قال الشيخ أبو قتادة:"فقد تقدم أن أمر الإمامة لا يكون إلا عن رضى، ولا يحصل إلا باتفاق أصحاب الأمر من أهل الشورى -أي أهل الحل والعقد- وقد عُلمَ أن أصحاب الشوكة -أي في زماننا- هم المجاهدون في سبيل الله في الأرض، من سوريا واليمن وأفغانستان والشيشان والصومال والجزائر وليبيا وغيرهم من أهل النكاية في أعداء الله"اهـ.
وعلى هذا فيدخل في أهل الحل والعقد في زماننا دخولًا أوليًّا: علماءُ المجاهدين وقياداتهم وأمراؤهم ومجالسُ شوراهم في عموم ساحات الجهاد، وكذا علماء أهل السنة والجماعة والمقدَّمون والوجهاء والعقلاء والفضلاء في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، كشيوخ العشائر والقبائل وكل من تأتمر الأمة بأمره ويطيعه الناس، وكل هذا بشرط انطباق الشروط والمواصفات التي سبقت قبل قليل.
ولو نظرنا -بناءً على هذا الكلام- في واقع أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لرأينا أن من تنطبق عليهم مواصفات أهل الحل والعقد كثر منتشرون بفضل الله ولا تختص بهم جماعة، وأخذُ آرائهم في ظل التطور في منظومة الاتصالات الحديثة سهلٌ ميسور حتى لو استغرقت المشورة وجمع الآراء شهورًا فإن الأمر عظيم، الأمر أمر خلافة تخص أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
• طريق التغلب:
الطرق الشرعية الصحيحة لانعقاد الإمامة هي الاختيار والاستخلاف كما سبق، وهناك طريق ثالثة تجب الطاعة بموجبها ولكنها ليست بطريقة شرعية، ولا تجوز وتُقر إلا لضرورة الحفاظ على وحدة المسلمين وحقن دمائهم ودرء الفتنة عنهم. إذن .. لا تجوز وتُقر إلا في حال الضرورة.
· صورة التغلب:
إن صورة التغلب التي تكلم عنها علماؤنا هي عندما تكون الخلافة قائمةً .. والمسلمون ممكَّنون ومتحدون ومنضوون تحت راية إمام لهم مُمكَّن، فالأمة في هذه الصورة موجودةٌ بالمعنى السياسي، ولها كيانُها القائم من خلال وحدتها ووحدة صفها وكلمتها، بسمعها وطاعتها لإمامها.
ثم يقوم من ينازع هذا الإمام الأمر ويغلب عليه ويتمكن من الأمر ويستتب له الأمر، فهل نُقر في هذه الحالة هذا الذي غلب -بغير وجه حق- من باب درء المفسدة الكبرى التي هي شق الصف وتمزيق الكلمة والوحدة وسفك الدماء وزرع الفتنة، بارتكاب مفسدة أصغر وهي إقراره على ما قام به، لا تصحيحًا لفعله وإنما درءًا للمفسدة المذكورة وحفاظًا على الوحدة والقوة وعدم الفتنة وسفك الدماء.
حيث لو قلنا بعدم إقراره بعد تغلبه لربما -وغالبًا ما حصل- انقسم الناس بين مؤيد له ومعارض، وتنشأ النزاعات التي تُفضي إلى شق الصف والتنازع وذهاب الريح والفتنة وسفك الدماء وتسلط الأعداء وتمزيق الوحدة والكلمة.
هذه هي الصورة التاريخية التي في ضوئها بحث العلماء مسألة إقرار إمارة المتغلب.