"وقد ضمن الله سبحانه لكل من عمل صالحا أن يحييه حياة طيبة، فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده، وأي حياة أطيب من حياة من اجتمعت همومه كلها وصارت هما واحدا في مرضات الله؟ ولم يتشعب قلبه، بل أقبل على الله، واجتمعت إرادته وأفكاره التي كانت متقسمة بكل واد منها شعبة على الله، فصار ذكره بمحبوبه الأعلى وحبه والشوق إلى لقائه، والأنس بقربه هو المستولي عليه، وعليه تدور همومه وإرادته وقصوده بكل خطرات قلبه، فإن سكت سكت بالله، وإن نطق نطق بالله، وإن سمع فبه يسمع، وإن أبصر فبه يبصر، وبه يبطش، وبه يمشي، وبه يسكن، وبه يحيا، وبه يموت، وبه يبعث ..."
وقال: وأخبر سبحانه أن أداء فرائضه أحب ما يتقرب به إليه المتقربون، ثم بعدها النوافل، وأن المحب لا يزال يكثر من النوافل حتى يصير محبوبا لله، فإذا صار محبوبا لله أوجبت محبته لله له محبة أخرى منه فوق المحبة الأولى، فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه، وملكت عليه روحه، ولم يبق فيه سعة لغير محبوبه البتة، فصار ذكر محبوبه وحبه ومثله الأعلى، ومالكا لزمام قلبه مستوليا على روحه استيلاء المحبوب على محبة الصادق في محبته، التي قد اجتمعت قوى محبة حبه كلها له.
ولا ريب أن هذا المحب إن سمع سمع بمحبوبه، وإن أبصر أبصر به، وإن بطش بطش به، وإن مشى مشى به، فهو في قلبه ومعه وأنيسه وصاحبه، فالباء هاهنا للمصاحبة، وهي مصاحبة لا نظير لها، ولا تدرك بمجرد الإخبار عنها والعلم بها، فالمسألة حالية لا علمية محضة، وإذا كان المخلوق يجد هذا في محبة المخلوق التي لم يخلق لها ولم يفطر عليها، كما قال بعض المحبين:
خيالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب
وقال الآخر:
ومن عجب أني أحن إليهم ... فأسأل عنهم من لقيت وهم معي
وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي
وهذا ألطف من قول الآخر: