واعلم أن مدار جميع هذه الوصية من النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس على هذا الأصل، وما بعده وما قبله متفرع عليه وراجع إليه، فإنه إذا علم العبد أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر أو نفع أو ضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم جميعا على خلاف المقدور غير مفيد شيئا البتة، علم حينئذ أن الله تعالى وحده هو الضار والنافع والمعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه عز وجل وإفراده الاستعانة والسؤال والتضرع والابتهال، وإفراده أيضا بالعبادة والطاعة، لأن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله سبحانه من يعبد ما لا ينفع ولا يضر ولا يغني عن عابده شيئا، وأيضا فكثير ممن لا يحقق الإيمان في قلبه يقدم طاعة مخلوق على طاعة الله رجاء نفعه أو دفعا لضره، فإذا تحقق العبد تفرد الله وحده بالنفع والضر وبالعطاء والمنع، أوجب ذلك إفراده بالطاعة والعبادة، ويقدم طاعته على طاعة الخلق كلهم جميعا كما يوجب ذلك أيضا إفراده سبحانه بالاستعانة به، والطلب منه.
وقد اشتملت هذه الوصية العظيمة الجامعة على هذه الأمور المهمة كلها.
فإن حفظ العبد لله عز وجل هو حفظ حدوده ومراعاة حقوقه وهو حقيقة عبادته، وهو أول ما صدرت به هذه الوصية.
ورتب على ذلك حفظ الله لعبده، وهو نهاية ما يطلبه العبد من ربه ويريده منه، ثم عقب ذلك بذكر التعرف إلى الله في الرخاء، وأنه مقتض لمعرفة الله لعبده في الشدة وهذا هو من تمام حفظ الله لعبده وداخل فيه، إلا أن حالة الشدة لما كان العباد مضطرين فيها إلى من يعرفهم ويفرج عنهم خصت بالذكر لهذا المعنى.
وفي هذه الحالة يخلص المشركون الدعاء لله وحده، ويفردونه بالسؤال والطلب لعلمهم أنه لا يكشف الضر سواه سبحانه، ثم يعودون عند كشف الضر عنهم إلى الشرك كما ذكر سبحانه ذلك عنهم في مواضع من كتابه وذمهم عليه.