للتنزه في حديقته الغناء، وهناك جرى الحديث عن اللغة العربية فعرفت أن أهل كركوك بعضهم من الأكراد وبعضهم من التركمان وأنهم يتكلمون الكردية والتركية بأسهل مما يتكلمون العربية
وبعد لحظات رجع أبناؤه من المدرسة فدعاهم للتسليم علي، فوقفوا صفًا في أدب واستحياء، فسألتهم أن ينشدوا شيئًا مما يحفظون فأسمعوني نشيدًا عربيًا بديعًا دلني على أن أطفال تلك الناحية سيكونون بأذن الله من سواعد العروبة بعد حين
وكذلك عرفت أن الحكومة العراقية تستطيع بسهولة أن تؤلف بين عناصر العراق، وأن تجعل منه شعبًا موحد اللغة والتقاليد في زمن قليل. ويؤيد ذلك أن العروبة هي في الواقع فكرة لا جنس، والكردي يتحول بعواطفه إلى العروبة بلا عناء
ومنظر كركوك جميل ولكن أهلها يشكون قلة المياه، وفيها اليوم نحو أربعين ألفًا من السكان، ودورها تبلغ ثمانية آلاف، وبها حديقة للشعب، ومكتبة، ولها ضواح صالحة لأن تكون من مرابع الابتهاج لو وجدت من يصلها بأصول التمدن الحديث.
وفي شهر زور - وهي كركوك - يقول أحد الشعراء:
وعدتِ بأن تزوري بعد شهر ... فزُوري قد تقضَّى الشهر زُورى
وموعد بيننا نهر المعَّلى ... إلى البلد المسمى شهر زُور
فأشهُر صدك المحتوم حقٌ ... ولكن شهر وصلك شهر زُور
خطرت ببالي هذه الأبيات وأنا أطوف بكركوك فحزنت، فذلك شاعر كان يشك في صدق ليلاه، كما أشك في صدق ليلاي. ورأيت أن أبحث عن قريبات ليلى هناك، ثم خشيت أن يصعب التفاهم باللغة العربية فمضيت إلى أربيل بلد المبارك بن حمد بن المبارك الذي يقول:
تذكَّرنيك الريح مرَّت عليلةً ... على الروض مطلولًا وقد وضح الفجرُ
وما بعدت دارٌ ولا شط منزلٌ ... إذا نحن أدنتنا الأمانيُّ والذِّكرُ
وصلت أربيل في وقت القيظ فلم أجد من النشاط ما أصعد به لرؤية القلعة التي تحدثت عنها كتب التواريخ، وإنما اكتفيت بزيارة المسجد وشهود بعض الأسواق. وراعني أن تقوم أكثر المنازل على ربوة عالية تستدرج شياطين الشعر والخيال