ـ ومعنى خوف المهابة يتضح من الحديث: (( أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فكلمه فجعل ترعد فرائصه فقال له هون عليك فإني لست بملك إنما أنا بن امرأة تأكل القديد ) ) [1] .
ـ والرسل جاءت لتنذر الناس، والإنذار معناه التخويف: (( وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ) ) [2] .
ـ لماذا يخاف الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والعشرة المبشرون بالجنة من الله رغم علمهم من خلال الوحي أنهم من أهل الجنة؟:
ـ هذا الخوف هو خوف مهابة وإجلال، وذلك مثلما كانت الملائكة تخاف الله رغم أنهم معصومون ففي تفسير الرازي: (((يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ذلك الخوف خوف الإجلال هكذا نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما، والدليل على صحته قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} [فاطر: 28] وهذا يدل على أنه كلما كانت معرفة الله تعالى أتم، كان الخوف منه أعظم، وهذا الخوف لا يكون إلا خوف الإجلال والكبرياء )) [3] .
ـ إن الضعيف يخاف من القوى ويخضع له، وحتى لو لم يفعل شيئا يغضبه فهو يخاف لمجرد أنه ضعيف والآخر قوي، ويشعر باستكانة وأنه مغلوب على أمره (شعور بالخضوع) ، فكذلك الحال مع الله تعالى، الخوف من عظمته، فالله غالب على أمره ولا يأمن مكره إلا القوم الكافرون لغفلتهم عن قوة الله وضعفهم.
ـ اليقين الحقيقي بقدرة الله وضعف الإنسان يؤدي إلى الخوف والرهبة:
ـ لو سمعت أن رجلا خارقا يستطيع أن ينقل الجبال أو يستطيع أن يبيد الناس في لحظة أو الخ، بماذا تشعر؟، إنك تشعر بالهيبة والخشية والرهبة، فان الله يستطيع ما هو أعظم من ذلك (( وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ) ) [4] ، ويستطيع أن يبيد كل البشرية في أقل من لحظة، فلماذا لا تشعر بنفس الشعور السابق؟، وإذا كنت تدعي أنك تشعر بالهيبة والرهبة من الله ففي الحالة الأولى كانت هناك حالة نفسية وانفعالات داخلية مميزة للشعور بالرهبة والهيبة، فهل عندك هذه الحالة النفسية؟، أم أنه مجرد إدعاء واقتناع بأن عندك الهيبة والرهبة والتعظيم لله؟!.
ـ أنت إذا قابلت ملكا من ملوك الدنيا فإنك تشعر بالخوف والرهبة والمهابة، فإذا لم تشعر بأي شيء من هذا فأنت لا تعرف أن من قابلته هو ملك من ملوك من الملوك، فهو بالنسبة لك مثل أي رجل عادي يمر بك في الطريق، هذا هو الحال مع الله الملك فأنت لا تشعر بماذا يعني أن الله هو الملك، إن الملك هو الذي بيده كل شيء وكل ما يملكه ملوك الدنيا هو أقل من ذرة من ملكه وهو الجبار المهيمن وأنت بين يديه دائما يراك ولا تغيب عنه فأين هذه المشاعر؟ إذن فصفات الله وأسماءه موجودة في اقتناعك النظري لكنها غائبة ولا وجود لها في مشاعرك.
ـ الإحساس بعظمة الله يؤدي إلى الخوف والرهبة:
ـ (( فمن الأسباب الجالبة للخوف ... التفكر في عظمة الله سبحانه وتعالى، فإنه من تفكر في ذلك خاف الله لا محالة لأن التفكر يوقعه على صفات الله جل جلاله وكبريائه. ... ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة، فإذا عرف الإنسان عظمة الرب جلب له ذلك الخوف منه ) ) [5] ، وفي تفسير ابن كثير: (( وقال الضحاك: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} أي: يتشققن فَرَقًا من عظمة الله ) ) [6] ، وفي تفسير القرطبي: (("ما لكم لا ترجون لله وقارا"أي لا تخافون عظمة الله ) ) [7] ، وفي شعب الإيمان للبيهقي: (((ما لكم لا ترجون لله وقارا) فقيل في التفسير ما لكم لا تخافون عظمة الله، وذمهم في آية أخرى فقال: (وقال: الذين لا يرجون لقاءنا) فقيل أراد به: لا يخافون، فدل جميع ما وصفناه على أن الخوف من الله تعالى من تمام الاعتراف بملكه وسلطانه ونفاذ مشيئته في خلقه، وأن إغفال ذلك إغفال العبودية )) [8] .
ـ لماذا يخاف الإنسان من العفاريت؟، لأنها كائنات لا يراها لها القدرة على أن تؤذي الإنسان، فيخاف منها خوف مهابة وخوف عقاب، ورغم أن الإنسان غير مقتنع بوجود العفاريت ولكن بمجرد أن يأتيه الشك بوجودها يشعر بالخوف!!، إن الله لا نراه وله القدرة على أن يفعل بالإنسان أي شيء وكل شيء من ضرر أو نفع فلماذا لا نخاف من الله مثلما نخاف من العفاريت
(1) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن ابن ماجة ج: 2، ص: 1101، برقم: 3312)
(2) الإسراء: من الآية 59
(3) تفسير الرازي (ج: 9، ص: 400، 401)
(4) طه: 105
(5) سلسلة أعمال القلوب 1 .. الشيخ محمد المنجد (ج 1، ص: 72)
(6) تفسير ابن كثير (ج: 5، ص: 266)
(7) تفسير القرطبي (ج: 3، ص: 50)
(8) شعب الإيمان للبيهقي (ج: 2، ص: 290)