ب - على أن العلم لا يمكن أن يرتكز على هذا النوع من اليقين النفسي الذي يختلف من فرد إلى آخر، والذي تتحكم فيه الظروف والمصالح والعوامل الذاتية، وإنما يكون اليقين فيه (موضوعيا) بمعنى أنه يرتكز على أدلة منطقية مقنعة لأي عقل، ولا بد للوصول إلى هذا اليقين الموضوعي من هدم كل أنواع اليقين الذاتية الأخرى، فلا بد أن يزعزع العالم - كخطوة أولى في بحثه - ما رسخ في عقول الناس من أوهام وتحيزات عملت على تثبيتها عوامل غير موضوعية .. ولكن إذا كان اليقين العلمي يعتمد على براهين وأدلة منطقية، فإن هذا لا يعني على الإطلاق أنه يقين ثابت أو نهائي، فالعلم لا يعترف بشيء اسمه الحقائق النهائية التي تسري على كل زمان ومكان، بل يعمل حسابا للتغير والتطور المستمر، أي أن اعتماد العلم على أدلة مقنعة للعقل بصورة قاطعة لا يعني أن الحقائق تعلو على التغير، بل إن المقصود من ذلك أن البرهان العلمي يقنع كل من يستطيع فهم هذا البرهان في ضوء حالة العلم في عصر معين، أما أن تتحول القضية العلمية إلى حقيقة تفرض نفسها على الناس في جميع العصور، فهو شيء يتنافى مع طبيعة العلم ذاتها.