فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 168

ونصيبهم، (واطمأنوا بها) أي سكنت أنفسهم عن ذكر الانتقال عنها والذين هم عن آياتنا غافلون )) [1] ، وفي تفسير البحر المديد: (((إن الذين لا يرجون لقاءَنا أي: لا يتوقعونه ) ) [2] .

ـ (( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ ) ) [3] ، (( بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ) ) [4] ، (( إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ) ) [5] ، (( مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ) ) [6] .

ـ لاحظ أن الكفار عندهم انتظار أيضا ولكن ليس للآخرة فهو انتظار لعدم مجيء الآخرة في نظرهم، وبالتالي هذا الانتظار لن يؤثر على مشاعرهم ولا همومهم في شيء لأنهم ينتظرون شيئا لن يحدث في نظرهم فيعيشون مطمئنين للدنيا غير منتظرين الآخرة: (( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ) ) [7] ، كأنهم يقولون نحن ننتظر عذاب النار الذي تزعم بوجوده فإنه لا يأتينا.

ـ وعدم وجود هذا الشعور بالاستعداد والتأهب والتطلع إلى الآخرة يعني عدم وجود الإحساس بقدر الآخرة، وفي تفسير القرطبي: (( والذين كفروا عما أنذروا معرضون مولون لاهون غير مستعدين له ويجوز أن تكون ما مصدرية أي عن إنذارهم ذلك اليوم ) ) [8] ، وفي تفسير الطبري: (( القول في تأويل قوله تعالى اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون .... وهم في غفلة معرضون يقول وهم في الدنيا عما الله فاعل بهم من ذلك يوم القيامة وعن دنو محاسبته إياهم منهم واقترابه لهم في سهو وغفلة وقد أعرضوا عن ذلك فتركوا الفكر فيه والاستعداد له والتأهب جهلا منهم بما هم لاقوه عند ذلك من عظيم البلاء وشديد الأهوال ) ) [9] .

ـ مفهوم الرضا والاطمئنان بالدنيا:

ـ معنى أن الإنسان اعتاد على أمر ما أي أنه رضي به واستقر فيه، وعندما يترك الإنسان شيئا اعتاد عليه وألفه يشعر بالحزن والضيق، وعكس ذلك عندما يكون الإنسان في أمر طارئ مؤقت عابر، فإنه عندما يترك هذا الأمر لا تتأثر مشاعره ولا يحزن ولا يهتم لأنه كان أمرا طارئا، فمثلا الإنسان يقابل آخرين في المواصلات ولكن عندما ينزل من السيارة لا يشعر بالفراق والحزن لفراقهم، ولكن عندما يكون له صديق عاش معه سنوات طويلة ثم يفارقه لموت صديقه مثلا أو لسفره فإنه يشعر بالحزن لأنه ألفه واعتاد عليه، وكذلك الذي يعمل في شركة سنوات طويلة ثم يتركها لفصله من العمل أو لإحالته على المعاش مثلا فإنه يحزن لأنه اعتاد عليها واعتاد أن يقوم كل يوم ثم يذهب للعمل ويؤدي أعمالا معينة ثم يعود، ولكن بعد تركه للعمل تغير حاله الذي اعتاد عليه فشعر بالكآبة، وهكذا.

ـ فمعنى أن الإنسان رضي بالدنيا واطمئن بها أي ألفها واعتاد عليها ورضي بها وطنا له ومستقرا له، ففيها يقيم ويسكن وفيها أهله وفيها آماله وطموحاته ورغباته، وهو لا يشعر أن وطنه وأهله وداره في الآخرة وليس في الدنيا.

ـ فالدنيا في نظر المؤمن ليست كذلك فهي مجرد حياة مؤقتة وجيزة تمضي سريعا وكل شيء فيها مؤقت فهي مجرد ممر يسير فيه ليصل إلى الآخرة فهو لا ينظر إليها ولكن ينظر إلى ما هو ذاهب إليه فلا يبالي زادت أم نقصت.

ـ فالدنيا ليست المكان المعد والمجهز والمناسب لإقامة الإنسان فيه، ولكن الدنيا عبارة عن سفينة أو مركبة تحمل الإنسان إلى بيته أو داره ومكان إقامته، وداخل هذه السفينة يعيش الإنسان حياة مؤقتة عابرة فيها مكان مؤقت ينام فيه وطعام وشراب مؤقت.

ـ والإنسان الذي ألف الدنيا واعتاد عليها ورضي بها عندما يشعر باقتراب الموت أو قبل موته يحدث له اكتئاب شديد وخوف وهلع لأنه لا يريد أن يترك ما اعتاد عليه.

ـ هناك فرق بين أن يشعر الإنسان كأنه غريب وأن يعمل كأنه غريب ونوضح ذلك كالتالي:

ـ الشعور بالغربة هو ما يشعر به الإنسان الذي يعيش في بلد الغربة، وهو شعور بالقلق أو عدم الاطمئنان أو عدم الاستقرار أو عدم الارتياح أو عدم الانسجام أو عدم الاندماج أو عدم الأنس بالمكان وبالناس الموجودون حوله وبالأوضاع التي تحدث من حوله، وبتعبير آخر هو شعور الإنسان بأنه مسافر ومرتحل ومنتقل أو أنه مستعد نفسيا للسفر متأهب ومترقب ومنتظر ومتطلع إلى موعد السفينة أو الطائرة التي سوف تنقله إلى وطنه وبلده وأهله.

ـ وعكس هذا الشعور هو شعور بالرضا والاطمئنان والتأقلم والتعايش والأنس بالدنيا، أي هو ينظر إلى الدنيا كأنها داره ومقامه وسكنه ووطنه وبيته وفيها أهله وأصحابه وحياته وماله وعمله ومكان إقامته الدائمة، فهو لا يتطلع ولا ينتظر ولا يترقب ولا يرجو الحياة التي في الآخرة لأنه يتغافل عنها كأنه لا يسافر إليها، وهذا معناه أن الآخرة غير موجودة في مشاعره، إذن هذا الإنسان لا يرجو الآخرة ولذلك فهو راض ومطمئن بالدنيا على أنها داره ومقامه وهذا نفاق أكبر: (( إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ(7) أُولَئِكَ مَاوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )) [10] .

ـ أما الغربة في عمل الإنسان هي أن يكون سلوك الإنسان وعمله مثل سلوك الإنسان المقيم في بلد الغربة أو الذي يستعد للسفر أو المسافر أثناء وجوده في السفينة أو الطائرة التي تنقله إلى بلده، فمثلا يكون طعامه وشرابه كيفما اتفق، وهذا العمل هو أثر طبيعي لشعوره بالغربة لكن عدم وجود هذا العمل ليس من النفاق الأكبر.

ـ فالغربة في عمل الإنسان أن يكون التعامل مع أمور الدنيا والناس كأنك غريب، أي التعامل مع الناس كأنهم كم مهمل (وهذا لا يعني عدم احترامهم) ، بمعنى التعامل معهم بالجوارح من غير تفاعل المشاعر بهم إلا في الله، وكذلك حال المؤمن في طعامه وشرابه وأمور حياته فيعيش الإنسان مثلما يعيش الإنسان الغريب عن أهله ووطنه فيكون سلوكه وعمله وتصرفاته كأنه غريبا عن أهله وبلده أو كالمسافر أو كعابر السبيل، فيأخذ من الدنيا زاد المسافر.

ـ فلابد أن يكون عمل الإنسان كأنه غريب ففي الحديث عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بمنكبي فَقَالَ: (( كُنْ في الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ وَعُدَّ نَفْسَكَ في أَهْلِ الْقُبُورِ، فَقَالَ لِى ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِى يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ غَدًا ) ) [11] ، وفي حديث آخر: (( عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال يا رسول الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا فقال ما لي وللدنيا ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة ثم راح وتركها ) ) [12] .

ـ الإنسان الذي لا يشعر بأنه مسافر إلى الآخرة وبأن الدنيا دار مؤقتة هو بمشاعره يقول أنه لا وجود للآخرة رغم اليقين النظري التام بالآخرة، فعنده شعور بالرضا وشعور بالاطمئنان بالدنيا على أنها داره، وليست الآخرة شيئا من أهدفه أو شيئا مما يرجوه ويطمح إليه أو تدخل ضمن حساباته أو خططه المستقبلية، فهو في حقيقة مشاعره لا يرجو الآخرة ويرضى ويطمئن بالدنيا على أنها دار إقامته، ففي أيسر التفاسير: (( {إن الذين لا يرجون لقائنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها} أي سكنت نفوسهم إليها وركنوا فعلًا إليها ) ) [13] ، وفي التفسير الوسيط: (( واطمأنوا بها وسكنوا إلى لذائذها فهي آخر همهم ومنتهى غرضهم ) ) [14] ، وفي تفسير البحر المحيط: (( ... وفي الكلام محذوف أي: ورضوا بالحياة الدنيا من الآخرة كقوله: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ، والمعنى أنّ منتهى غرضهم وقصارى آمالهم إنما هو مقصور على ما يصلون إليه في الدنيا، واطمأنوا أي سكنوا إليها، وقنعوا بها، ورفضوا ما سواها ) ) [15] .

ـ معني الرضا والاطمئنان بالدنيا:

ـ قد يصنع الإنسان لنفسه تصورا وهميا ويعيش فيه ويندمج فيه ويطمئن به، فقد يتصور أن المتع والآلام إنما هي في الدنيا، ويتصور أنها عظيمة، فيعيش في الدنيا ويطمئن بها (رغم أنها ليست دار معيشة وحياة يطمئن فيها الإنسان لأن دار الإنسان وحياته الحقيقية في الآخرة) ، فلا يحزن إلا لألم دنيوي ولا يفرح إلا للذة أو خير دنيوي، وذهنه لا ينشغل إلا بالتعامل مع

(1) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي (1/ 480)

(2) البحر المديد ـ موافق للمطبوع (3/ 194)

(3) يونس: 15

(4) الفرقان: 40

(5) النبأ: 27

(6) نوح: 13

(7) السجدة: 30

(8) الجامع لأحكام القرآن (ج: 16، ص: 179) ـ محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي ـ دار الشعب ـ القاهرة.

(9) جامع البيان عن تأويل القرآن (ج: 17، ص: 1) ـ محمد بن جرير بن يزيد الطبري ـ دار الفكر ـ بيروت.

(10) يونس: 7، 8

(11) حديث صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 567، برقم 2333)

(12) التخريج: صحيح (صحيح الترغيب والترهيب ج: 3، برقم: 3283)

(13) أيسر التفاسير للجزائري (ج: 2، ص: 119)

(14) التفسير الوسيط للزحيلي (ج: 2، ص: 945)

(15) البحر المحيط ـ نسخة محققة (ج: 6، ص: 16)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت