مثل هذه الأسس التي لا تقبل الصدق أو الكذب لا يمكن تطبيقها إلا بقدر من التعسف على العلوم الإنسانية، ومنها علوم اللغة والأدب، فمثل هذه العلوم لا تحتوي على بديهيات أو حدود أولية يجب التسليم بها، والقبول دون دليل أو برهان، وحتى في التعريفات التي تتضمنها هذه العلوم لا نجد قبولا عاما لها، على الرغم من التدليل عليها، والبرهنة على صدقها، لأن الحقائق التي تقدمها هذه التعريفات حقائق نسبية، قد تقبل داخل نسق ما، أو من زاوية ما، لكنها قد ترفض إذا تعدل هذا النسق، أو تغيرت الزاوية، من ذلك نحن لا نجد تعريفا مقبولا للشعر، فقد عرفه قدامة أول تعريف دقيق في النقد العربي، وهو قول موزون مقفى يدل على معنى، واستمر تأثير هذا التعريف قرونا طويلة، تضاف إليه أحيان عناصر أخرى مثل الخيال والعاطفة، ويحذف منه أحيانا بعض عناصره مثل القافية، لكنه برغم ذلك لم يلق قبولا عاما، وهناك مراجعات مستمرة لهذا التعريف، أو لمفهوم الشعر بعامة، حتى إننا لا نستطيع الآن أن نقدم تعريفا مقبولا للشعر، وقل مثل ذلك على النثر الذي لم يعرف إلا استنادا إلى أنواعه المختلفة، أو بما هو سلبي، أي أن النثر هو كل ما ليس شعرا، أو النثر - قديما - هو الرسائل والخطب والمواعظ والأمثال، وحديثا هو القصة القصيرة والرواية والمسرحية والمقال والرسائل، وغير ذلك مما ليس شعرا، وحتى هذا الفصل بين ما هو شعر، وما هو نثر لا يستطاع تحديده، وبخاصة في ظل ما يعرف بالكتابة عبر النوعية، أي الكتابة التي تستعير سمات وخصائص أنواع أخرى، مثل ما يسمى بقصيدة النثر.
وما يقال عن مفهوم الشعر يقال أيضا عن النص والجملة والأسلوب والصورة الشعرية والرواية والقصيدة، وكل هذه المصطلحات التي تزخر بها علوم اللغة والأدب، لكنها تظل مصطلحات قابلة للجدل: القبول أو الرفض.