كل هذا والذين يريدون إخراج الجامعة من قبضة الحكومة قد يجهلون أنها دفعت مرة واحدة خمسة أضعاف ما دفعه المتبرعون في أنحاء القطر المصري بأجمعه، وليس هذا كله كل ما أمدت به الحكومة هذه الجامعة فإن اعتبارها لها مدرسة منتظمة وقبول شهادتها بين بقية الشهادات المدرسية ينشط الناس إلا الإقبال عليها إقبالًا لا تظفر بمثله إذا كان الغرض منها مجرد تحصيل العلم وتوسيع العقل، وربما لا تنسى أن بعض هؤلاء كان يطلب من الحكومة إعانة المشروع ماديًا، فرفضهم الآن إشرافها عليه بعد أن أدت الحكومة ما طلبوه منها بعد من الغرابة بمكان).
هكذا كان موقف سعد من الجامعة وهو وزير، وأنه لأصوب ألف مرة من موقف الداعين يوم ذاك إلى إحباطها وتشكيك الناس في مصيرها. أما إنشاء (الكتاتيب) واعتباره حربًا للجامعات والمدارس العليا فقد عشنا بحمد الله حتى رأينا الدستور المصري يفرض التعليم الإلزامي فرضًا ويجعله واجبًا من الواجبات الوطنية، وعشنا بحمد الله حتى علمنا أن سعدًا قد سبق النهضة القومية سنوات إلى ذلك العمل المجيد الذي كان محسوبًا يوم ذاك من الجنايات
ومن السهل على الإنسان أن ينق سعدًا حين يعارض الهجوم على تقرير التدريس باللغة العربية في جميع المدارس المصرية قبل إعداد الكتب وإعداد المدرسين والنظر في عواقب هذا التبديل؛ ولكن من السهل أيضًا أن يعلم الإنسان أن المستطاع هو المستطاع وإن سعدًا قد عمل في سبيل اللغة العربية والتمهيد لتدريسها جهد ما يعمله وزير في تلك الأيام، وإن مدرسة مصطفى كامل نفسها لم تكن تستغني بالمدرسين المصريين عن المدرسين الإنكليز، اعتمادًا على ما كان يقال في ذلك الحين من أن تدبير الدراسة والكتب المدرسية ليس بالأمر العسير.
هذه ملاحظاتنا على موازين الأستاذ الرافعي في تاريخ هذه الفترة، فهو يمسح من هذا التاريخ كل ما يبين وجه الصواب عند من خالفوا صاحب السيرة في الأساس أو التفصيل، ويثبت من جهة أخرى ظنونًا لا ثبوت لها لتقرير الصواب في جانب المؤيدين والمناصرين.
ومع هذا نقول أن مكتبة (النهضة القومية) لا تكمل بغير كتاب الأستاذ عن مصطفى كامل،