فهرس الكتاب

الصفحة 303 من 669

سئل يوسف بن الحسين: ما بال المحبين يتلذذون بذلهم في المحبة؟

فأنشد:

ذل الفتى في الحب مكرمةٌ ... وخضوعه لحبيبه شرف

وهذا الذل وهذه المحبة لا تصلح إلا لله وحده، وهذا هو حقيقة العبادة التي يختص بها الإله الحق.

كان الإمام أحمد يقول في دعائه: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك، فصنه عن المسألة لغيرك ...

ولهذا المعنى كان عقوبة من أكثر المسألة بغير حاجة أن يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم، كما ثبت ذلك في الصحيحين، لأنه أذهب عز وجهه وصيانته وماءه في الدنيا، فأذهب الله من وجهه في الآخرة جماله وبهاءه الحسي فيصير عظما بغير لحم، ويذهب جماله وبهاؤه المعنوي فلا يبقى له عند الله وجاهة.

ومنها: أن في سؤال الله عبوديةً عظيمةً لأنها إظهار للافتقار إليه، واعتراف بقدرته على قضاء الحوائج، وفي سؤال المخلوق ظلم لأن المخلوق عاجز عن جلب النفع لنفسه ودفع الضر عنها فكيف يقدر على ذلك لغيره؟ وسؤاله إقامة له مقام من يقدر وليس هو بقادر.

ويشهد لهذا المعنى الحديث الذي في"صحيح مسلم"عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم:

"يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني، فأعطيت كل إنسانٍ مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر".

وفي الترمذي وغيره زيادة في هذا الحديث وهي:

"وذلك بأني جوادٌ واجدٌ ماجدٌ أفعل ما أريد، عطائي كلامٌ، وعذابي كلام، إذا أردت شيئا فإنما أقول له كن فيكون".

فكيف يسأل الفقير العاجز ويترك الغني القادر؟ إن هذا لأعجب العجب! ...

إن الله يحب أن يسأل، ويغضب على من لا يسأله فإنه يريد من عباده أن يرغبوا إليه ويسألوه ويدعوه ويفتقروا إليه، ويحب الملحين في الدعاء.

والمخلوق غالبا يكره أن يسأل لفقره وعجزه، قال ابن السماك: لا تسأل من يفر منك وأسأل من أمرك أن تسأله.

قال أبو العتاهية:

الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت