وقد كان الأنصاف التاريخي يقضي ببيان هذه لحقيقة في تاريخ مصطفى كامل ولا يمنع المؤرخ أن يفصل أعذار المعتصمين بالسيادة العثمانية في ذلك الحين، بل يوجب عليه أن يذكر هذه الأعذار وإن يذكر معها صواب المخالفين ولا سيما حين يشعر أنه صواب
ولكننا بحثنا في كتاب مصطفى كامل فلم نر فيه إشارة إلى هذا أو ذاك، وكأنما غلبت عليه النزعة الحزبية على النصفة التاريخية فوجدنا أن الأستاذ الكبير قد اغفل الموضوع كل الإغفال، فلم يذكر محافل المتبوع الأعظم ولم يذكر حملة اللواء على طلاب الدستور والحرية في البلاد العثمانية، وكتب أكثر من عشر صفحات عن تأسيس الحزب الوطني مفصلا أسماء أعضائه وأقوال الصحف فيه دون أن ينشر مبادئه أو يأتي بالمهم منها وهي أهم ما يثبته المؤرخ في سيرة زعيم حزب من الأحزاب
ولو أنه فعل هذا لأقر الحقائق في نصابها وأتاح للقارئ أن يحيط بمعاني الحركة الوطنية من جميع نواحيها، وإن يستخرج العبرة المقصودة بالتاريخ من صواب أو خطا لكل فريق، وما من فريق واحد معه كل الخطأ أو كل الصواب
وبينما الأستاذ الكبير ينسى هذه الحقائق التي لا يبطلها النسيان إذا به يأخذ بالظنون التي لا سند لها ولا معول عليها فيما يكتبه عن سعد زغلول فيقول عن علاقة سعد بالجامعة المصرية (وتبين أن انسحابه من رياسة اللجنة كان تحقيقًا لرغبة الاحتلال لكي يحبط المشروع، وقد أصابه الفتور والركود فعلًا بعد انسحابه من اللجنة، وبخاصة لأن الحكومة خلقت في ذلك الحين بإيعاز من الاحتلال أيضًا حركة إنشاء الكتاتيب واستحثت الأعيان في مختلف الجهات على التبرع لها معارضة بذلك مشروع الجامعة) .
ثم أشار الأستاذ الكبير إلى مسألة التعليم باللغة العربية فقال (وقد كانت خطبته - أي خطبة سعد - دفاعا عن سياسة الاحتلال في التعليم. لأن الاحتلال هو الذي احل اللغة الإنجليزية محل اللغة العربية في التدريس بالمدارس الأميرية. . .)
تبين أن انسحاب سعد زغلول من رياسة الجامعة كان تحقيقًا لرغبة الاحتلال. . . يا عجبًا! كيف تبين ذلك؟ ومن أين جاء ذلك البيان؟
أما الحقيقة فهي أن الحكومة تبرعت للجامعة بالمال واعترفت بشهاداتها كما تعترف بشهادات المدارس الأميرية. وسألناسعدًا في ذلك فقال في بيان نشرناه في كتابنا عنه: (. .