ولم يستطع عمر خلاصًا من يد الراهب، ولم يعرف لأي أمر يريده، فانقاد له. وبلغا الدير فدخل الراهب ودخل عمر. . .
وكان في الحوش كومة من تراب، وإلى جانبها مجرفة ومكتل؛ فتقدم الراهب إلى عمر يأمره: (يا فتى! هذا التراب تحمله من هنا إلى هناك. . . يجب أن تفرغ منه قبل أن أعود إليك. . .!)
ثكلتْك أمك يا عمر! ألهذا كانت رحلتك الطويلة في البادية الظمآنة من الحجاز إلى حدود الشام أيامًا وأسابيع؟
وجلس الفتى يتحدث إلى نفسه مغيظًا محنقًا، لا يجد من كبريائه سبيلًا إلى الطاعة ولا طريقًا إلى الخلاص. ومضت ساعة وعاد الراهب مخمورًا يتهالك من نشوته، وإن عليه لثوبًا رقيقًا من حرير يشفّ ويَصف، ويفوح من أردانه عطر مُسكر!
ونظر الراهب إلى كومة التراب ما تزال في موضعها حيث كانت، وإلى جانبها المكتل والمجرفة، وإلى عمر ما يزال في موضعه واقفًا يتفكر. . .
ودنا منه الراهب وفي عينيه الغضب، فلطمه لطمة أليمة وهو يسبّ ويتوعَّد. . .!
هوانًا لك يا عمر إن لم تأخذ بحقك ثائرًا كما يثأر البدويُّ لعرضه المنتهك!
وهاجت كبرياء عمر فتناول المجرفة من قريب فأهوى بها على رأس الراهب فخرّ صريعًا لوقته ولم ينبس بكلمة!
(لك ما أردتَ لنفسك. . .!) :
قالها الفتى العربي وهو يجمع عزيمته في رجليه فيقفز على سور الدير إلى الطريق لا يعرف أين ينتهي ولا أين يدركه الطلب!
ومضى على وجهه في المفازة الشاسعة عدْوًا كالظليم لا يقف في طريقه شيءٌ من حفرة أو صخرة أو تلّ معترض، حتى انتهى إلى جدار قائم فأوى إلى ظله حتى تفئ إليه نفسه. . .
وأطلّ رأسٌ من نافذة ينظر. . . ثم انفتح باب الدير الذي أوى إلى جداره عمر؛ وخرج إليه راهب يسأله عن خبره. . .!
(من تكون يا فتى؟ وما جاء بك؟)
واستمع عمر إلى الصوت الذي يناديه فرفع رأسه ينظر؛ فإذا قسٌّ ناحل سقيم الجسد غارق