وظلت متاجر الهند والحبشة والبقاع الخصبة في جنوب شبه الجزيرة العربية تنقل إلى تلك البلاد حتى جاء الإسلام فشغل العرب بالجهاد في سبيله، وانصرفوا إلى الفتح، وما يصحبه من شواغل، واستوطنوا أرضًا جديدة أو قل استوطن كثير منهم البلاد المفتوحة فوجدوا فيها غناء صرفهم عن الكدح في سبيل العيش على النحو الذي عرفوه في جاهليتهم، وكفاهم سواد العراق أول الأمر مشقة السعي المضني وراء الرزق في هجير البادية - ثم استقبلتهم وديان الشام بما خصها الله من خير، وانفتحت لهم أبواب مصر فأبدلتهم بقتاد الصحراء جنة فيحاء، فكان استقرارهم وامتزاجهم بالعناصر الأجنبية سببًا في التحضر وترك عيشة البداوة، والاقتباس الذي زاد على الزمن وانفرجت دائرته، فأحاطت بالشيء الكثير مما عرفت أمم إيران والجزيرة والشام ومصر من مظاهر التمدن. وعلى هذا كان اختلاط العرب بالأمم المجاورة قبل الإسلام بسبب التجارة وامتزاجها بها بعد الإسلام بسبب الفتوح أول خطوة في سبيل تكون ثقافة جديدة لم يكن يعرفها العالم من قبل
هؤلاء العرب الذين شهدوا الحضر شهودًا موقوتًا وهم يقومون على أمر قوافل التجارة أو الذين نزلوه واستقر بهم المقام فيه جنودًا أو بطونًا مهاجرة لم يكن لهم من مظاهر الثقافة إلا ما كان للعرب الجاهليين عامة من لغة وشعر وقصص وأمثال. وينسب إليهم بعض المؤرخين دراية بالطب والتنجيم والأنساب والأنواء. وليس من العدل في شيء أن ننسب إلى جماعة هبط مستواهم الاجتماعي إلى مثل ما هبط مستوى عرب الجاهلية علمًا منظمًا. بل إن كل ما عرفه العرب من هذا القبيل معلومات تقوم على الخبرة التقليدية التي كثيرًا ما تخطئ وقليلًا ما تصيب. يقول الأستاذ أحمد أمين في كتابه فجر الإسلام: (ومن الخطأ أن تسمى هذه الأشياء علمًا كما يفعل الألوسي وغيره فيقول - ومن علومهم علم الطب وعلم الأنواء وعلم السماء، ثم يشيدون بذكر ذلك حتى يوهموك أنه كان عندهم علم منظم بأصول وقواعد، فإن ما كان عندهم من هذا القبيل لا يتعدى معلومات أولية وملاحظات بسيطة لا يصح أن تسمى علمًا ولا شبه علم)
وقد جهل العرب الجاهليون الفلسفة جهلا تامًا وكل ما عرف عنهم خطرات فلسفية يقول عنها الأستاذ أحمد أمين أيضًا:
(. . . هناك فرق كبير بين مذهب فلسفي وخطرة فلسفية؛ فالمذهب الفلسفي نتيجة البحث