صوت المستقبل البارح وتلوح في أثنائه خيالات المعارك المظفرة. . . وكان الفتيان أطهارًا مثل الزهر اليانع، لدنا كأغصان الروض، ولكنهم كانوا أقوياء كدوح الغاب، أشداء كأسود العرين؛ وكانوا يسيرون صفوفًا متعاقبة على عرض الشارع، مرفوعة رؤوسهم، منتصبة قاماتهم، موزونة خطاهم، على أكتافهم بنادقهم وعدة قتالهم، يتقدمهم قادتهم ومدربوهم والقائد العام المقدم محمود فاضل ومساعده الجرموز الأكبر بهاء الدين الطباع على الخيول البلق، أمام الجيش الفتي
لا والله ما أحسست بالعجز مرة عن وصف ما أرى مثل عجزي اليوم. ومنذا الذي يقدر على وصف هذا الشيخ الهم، ذي الشيبة السائلة على صدره وهو يلحظ حفيده الصغير، يحمل البندقية ويمشي مختالًا مزهوًا، يحلم بأمجاد المستقبل، ويذكر ما درس من أمجاد الماضي، فلا يطيق منع الدموع أن تسيل من عينيه وتتحدر على لحيته البيضاء. . . إني لأسمعه يحمد الله على أن لبلاده جيشًا من أبنائها ولم يكن يرى إلا جيشًا واغلًا أو دخيلًا. .
ومنذا الذي يقدر على وصف هذه الأم التي أمسكت بيد طفليها الصغيرين وهما يتوثبان ليلحقا بالموكب ليريا أخاهما، وطفقت تدعو الله دعاء هامسا يتصعد من خلال الزفرات أن يحفظ لها ابنها، والوطن بنية: (يا رب سلّم، ما شاء الله كان. . يا رب سلم. .) وتبكي!
ومنذا الذي يقدر أن يصف شارع الرشيد في هذا اليوم؟ يا أيها الرشيد قم تر المجد الذي بنيته لا يزال قائمًا. قم تر الأحفاد قد نهضوا يسلكون طريق الأجداد. قم ترنا لم نضع الأمانة ولم نهلك التراث. قم تر مجد غازي يتصل بمجدك كما اتصل الشارع بالشارع فعادا مهيعًا واحدًا؟
هؤلاء يا مولاي عدة المستقبل، وهذا الجيش وهذه الآمال!
وفكرت فجأة في بلدي وأهلي. . .
نحن هنا في فرحة والنار مشتعلة في فلسطين، والنار توشك أن توشك أن تلتهب! أي مصيبة لم يرها الشاميون، وأي خطب لم ينزل بهم؟ أما خرب الأقوياء بلادهم ضربًا بالمدافع وقصفًا بالحديد وحرقًا باللهيب؟ أما أخذوا ذهبهم وأبدلوهم به ورقاط أقفرت به الخزائن وافتقر به ذوو الغنى واليسار؟ أما قطعوا البلاد حكومات، وجعلوا من القرى دولات، وقسموا الناس بددًا ليجعلوهم طرائق قددًا؟ أفما جروا على هذا كله؟ بلى، لقد حتى