هاتها يا غلام!
وما أكاد أنطق بهذا اللحن الطرُوب حتى يدخل شيخ من أعلام رجال الدين فيقول: ما أتى بك ههنا يا دكتور!
فأجيب: أنا في ضيافة أبي حنيفة النعمان!
ويسارع الشيخ فيطلب كأسًا من قهوة أبي الفضل لا قهوة أبي نؤاس
ويغلبني التجمل والتوقر فأطلب كأسًا من قهوة أبي الفضل وأَصدف عن قهوة أبي نؤاس
وما هي إلا لحظة حتى نشتبك في جدال مزعج، ثم يتوافد أمثاله وأمثالي، فتتحول الحانة إلى حلقة من حلقات الأزهر الشريف، وينظر إلينا غلمان الحانة مبهوتين مذعورين
كيف تنقلب الحانة إلى مثل ما انقلبت إليه في ليلة العيد؟
وكيف أعود شيخًا متعجرفًا متغطرسًا لا يعرف غير جدال الفقهاء؟
أيها الشيخ
صددت نفسي، صدَّ الله نفسك!
ولكن لا بأس، فتلك هي القاهرة التي يصطرع فيها الهدى والضلال؟
خرجت من الحانة مصدوع الرأس من قهوة أبي الفضل ومن الجدال حول الحرام والحلال، فأين أذهب؟
أين أذهب؟ أين أذهب؟
هذا صديق خفيف الروح، ولكنه أيضًا معمَّم وإن كان يحمل الطربوش، ذلك بأنه يحمل فوق قلبه عمامة أضخم من عمامة الشيخ الفَضّالي، وما رأيت الشيخ الفَضّالي ولكن عمامته سارت مسير الأمثال. وكان هذا الصديق معمَّم القلب لأنه يعايش رجال الدين بالأزهر الشريف
وأين أذهب في ليلة العيد مع هذا الصديق المطربش الرأس المعمم القلب؟
هل أردّه إلى مشارب القهوة والشاي في حي سيدنا الحسين؟
أغلب الظن أنه يتشهى السهر بسقط اللوى بين شارع الألفي وشارع إبراهيم!
رباه ما هذا الذي أسمع؟
لقد سمعت أشياء لم تكن تخطر في البال. فهل أستطيع أن أصرح؟