإمامة حق للأمة .. الإمام نائب ووكيل عن الأمة .. الأمة تُفوِّض من أبنائها العقلاء والفضلاء والعلماء من يقوم باختيار الإمام، ليقوم الجميع بعد ذلك بتحقيق مقاصد الإمامة.
· أهم وظائفهم:
-اختيار الخليفة وعقد البيعة له؛ وهو أهمها وقد مرَّ.
-التمييزُ بين المتقدمين للإمامة، وترجيح أحدهم بمرجحات تُعرف في بابها.
-مبايعة الأنفع والأصلح والأنسب للمقام، وإن لم يكن الأفضل.
-عزل الخليفة: أهل الحل والعقد هم من يقوم بعقد الإمامة للخليفة نيابةً عن الأمة، وبالمقابل: فلو طرأ على الإمام طارئ يستدعي عزله كالجنون، والمرض الذي لا يُرجى بُرؤه وتتعطل معه مصالح الإمامة، وكالأسر الذي لا يُرجى فكاكه، وكالردة، فإنهم يقومون بعزله.
· من هم أهل الحل والعقد في زماننا؟
ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن الصديق رضي الله عنه إنما صار إمامًا بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة. ومما قاله:"فإن المقصود حصول القدرة والسلطان الذَيْن بهما تحصل مصالح الإمامة" [1] .
(1) منهاج السنة النبوية (1/ 530) .