وكان لنا معلم للغة العربية غريب الأمر - كانت حجرتنا مجاورة لحجرة الناظر الإنكليزي، فكان هذا المعلم يفرغ من إلقاء الدرس وشرحه ومن التطبيق أيضًا في خمس دقائق على الأكثر ثم يقول: (أغلقوا النوافذ كلها) فنفعل ثم يأخذ في حديث سياسي يذم فيه عهد إسماعيل ويلعن فيه أيام توفيق ويثني على الإنكليز أطيب الثناء. ولم يكن أعجب من صنيعه هذا إلا إغلاقه النوافذ ليوهمنا أن الناظر الإنجليزي يسوؤه أن يعلم أنه يثني على قومه. . .
وكنا نناقشه ونجادله ونخالفه فيوسع صدره ويروح يحاورنا ويداورنا ليقنعنا بأن ما خرب من نفسه عامر. وكانت تلك أيام مصطفى كامل وكنا نقرأ (لواءه) ونسمع خطبه. وأحسب أني لا أبالغ إذا قلت أني تلقيت دروسي الأولى في اللغة العربية من اللواء والمؤيد لا من معلمي في المدارس، وتصور أن منهم معلمًا كان يكلفنا أن نحفظ كتاب النحو عن ظهر قلب. . . بل تصور أنه كان يثني على التلميذ الذي يقول له في جواب سؤاله عن الفعل اللازم (ما هو) - (هو ما ليس كذلك) - كما في الكتاب بالحرف الواحد. ولم أستطع قط في حياتي أن أحفظ شيئًا عن ظهر قلب إلى إذا جاء هذا عفوًا وعن غير قصد، فكانت درجتي في اللغة العربية هي الصفر دائمًا
وكل ما حفظته من الشعر العربي في المدرسة قصائد قليلة مثل:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل
وما إليها - وحتى هذه يخيل إلي أني ما حفظتها إلا فيما بعد - لما كبرت، ولكني أذكر على كل حال أن المدرس الذي كان يغلق النوافذ ويهجو المصريين ويمدح الإنكليز هو الذي كان يتقاضانا أن نحفظ: (إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه، فكل رداء يرتديه جميل) وقد يكون هذا اتفاقًا محضًا
وكان أساتذتنا في اللغة الإنجليزية على عكس ذلك، فكانوا يرشدوننا ويساعدوننا ويقرضوننا الكتب إذا أنسوا منا ميلًا إلى القراءة، ويصحبوننا إلى مكتبة المدرسة، ويتخيرون لنا ما يوافقنا وما يسعنا أن نفهمه، ولا يبخلون علينا بالتفهيم والشرح حتى في أوقات الفراغ إذا طلبنا منهم ذلك؛ ولكن بعضهم كان عجيب الشذوذ. أذكر منهم واحدًا كان يعلمنا الجغرافيا الاقتصادية فكان يكتب على السبورة رقمًا يبلغ من طوله أن بقيته تجيء على الجدار؟