إن قيمة ورقة البحث لا ينبغي أن تقاس بكمية المكتوب، ولكن بنوعيته، إن الاتجاه المباشر نحو النقاط الأساسية في الدراسة هو القاعدة الأولى في الكتابة، دون مقدمات وحواش وتعليقات بعيدة عن صلب الموضوع.
ومن المفروغ منه أن الباحث الذي انتهى من دراسته الدقيقة الناجحة، يعرف عن موضوعه ومشكلة بحثه كل شيء تقريبا، فعقله مليء بالمعلومات، لقد وضع الفرض، ووجد الدليل الذي يؤيده، فهو يعرف بالضبط لماذا يؤمن أن هذا الفرض صحيح، أي أن الباحث يعرف ماذا فعل في مراحل بحثه ودراسته، وهو يعرف الدليل الذي يؤيد نتائجه، وبالتالي فينبغي أن يكون قادرا على كتابة وتدوين ما يعرفه في كلمات، وعلى ذلك فالقاعدة الثانية للكتابة الجيدة هي أن يعرف الكاتب على وجه الدقة الموضوع الذي يريد أن يكتب فيه.
وإذا لم يكن للكاتب إلا خبرة محدودة بالكتابة، فإن القاعدة الثالثة هي أن يتعلم كيفية تنظيم المعلومات التي لديه عن الموضوع، وبمعنى آخر يجب أن يكون هناك نمط منظم للأفكار، ولعل أفضل الطرق وأسرعها هي أن يسأل الباحث نفسه عن الحيثيات التي يؤيد الفرض الذي وضعه، والذي يعتقد أنه الفرض الصحيح، وإذا ذكر الكاتب حيثياته واحدا بعد الآخر مع الدليل الذي يؤيده، فسينتج عن ذلك تركيب صحيح وكامل عن تقرير البحث. وهذا التركيب يمكن أن نمثله بالمعبد اليوناني الذي يقوم سقفه (الفرض) على الأعمدة (الحيثيات المؤيدة) ، وهذه الأعمدة ترتكز على أرضية صلبة وأساس متين وهو (الدليل) .
أي أن أرضية هذا التركيب تمثل الدليل أو البيانات التي بنيت عليها الحيثيات، أو الأسباب) التي تؤيد النتائج، أو (الفروض) ، وإذا ما تناول الباحث هذه البيانات بهذه الطريقة، فإن الفرض سيتأيد بوضوح بنظام قوي يمكن أن نسميه بالبناء الفكري.