وعظمته، وبذلك تصفو نفسه وتجمل أخلاقه، وترقّ أحاسيسه، والرسول صلى الله عليه وسلم يخبرنا بأن حفّاظ القرآن أصفياء الله وخاصته وأولياؤه وأنصاره، قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا [فاطر: 32] ، وذلك أيضا فيما
رواه أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله أهلين من الناس فقيل من أهل الله فيهم؟
فقال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته» «1» .
من أجل أن كتاب الله تعالى أشرف كتاب على الإطلاق، فهو أشرف ما صرفت إليه الهمم، وأعظم ما يجول فيه فكر ويمد به قلم، كيف لا وهو منبع كل علم وحكمة، ومربع كل هدى ورحمة، فهو أجل ما تنسك به المتنسكون، وأقوى ما تمسك به المتمسكون، ومن استمسك به فقد علقت يده بحبل متين، ومن سلك سبيله فقد سار على طريق قويم وهدى إلى صراط مستقيم.
وقد أودع الله تعالى فيه من ضروب الفصاحة وأجناس البلاغة، وأنواع الجزالة، وفنون البيان وغوامض اللسان، وحسن الترتيب والتركيب، وعجيب السرد وغريب الأسلوب، وعذوبة المساغ «2» ، وحسن البلاغ، وبهجة الرونق وطلاوة المنطق، ما أذهل عقول العقلاء، وأخرس ألسنة الفصحاء، والبلغاء، ولقد أودع الله سبحانه في القرآن الكريم أصول الدين، ومعالم الشريعة وكرائم الأخلاق والأحكام، وحقائق البعث والجزاء، ودلائل الحق والصدق وأسرار الحياة والكون، وسنن الاجتماع والاقتصاد وأخبار الأمم والدول ...
وبالجملة فقد جعله الله تعالى- مع وجازة لفظه وحجمه- دستورا جامعا ومرجعا شاملا، قال تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: 89] .
(1) أخرجه الإمام أحمد في كتاب فضائل القرآن، كما أخرجه النسائى وابن ماجة والحاكم في مستدركه وصححه الألبانى. انظر الجامع الصغير حديث رقم 2161.
(2) البيان في علوم القرآن ص 3.